حصريا

مِن دولة الغلبة إلى دولة الخِسَّة ( خِدمَة المال ) – أ.مختار الأخضر طيباوي

مِن دولة الغلبة إلى دولة الخِسَّة ( خِدمَة المال )

السِّياسة وقوى المال..؟

قال الله تعالى: {وَإِذَاأَرَدْنَاأَنْنُهْلِكَقَرْيَةًأَمَرْنَامُتْرَفِيهَافَفَسَقُوافِيهَافَحَقَّعَلَيْهَاالْقَوْلُفَدَمَّرْنَاهَاتَدْمِيرًا}[الإسراء]

الحمد لله وحده، و الصَّلاة و السَّلام على من لا نبيَّ بعده.

من السُّنن الكونيَّة التي بيَّنها القرآن : دور أكثر الأثرياء في معارضة الإصلاح في أيِّ مجال كان، و أثرهم في تخريب الدُّول و الأمم ، وسواء قرأنا ” أَمَرْنَا” بمعنى: تكاثر الأثرياء و ما يحدثونه من خلل في قيم المجتمع و معارضتهم الإصلاح وتحويل القيمة المركزية في الحكم السِّياسيِّ التي هي ” الشَّرف” إلى ” الجشع و الطَّمع في المال العامِّ ” فتتحوَّل الدَّولة إلى ” دولة خدمة المال” التي يُسمِّيها بعضهم: ” دولة الخسِّة” … !

أو قرأناها ” أَمَّرْنَا” بتشديد الميم المفتوحة ، أي : على قراءة ابن عبَّاس مثقَّلة، كان المعنى: جعلنا الأغنياء أمراءً حكَّاما، فإنَّ النَّتيجة واحدة، وهي أنَّ دولة ” خدمة المال” أسرع الدُّول انهياراً، و آخر مرحلة قبل دولة الشُّورى و العدل، إذ كلُّ الأشكال الأخرى تمرُّ قبلها، لكن بشروط تأتي لاحقاً.

تصبح دولة (ما) دولةً لخدمة مال الأغنياء عندما تُتخذ السِّياسة ~ من خلال الانتماء إلى الحزب الحاكم “حقيقة أو شكليًّا أو إلى دوائر الحكم الخفيَّة” ~ امتيازاً لتكوين رأس مال ، ثمَّ يصبح هذا المال حكراً على طبقةٍ من الأثرياء يتداولونه دولةً بينهم، قال الله عزَّ وجلَّ : { مَاأَفَاءَاللَّهُعَلَىرَسُولِهِمِنْأَهْلِالْقُرَىفَلِلَّهِوَلِلرَّسُولِوَلِذِيالْقُرْبَىوَالْيَتَامَىوَالْمَسَاكِينِوَابْنِالسَّبِيلِكَيْلَايَكُونَدُولَةًبَيْنَالْأَغْنِيَاءِمِنْكُمْ}[الحشر].

و إن كان هناك أغنياء استخدموا أموالهم لنصرة الحقِّ و دعم الإصلاح كما كان أبو بكر الصَّدِّيق و عمر بن الخطَّاب و عثمان بن عفَّان و أمثالهم فإنَّهم قلَّة قليلة في التَّاريخ البشري ، فالأغنياء عبر التَّاريخ حتى في المجتمع النَّبويِّ كان لهم دور سلبيٌّ ضدَّ الرِّسالة و الإصلاح المجتمعيِّ ، فيكاد يكون الاستغناءسُلماإلىالطُّغيان: {كَلَّاإِنَّالْإِنْسَانَلَيَطْغَى،أَنْرَآَهُاسْتَغْنَى}[العلق]

وقد يكون السَّبب أنَّ هذه الثَّروات جُمعت من استغلال الإنسان الفقير كسحقه تحت فوائد الرِّبا، أو المتاجرة في النِّساء، أو القهر بالسِّيف، فما كان الملوك و الأثرياء إلَّا أشخاصا قهروا غيرهم بالسِّيف و العدد، فكما صاروا ملوكاً بالسَّيف صاروا أثرياء به ، و لهذا يخشون من الإصلاح أن يقطع أسباب استغنائهم ، و لهذا ~ كذلك ~ نجد القرآن يخصُّ هذه الفئة التي احتكرت المال بأنَّهم كانوا مناوئين للرُّسل ، قال الله تعالى على لسان نوح عليه السلام : {قَالَنُوحٌرَبِّإِنَّهُمْعَصَوْنِيوَاتَّبَعُوامَنْلَمْيَزِدْهُمَالُهُوَوَلَدُهُإِلَّاخَسَارًا}[نوح].

وفي أكثر الأحيان يكون الأغنياء في المجتمع دعاة شرك، أو فجور،أو أيديولوجية مناهضة للدِّين، بحسب ثقافة الزَّمن ، يرفضون الإصلاح العامَّ لأنَّه يمنعهم من الاحتكار،و لأنَّ الشِّرك و الفجور و الأيديولوجيات المستوردة بالنِّسبة إليهم هي موارد لجمع المال ، قال الله تعالى : {قَالُوايَاشُعَيْبُأَصَلَاتُكَتَأْمُرُكَأَنْنَتْرُكَمَايَعْبُدُآَبَاؤُنَاأَوْأَنْنَفْعَلَفِيأَمْوَالِنَامَانَشَاءُ}[هود].

و بطبيعة الحال إذا كان المال ~ في الغالب~ خاصَّةً غير المشروع يقود إلى النُّفوذ فإنَّه يقود كذلك إلى الطُّغيان كما أخبر الله تعالى، إذ عندما تعتقد طبقة الأثرياء أحقِّيَّتها في احتكار الثَّروة تعتقد بالضَّرورة أحقِّيَّتها في احتكار القيادة سواء كانت نبوة أو حكماً :{وَقَالُوالَوْلَانُزِّلَهَذَاالْقُرْءانُعَلَىرَجُلٍمِنَالْقَرْيَتَيْنِعَظِيمٍ}[الزخرف]

وكانوا يقصدون :”الوليدبنالمغيرة” -عظيممكَّة- و” عيسىبنمسعودالثقفي” -عظيمالطَّائف”، و كان الجواب الإلهي : {أَهُمْيَقْسِمُونَرَحْمَتَرَبِّكَ}[الزخرف]

ينظر الأثرياء إلى جميع الأمور من زاوية المال ، لا فضيلة عندهم إلَّا في المال، فبه يُقيِّمون النَّاس، وهو مقياس الكفاءة في كلِّ شيء، قال الله تعالى : {وَقَالَلَهُمْنَبِيُّهُمْإِنَّاللَّهَقَدْبَعَثَلَكُمْطَالُوتَمَلِكًاقَالُواأَنَّىيَكُونُلَهُالْمُلْكُعَلَيْنَاوَنَحْنُأَحَقُّبِالْمُلْكِمِنْهُوَلَمْيُؤْتَسَعَةًمِنَالْمَالِ}[البقرة].

تلكهيمواقفهمعبرالتَّاريخ بشهادة القرآن، و لذلك ورد فيهم من الوعيد الشَّديد:{وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ، إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ}[الواقعة].

{وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}[الليل].

هيمنة المال على السِّياسة:

تشهد الدُّول المعاصرة منذ عدَّة سنوات سيطرة الاقتصاد على السِّياسة، فلا يوجد ~ اليوم ~ خطابٌ أو برنامج سياسيٌّ أو أيديولوجيا إلَّا تحت صفَّارة الإنذار للاقتصاد ، لقد توقَّف النَّظر إلى المصلحة العامَّة في إطار تصوُّر مثالي مفتوح على تنمية أكثر سمواً في ضمير إنساني أرقى ، و ظروف معيشةٍ محترمة للجميع ، و درجة أعلى من النَّزاهة، و المساهمة في راحة الإنسان بالمعنى الواسع ، مع مستوى تعليمي أكثر امتداداً حيث الثَّراء الثقافي السَّامي، كلُّ هذا لم يعد إلَّا كلاما مكرَّراً ، تصوُّراً مصهوراً في فكرة واحدة: ” نسبة النُّموِّ”..؟ كما يقول أحدهم.

هذا في العالم الغربي الذي غرق في المادِّيَّة ، أمَّا عندنا ~ في العالم العربيِّ ~فيتعلَّق الأمر في الحقيقة بمظاهر خارجيَّة لِما يجري داخل الأنظمة السِّياسيَّة الطَّرشاء عن الواقع الحقيقيِّ الذي لم يعد يحتمل انغلاق الأفق السِّياسيِّ ، و اقتصاد التَّرقيع ،فمن الواقع ما هو حقيقيٌّ وهمي في آن واحد،مثل واقعية الهولوغرام: صورة طيفية لشخصٍ لكن إذا أمررت عليها يدك وجدتها صورة وهمية… !

و عليه فإنَّ المناورة بعمليَّات واقعية لكنها وهمية كتكثير و سائل الإعلام تحت مسمَّيات مختلفة، وهي ترجع لنفس النِّظام السِّياسيِّ، و تخدمه بشكل أم بآخر، و السمَّاح بتكاثر الأحزاب السِّياسيَّة التي لا تملك قاعدة شعبية، ولا حتى نخبوية لتضليل الرَّأي الدَّاخليِّ و الخارجيِّ عن ديمقراطية مزعومة، مع اقتصاد ريعي و رجال أعمال غير حقيقيين يستثمرون في تزيين سياسة النِّظام أكثر من استثمارهم في اقتصاد حقيقيٍّ، كلُّه واقع وهمي سيستنفد دوره بسرعة .

نحن أمام تحكُّم سلطة المال الذي تحوَّل إلى قوَّة تُملي في كلِّمكان شروط الفعل السِّياسيِّ، و لكن إلى أيِّدرجة..؟

فمثلا تفعل الأنظمة السِّياسيَّة الغربية كلَّ ما في وسعها لـ ” إرضاء السُّوق”، وفي البلاد العربية لـ “ارضاء الأثرياء” و لكن يجب أن يكون الشَّخص أصمَّ أعمى حتى لا يكتشف أنَّ هذا المنهج غير صالح، و أنَّنا في وضعية الفشل التي تقود مباشرة إلى إفلاس عامٍّ، على التَّعبير الشَّائع: ” نسير نحو الحائط” .

في هذه الظُّروف كيف نفهم تعنُّت قادة النِّظام السِّياسيِّ في الاستمرار في هذا المنطق الذي يستنزف الشَّعب ماليا و سياسيًّا ، لماذا صار النِّظام السِّياسيُّ معتمدا كلِّيَّة على السُّلطة المالية التي خلقها بطريقة غير شفافة حيث صنع رجال المال من لا شيء، طبقة أثرياء لا تنتج ثراءً اقتصاديًّا،ولا يتجاوز نشاطها الاقتصادي المقايضة، مقايضة بضاعة استهلاكية بربحٍ وفير ، اغرقت السُّوق بمنتجات مستوردة تعرقل التَّنمية الاقتصاديَّة الحقيقيَّة ، لا تنتج تقنية ، و لا صناعة ، ولا تطوِّر فلاحة، تجلب بمال الشَّعب بضاعة استهلاكية من دول العالم و تُعيد بيعها للشَّعب،أو تستولي على مشاريع بناء الأحياء السَّكنية و ترميم الطُّرقات و الإنارة، و ما في هذا الجنس، ممَّا لا يشارك في التَّنمية و النَّهضة باقتصاد حقيقيٍّ يُقلِّل من نسبة اعتماد البلاد على الخارج… ؟

هل المال الذي صنعته دوائر السِّياسة الخفيَّة هو قطب الجاذبية الحقيقيِّ للسُّلطة السِّياسيَّة أم أنَّه مجرَّد وسيلة في خدمة إرادة سياسيَّة تتحايل على ارادة الشَّعب و حقِّ المكوِّنات السِّياسيَّة الاخرى في المشاركة في إدارة البلاد ..؟

قد يكون رأس المال في قبضة النِّظام السِّياسيِّ بحيث صنعه ليخدمه، لكن عندما يصبح الخادم ضروريًّا لا يمكن الاستغناء عنه يصبح حاكماً فعليًّا للبلاد، على الأقلِّ يفقد النِّظام السِّياسيُّ شطر نفوذه.

مؤشِّرات و استلزام

عندما نتحدَّث في ” فلسفة السِّياسة” عن كلمة ” سلطة” في صيغة الجمع نعني: ” السُّلطات“، بمعنى: السُّلطات البنوية ( الهيكلية ) للدَّولة ، أو نقصد ” السُّلطات النِّدية” التي تدخل في صراع مع السُّلطة السِّياسية نفسها، مثل: ” سلطة الجيش” ، “سلطة المال”، “سلطة الاعلام” ، “سلطة المؤسَّسات الدِّينية” اللارسمية، و كذلك “السُّلطات الاجتماعيَّة” عموماً، مثل : النقابات ، الأحزاب، و الجمعيات … الخ.

عندما وضع مكيافلي أُسس الدَّولة الغربيَّة الحديثة ~ التي تزعم النُّظم السِّياسيَّة في البلاد العربيَّة أنَّها تسعى لتحقيقها ~ صرح أنَّه يرجع للسُّلطة السِّياسيَّة أن تحرص قبل كلِّ شيء على المصلحة العليا للدَّولة، ممَّا يستلزم قبل ذلك تبرير ” حجَّة الدَّولة” و تحديد ماهية ” المصلحة العليا للدَّولة” لأنَّ مبرِّرات بقاء دولة و استمرارها، غير مبرِّرات بقاء نظام معيَّن ..؟

و سواء كنَّا في موقع نظرة مثالية أو نظرة واقعية فالأمر سيان لأنَّ كلَّ المسائل تطأ بعضها بعضاً:السُّلطات النِّدية، أو السُّلطات الاجتماعية تطأ السُّلطة السِّياسية فينشأ عن ذلك خلل في التوازن ،فنحن نعرف خلل تواطؤ طائفة دينيَّة معيَّنة مع أنظمة الحكم .

و نعلم أنَّه من الخطر بمكان أن تكون جميع المؤسِّسات الإعلاميَّة في خدمة النِّظام السِّياسيِّ، كما نعرف مخاطر أن تتسلَّح الأحزاب و تكوِّن مليشيات تنافس جيش و شرطة الدَّولة، وقد ذقنا ويلات الانقلابات العسكرية، و لا نزال نعيش في سلبياتها،و الأخطر من كلِّ هذا هو التَّواطؤ و التَّحالف بين السُّلطة السِّياسيَّة و سلطة المال، لأنَّه يصعب رؤيتها فالحدود بينهما ضبابية … !

المثالية و الواقعية

و قد يُبرِّر النِّظام السِّياسيُّ تأخير الإصلاحات السِّياسيَّة اللازمة بظروف الوقت كعدم وعي الشَّعب، أو عدم نضج المعارضة السِّياسيَّة ، و أنَّها أو بعض أطرافها كالإسلاميِّين غلبت عليهم المثالية.. !

لقد أصبحت هذه الكلمة ” المثالية” عذراًلكلِّ من يرفض التَّغيير و يتَّخذ من الواقع ذريعة لاستمراره،وهذا تصوير مغلوط لأنَّ النَّظرة المثالية هي في الحقيقة ” الواقع المقصود” الذي نريد الوصول إليه،و النَّظر إلى الأمور بنظرة مثالية لا يعني أبداً أنَّ الهدف هو تحقيقها ،بل هو هدف نسير نحوه ، وهي دافع للخروج من الواقع الموجود، فمن يجعل هدفه ” الحقيقة المطلقة” لا يعني أنَّه سيظفر بها في كلِّ زاوية، ولكن سيظفر ببعضها و يقترب من بعضها الآخر.

و هكذا النَّظرة المثالية في السِّياسة لا تعني بالضَّرورة أنَّها مضادَّة للنَّظرة الواقعية، لأنَّ المثالية هي كذلك واقع و لكنه مقصود، و ما يسمُّونه ” الواقعية” هي واقع موجود، وهو ~ في الحقيقة ~ إجراء وليس هدفاً في حدِّذاته.

لقد بيَّن أفلاطون في (الجمهورية)أنَّه عندما تتلاشي قيمة ” الشَّرف ” التي تكوِّن ” التيموقراطية” 🙁 دولة الثَّروة و القوَّة العسكرية أو دولة الغلبة) يقصد: دولة الإمبراطورية و دولة الغزو يأخذ مكانها: اغراء الثَّراء، فتتغيَّر القيم التي يحملها المجتمع السِّياسيِّ،و تتحوَّل من ” التيموقراطية”إلى ” الأوليغارشية”:( حكومة الأقلِّيَّة من الأغنياء ـ دولة خدمة المال) و في الأخير :دولة الخسَّة .

يُبنى كلُّ المجتمع على أساس اعتقاد جماعيٍّ ” مجموع قيم” مشترك بين النَّاس الذين يشكِّلون ذاك المجتمع ، وعلى هذا تتقاسم المجتمعات قيَمًا هي موضوع ترابط أفراد ذاك المجتمع، و عندما تغيب قيمة ” الشَّرف” ~ وهي في السِّياسة عنوان القيم الأخرى كـ النَّزاهة و العدالة ~ تُسيطر ثقافة المال فننتقل مباشرة إلى حكم الأغنياء.. !

و الأغنياء هم كلُّ متحكِّم في أموال الدَّولة، قد يكونون عسكرا لهم نشاطات تجارية، أو رجال أعمال مؤثِّرين في أروقة النِّظام السِّياسيِّ؛بالنِّسبة لأفلاطون فإنَّ التناقضات الدَّاخليَّة لـ” دولة الأغنياء” هي ما يُسرِّع انهيارها، فدولة الأغنياء دولة الخسَّة لأنَّها تعبُد قوَّة المال، و تصوُّرها للسُّلطة يدفعها نحو جهة واحدة هي:نهب المال العامِّ من أجل مضاعفة مصالح بعض الأشخاص.. !

وهي دولة تُفسد أخلاق الشَّعب و عقيدته حتى يصبح همُّه الرَّفاهية المادِّيَّة على حساب القيم ، و يكثر فيها الارتشاء و الفساد، حيث يتحوَّل المواطن فيها إلى بخيلٍ، جشع، طمَّاع، يمدح الأغنياء و يُعجب بهم، و يحملهم إلى السُّلطة و يحتقر الفقير ، قال الله تعالى : {فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يَا لَيْتَ لَنا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}[القصص] فحيث يكثر جبابرة المال يكثر معهم السَّفلة .

و بعد أن يختفي المال العامُّ عن النَّظر ينحرف النِّظام السِّياسيِّ إلى كلِّ الأخطاء، فإنَّه في بحثه عن تفضيل الأغنياء يُفقر الفقراء، و يجد نفسه مسحوباً إلى الانقلاب على ذاته..؟

ما يقوله أفلاطون هو أنَّ الأغنياء ليسوا أهلًا للحكم لأنَّهم يميلون إلى نهب المال العامِّ لمصلحتهم الشَّخصية، و يُقارن السُّلطة السِّياسيَّة بطريقة قيادة سفينة، لا يُحسن الغنيُّ مسك الدَّفَّة كما ينبغي، فكفاءة إدارة الأعمال ليست نفس كفاءة إدارةالحكم.

و لهذا سيولِّد نظام دولة المال رغماً عنه تناقض الطَّبقات، حيث يعتزل الأغنياء في طبقتهم و أحيائهم السَّكنية ومرتبتهم السِّياسيَّة لمضاعفة ثرواتهم، و يدفع الفقراء إلى المؤخِّرة، و سيكونون أكثر فقراً، وهكذا تفقد المدينة وحدتها مقسومةً ضدَّ نفسها: الأغنياء و الفقراء يسكنون نفس البلد لكن يبغضون بعضهم بعضاً، و ربَّما يحيكون ضدَّ بعضهم بعضا المؤامرات، ممَّا يعني:الانفجار في أقرب الآجال.

و هذا في الحقيقة سُنَّة منسنناللهفيالكون يطلعنا عليها القرآن حيث أخبرنا بأنَّهلاكالمدن ،وانهيارالحضاراتوتحلُّلالمجتمعات،مقترنبسيطرة الأثرياء على مفاصل الحياة الاجتماعيَّة و السِّياسيَّة، الذين يُسمِّيهم بـ “المترفين”: {وَإِذَاأَرَدْنَاأَنْنُهْلِكَقَرْيَةًأَمَرْنَامُتْرَفِيهَافَفَسَقُوافِيهَافَحَقَّعَلَيْهَاالْقَوْلُفَدَمَّرْنَاهَاتَدْمِيرًا}[الإسراء].

و ” الترف” هو التَّنعُّم، و المُتْرَفُ هو ” الَّذِيقَدْأَبْطَرَتْهالنعمةُوسَعةالعيْشِ،وأَتْرَفَتْهالنَّعْمةُأَيأَطْغَتْه.

المُتْرَفُ: المُتَنَعِّمُالمُتَوَسِّعُفِيمَلاذِّالدُّنْيَاوشَهواتِها.[ لسان العرب : 9/17]

وعليه فإنَّ معارضة هذه الطَّبقة الثَّرية المسيطرة على المال و الحكم للإصلاح، و للصَّالح العامِّ هو قانون كوني، فقد رفع المال في وجه الأنبياء و المصلحين أكثر ممَّا رفع السَّيف نفسه، قال الله تعالى: {وَمَاأَرْسَلْنَافِيقَرْيَةٍمِنْنَذِيرٍإِلَّاقَالَمُتْرَفُوهَاإِنَّابِمَاأُرْسِلْتُمْبِهِكَافِرُونَ, وَقَالُوانَحْنُأَكْثَرُأَمْوَالًاوَأَوْلَادًاوَمَانَحْنُبِمُعَذَّبِينَ} [سبأ].

{وَقَالَالْمَلَأُمِنْقَوْمِهِالَّذِينَكَفَرُواوَكَذَّبُوابِلِقَاءِالْآَخِرَةِوَأَتْرَفْنَاهُمْفِيالْحَيَاةِالدُّنْيَامَاهَذَاإِلَّابَشَرٌمِثْلُكُمْيَأْكُلُمِمَّاتَأْكُلُونَمِنْهُوَيَشْرَبُمِمَّاتَشْرَبُونَ, وَلَئِنْأَطَعْتُمْبَشَرًامِثْلَكُمْإِنَّكُمْإِذًالَخَاسِرُونَ}[المؤمنون].

إنَّ الأثرياء المترفين ~ وفي ” الترف” معنى الطُّغيان و العبث ~حججهم عبثية؛ القصد منها الحفاظ على امتيازاتهم، فكلُّ دعوة إصلاحية ترهبهم و تخيفهم ، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَمَاأَرْسَلْنَامِنْقَبْلِكَفِيقَرْيَةٍمِنْنَذِيرٍإِلَّاقَالَمُتْرَفُوهَاإِنَّاوَجَدْنَاآَبَاءَنَاعَلَىأُمَّةٍوَإِنَّاعَلَىآَثَارِهِمْمُقْتَدُونَ}[الزخرف].

إنَّ المال في الحقيقة نعمة إذا ما ضُبط بشروطه،فأدَّى ما عليه من واجبات ، و ساهم في نشر الخير ، و أُنفق لصدِّ الشَّرِّ كفساد الأخلاق ، و الظُّلم و غير ذلك،أمَّا المال المكتسب بطريقة مشبوهة ، أو الذي أصله مال الشَّعب، أو يستخدم لنشر الرَّذيلة ، أو للهيمنة على النَّاس و التَّحكُّم فيهم بغير وجه حقٍّ ، فهو في الحقيقة قوَّة تجعل من صاحبه مجرماً ، قال الله تعالى: {وَاتَّبَعَالَّذِينَظَلَمُوامَاأُتْرِفُوافِيهِوَكَانُوامُجْرِمِينَ}[هود].

و لهذا كان منطق ” النُّظم السِّياسيَّة ” أنَّنا ننتقل بالضَّرورة من دولة الخسَّة إلى دولة أكثر عدالة، فإنَّ الشَّعب المقهور المسحوق تحت تطرُّف و تناقضات السِّياسة و المال يثور~ عندما يعجز الريع عن محاكاة دولة الرَّفاهية في بعض الجزئيَّات ~و يقلب الأغنياء و يستولي على السُّلطة فتظهر [الديمقراطية]…؟

هذا هو المصير الواقعي لدولة خدمة المال، وقد حدث أمام أعيننا في تونس و مصر حيث أصبحت الطَّبقة الحاكمة مع حسني مبارك رجال الأعمال، و لكن رغم سقوط النِّظام عادت من جديدٍ دولة الغلبة في مصر ، أو دولة المال في تونس ، و السَّبب سنتناوله لاحقاً عند الحديث عن الواقع الوهمي للمعارضة السِّياسيَّة .

و العاقبة السَّيِّئة للمترفين الذين يعارضون الإصلاح و الصَّلاح أمر واقعي كما شاهدناه في التَّاريخ القديم و الحديث،بانهيار دول الخسَّة ، و بما توعدهم الله في القرآن : {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ، لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ، قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ}[الأنبياء]

و قال أيضا : {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ، لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ، قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ، مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون].

و كذلك يوم القيامة لن تغني الأموال من ناصب المصلحين العداء، و نشر الفساد في المسلمين ، ولن ينفعهم ما حقَّق لهم المال من سلطان : {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَاكانَتِالْقاضِيَةَ،مَاأَغْنىعَنِّيمالِيَهْ،هَلَكَعَنِّيسُلْطانِيَهْ}[الحاقة]

الأنظمة التي تعبد المال حركة مؤقَّتة، سريعة الانهيار لأنَّ النظام المثالي الذي يسعى إليه النَّاس و إن كان إيتوبية عند كثير من أشكال الأنظمة السِّياسيَّة التي ترفع شعار الواقعية للتَّخلِّي عن واجبات الإصلاح ، لكنه يظلُّ في البشر سعيا و مطلباً يتجاوز الأزمنة .

الواقع الحقيقيُّ و الواقع الوهمي

في كثيرٍ من الأحيان نستعمل تعبير ” في الواقع” لملاحظة معارضة بالنِّسبة إلى تمثُّل ما ، يكون مغلوطاً ،غير مؤسَّس الَّا على الظَّاهر، أو يكون أصلًا من جنس الوهم ، فيمكن أن نعتقد للوهلة الأولى أنَّ تمثيلًا صحيح لكن عند الفحص يمكن أن يتبيَّن أنَّ الأمور ليست كما كنَّا نعتقد، ليست هي في الواقع كما كنَّا نتصور ، وفي هذه الحالة فإنَّ من لم يكن قادراً على تصحيح أحكامه و الاعتراف بأخطائه عندما يُخطئ سيتوقف على أن يكون ذكيًّا .

الواقعي قد يكون هو شيئية الشَّيء، و مع ذلك يظلُّ هذا التَّعريف ضبابياً، فالواقعي ما كان له وجود ملموس،ما نصادفه في التَّجربة التي نعيشها بواسطة الحواسِّ، فالقلم بالنِّسبة إليَّ واقعي لأنَّه يمكنني أن أضع عليه يدي،و لو كان هولوغرام لم يكن قلماًأستطيع الامساك به و لكن مجرَّد صورة ثلاثية الأبعاد.. !

وهذا لا يمنع أنَّ الظَّاهرة نفسها لها واقعية ما، لكن قبل تمرير اليد من خلاله البناء الذِّهني المتعلِّق به كان خاطئا، فهو واقعي كصورة ثلاثية الأبعاد لقلمٍ، و ليس واقعيًّا كقلم أستطيع أن أمسك به و أخطَّ به على ورقة .

الواقعية الوهمية التي تقع فيها أطياف المعارضة هي عدم فهم موقف الشَّعب، فليس الشَّعب غبيَّا كما يتصوَّره بعض النَّاس عندما يراه معتزلا مسؤوليته فيما يخصُّ السُّلطة السِّياسيَّة ، بل هو متابع لها بشكل ما ،قد أفسدت دولة خدمة المال وعيه ،وجعلت اهتماماته تنصبُّ على الكسب المادِّيِّ، فهو بخلاف أهل السِّياسة ينظر للسُّلطة من خلال ظروفه المعيشية، و أهمُّ من ذلك باعتدالٍ، يعني: يعرف متى تتجاوز السُّلطة الخطوط الحمر الخاصَّة بمعيشته، ومتى تكون الأوضاع مقبولة لأنَّها في حدود الممكن.

فالشَّعب لا ينظر إلى السُّلطة السِّياسيَّة من خلال مهرجان تنصيب الوزراء و عزلهم ، ولا يقف عند أخطاء النِّظام السِّياسي،و الفضائح التي تلاحقه لأنَّه شعب لم يبلغ بعد درجة النُّضج السِّياسيِّ الكافي ليتجاوز اهتمامه بالسِّياسة البُعد الاقتصادي،كما أنَّه يعلم أنَّ المعارضة السِّياسيَّة تُعارض بغضِّ النَّظر عن حالته المعيشية إن كانت في الرَّفاهية أو الفقر المدقع …؟

وعلى هذا فإنَّ كان النِّظام السِّياسيُّ في بلداننا تعلَّم شيئا جديدا وهو صناعة واقع هولوغرافي ، واقع إعلامي ، و اقتصادي و ديمقراطيلا يتجاوز كونه صوراً هولوغرافية تُرى بالعين أو تُسمع بالأذن، لكن لا يمكن الإمساك، و لا الإحساس بها إحساساً ملموسا، فكذلك المعارضة تعيش في واقع هولوغرافي آخر مفصول عن الشَّعب، وعن صناعة الوعي النَّاقص عنده، فالمعارضة نخبوية في بعض الأحزاب التي تُعاني من نفس أمراض النِّظام السِّياسيِّ داخليًّا، أو هي شكليَّة صنعها النِّظام لملءِ فراغ الصُّورة، و الشَّعب ينظر للجميع على أنَّهم سواء.

فلا المعارضة استطاعت تجديد نفسها فأخرجت جيل القيادة الذي فشل ، أو أدَّى ما أمكنه ليترك مكانه لجيل آخر و رؤيا أخرى جديدة، و قد سبق و أغراها النِّظام و لطَّخها ..؟

و في مثل هذه الحال لا يلوم الشَّعب على اعتزاله المعركة السِّياسيَّة عاقل، فنحن ~ في حقيقة ~ أمام لعبة بنفس الأشخاص و القواعد، تُعيد نفس النتائج: مزوِّر ومشارك في التَّزوير،في الحقيقة لا توجد حياة سياسيَّة، و الكلُّ خارج ديناميكية التَّاريخ الاجتماعيِّ و السِّياسيِّ.

لم يكن المشكل في سقوط دولة خدمة المال، فإنَّها دولة لا تملك مقوِّمات البقاء فكما قال الوزير المغربي في ” مجموعه السِّياسيِّ”(1/56) “وليعلمأَنَّكثيرامنالْفِتَنتهيجبشكايةالضُّعَفَاءوحقدالْأَغْنِيَاء” ، و لكن في غياب معارضة واعية تحمل مشروعاً، و عندها نَفَسٌ لإنجاز مراحله، تجدِّد وعي و فهم المسلم ،وتُحي فيه خلق المسئولية ليكون مستعدًّا لاستلام الأمور عند سقوط دولة خدمة المال حتى لا تعود بشكلٍ آخر ، أو تعود دولةُ الغلبة ، هنا معركة المعارضة الحقيقيَّة،وهذا سبب عودة دولة الغلبة في مصر و دولة خدمة المال في تونس، لا الجري خلف الفُتات الذي ينشره النِّظام على طريق الوهم السِّياسيِّ.

في مقابل ” دولة خدمة المال” يحتاج المجتمع إلى ” معارضة الزُّهد”، على رأي الرَّجل الذي نظر إلى أبي يوسف القاضي ،وعليه خلعة الرَّشيد ، فقال: جئتُ لآخذ عنك ديني فإذا أنت في زيِّ قارون .. !

أرزيو/ الجزائر ؛ في 21/08/2017م

مختار الأخضر طيباوي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.