حصريا

مفاتيح السعادة الأسرية -الدكتور محمد شاكر المودني- المغرب-

0 127

بسم الله الرحمن الرحيم
مفاتيح السعادة الأسرية
الدكتور محمد شاكر المودني
أستاذ التعليم العالي – مكناس/ المغرب
elmoudnichakir@gmail.com
تمهيد:
السعادة من أعظم مقاصد إنزال القرآن الكريم قال تعالى: {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2)} [طه:1-3]، ولهذا كان مبنى الشريعة الإسلامية على جلب المصالح ودفع المفاسد في العاجل والآجل كما قال علماء الأصول، وجاء الإسلام بكل أحكامه وتشريعاته لإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه:123]. لقد كانت السعادة دائما مطلب الناس كلهم، وهدفا يسعى الجميع إلى تحقيقه بمختلف الوسائل.. أفنى الكثيرون أعمارهم بحثا عن السعادة فمنهم من حصَّلها وحققها، ومنهم من حصد السراب وعاش العذاب والضنك والشقاء..
فما السعادة؟ وكيف السبيل إلى تحقيقها في حياتنا كلها؟ وكيف العمل لتأسيس أسر سعيدة؟
1- في مفهوم السعادة:
يدور معنى السعادة في اللغة على اليمن والخير والسرور، وهو خلاف النحس والشقاوة، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105]، فجاءت السعادة في مقابل الشقاوة. وهاهنا يخلط البعض بين بعض المفاهيم، كالخلط بين السعادة واللذة، فتجده يهتم بالماديات أكثر بحثا عن السعادة، والحقيقة أن هناك فرقا بين السعادة واللذة؛ فاللذائذ حسية مادية تأتي من الخارج عادة.. أما السعادة فشيء معنوي وشعور داخلي يحسه الإنسان بين جوانبه، يتمثل في سكينة النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر.. فترى الرضا والسرور والفرح على محيا الواحد رغم كل ظروف الفقر والحاجة والخصاصة التي يعيشها، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }[النحل: 97]، ويبقى السؤال دائما، كيف السبيل إلى تحقيق السعادة؟
يقول الفقيه الشاعر الدكتور يوسف القرضاوي في قصيدة بعنوان السعادة:
أمـل إليـه هفت قلـوب النـاس في الـزمن التـليـد
أمـل.. إليـه سعـى الملوك كـما إليـه رنـا العبيـد
وتـساءلـوا عنه، ولكن من يجـيـب؟ ومـن يفيـد؟
عـادوا وكـل سـؤالهم أيـن السـعـادة والسـعيـد؟
2- منطلقات وقواعد في طريق السعادة:
أ- السعادة مطلب يسعى إلى تحقيقه الجميع نعم.. ولكنها وعي وفهم ومهارة يفوز بها من خبر دروب السعادة وتعلم فنون الحياة..
ب- استمتع بما تملك ولا تربط سعادتك بما لا تملك:
قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى }[طه: 131] فإذا كان لديك بيت يؤويك وطعام يشبعك ولباس يسترك، فأنت أغنى من 75% من سكان العالم، أما إذا كنت تستطيع ادخار المال لوقت الشدة فأنت تعتبر من بين 8% الأغنى في العالم..
وأما إذا أصبحت في عافية، فأنت في نعمة عظيمة، فهناك مليون إنسان في العالم لا يستطيعون أن يعيشوا لأكثر من أسبوع بسبب المرض..
أما إذا لم تتجرع طعم الحروب أو السجون أو التعذيب فأنت أفضل من 500 مليون إنسان عاشوا في السجون أو الحروب واصطلوا بجحيمها..
أما إذا كنت تخرج من بيتك وتقضي مصالحك، وتذهب للمسجد في أمن وأمان دون خوف من الاعتقال أو القتل فأنت أفضل من 3 مليارات من البشر يفتقدون الأمن..
فسعادتك إذن بين يديك لا تنتظرها لتأتيك، ولا تربطها بما ليس عندك.. المسألة إذن كيف تنظر لما عندك وما حولك؟ وكيف تستمتع بما تملك؟
جـ- التوازن صمام أمان:
الإنسان مادة وروح، عقل وقلب.. قال تعالى: {ابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص:77]، ويقول الشاعر أبو الفتح البستي في نونيته:
يا خادمَ الجسم كـــــــــــم تشقـى بِخدمته * * * أتطلب الربح فيمـا فيـه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها * * * فأنـت بالنفس لا بالجسم إنسـان
فأي إهمال لأحد هذه المكونات يفقد معه الإنسان البوصلة، ويدخله في متاهة تضيع معها مصالحه وطمأنينته وسعادته. فالإفراط في الماديات وخدمة الجسد على حساب خدمة الروح وصفاء السريرة تعاسة، والمبالغة في خدمة الروح على حساب الجسم، شقاوة ورهبانية، ما أنزل الله بها من سلطان، ومبنى الدين على التوازن والاعتدال: {ابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 77]، من غير إفراط ولا تفريط، والسعيد من يوازن بين حاجات الروح ومتطلبات الجسد، بين العمل للدنيا والاستعداد للآخرة، في وسطية واعتدال كما قال تعالى:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا }[الإسراء: 110].
د- العطاء مصدر السعادة:
أعلى درجات السعادة تأتي من العطاء وليس الأخذ.. يقول باحثون كنديون إن جني مبالغ طائلة من الأموال لا يجلب السعادة لإنسان، بل ما يعزز شعوره بالسعادة هو إنفاق المال على الآخرين. ويقول فريق الباحثين في جامعة بريتيش كولومبيا إن إنفاق أي مبلغ على الآخرين ولو كان خمسة دولارات فقط يبعث السعادة في النفس…
وفي الحديث:»مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِما سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ..«.
وقد وجدنا النبي يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فتسأله عائشة رضي الله عنها: “لمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟” قال:»أفلا أحب أن أكون عبداً شكورا«.
العطاء يتطلب الجهد والتعب.. لكن التعب يزول، وتبقى لذة الإنجاز، وتتحول إلى سعادة..
حياتك من صنع أفكارك كما قال الإمبراطور والفيلسوف الروماني “ماركوس أورليوس”، وهي مجموع قراراتك؛ فعندما يكون معتقدك أن هذا التعب سبب تعاسة ستكون تعيسا، وإذا كانت أهدافك كبيرة من هذا التعب سيحقق لك هذا الأخير السعادة، ومن أراد العلا سهر الليالي..
هـ- جدد حياتك:
الإنسان مطالب بتجديد حياته وبعث روح فيها دائما.. لأنه هو الذي يعطي لونا لحياته فيصبغها بصبغة السعادة أو الشقاوة.. كما في الحديث:»فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط«.
بالأمس كتب الشيخ محمد الغزالي كتابه النفيس “جدد حياتك” ومما جاء فيه قوله: “كثيرا ما يحب الإنسان أن يبدأ صفحة جديدة في حياته، ولكنه يقرن هذه البداية المرغوبة بموعد مع الأقدار المجهولة، كتحسن في حالته، أو تحول في مكانته. وقد يقرنها بموسم معين، أو مناسبة خاصة كعيد ميلاد، أو غرة عام مثلا. وهو في هذا التسويف يشعر بأن رافدا من روافد القوة المرموقة قد يجئ مع هذا الموعد، فينشطه بعد خمول ويُمَنِّية بعد إياس، وهذا وهم، فإن تجدد الحياة ينبع قبل كل شيء من داخل النفس”.
فـ”الإنسان إذا ملك نفسه وملك وقته، واحتفظ بحرية الحركة لقاء ما يواجه من شؤون كريهة، إنه يقدر على فعل الكثير دون انتظار أمداد خارجية تساعده على ما يريد. إنه بقواه الكامنة، وملكاته المدفونة فيه، والفرص المحدودة، أو التافهة المتاحة له يستطيع أن يبنى حياته من جديد”.
فالسعادة التي ينشدها الجميع إذن قرار يملك اتخاذه كل إنسان، ووضع يؤسس له ويختاره لنفسه كل واحد.. فقط يكفيه أن ينفض عنه غبار الكسل، وأن يجدد النَّفَس، وأن يعيد تنظيم حياته، وأن يستأنف مسيره إلى ربه بتجديد ارتباطه به، وإخلاص نيته وقصده، وتصحيح علاقته به سبحانه التزاما بالعهد الأول ووفاء به، وسيرا على الدرب عملا وبذلا وجهادا..
بعد هذا الحديث العام عن السعادة.. فإن مفاتيح السعادة الأسرية لا تخرج عن المعنى والإطار العام الذي قدمناه، فهي إذن بيدك أنت، ما عليك إلا فتح الأبواب والدخول باسم الله.. وإليك بعض أهم المفاتيح:
3- مفاتيح السعادة الأسرية:
– المفتاح الأول: اسجد واقترب:
مقام القرب والأنس بالله مقام رفيع.. قمة السعادة ورأس هرمها.. مدخله الأساس (اسجد) بكل ما يدل عليه الفعل من معاني الذلة بين يدي الله والعبودية له سبحانه.. يقول ابن القيم رحمه الله: “في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا”.أصلح ما بينك وبين الله يصلح الله أحوالك وأولادك ومحيطك، قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:82]، وقال الله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90 ].
فالصلاح الأسري أول الضمانات وأول مفاتيح السعادة..
ولهذا وجدنا في القرآن الكريم ما يشد الأزر ويحفز على الفعل؛ قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [يونس:87] ولا يكفي الفعل بل المطلوب المسارعة في فعل الخيرات: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}[الأنبياء:90].
مع الحرص على الدعاء وخاصة الجماعي:{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}[الأنبياء:90].
وعين الأسرة على المصير والوقفة بين يدي الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }[التحريم:6] – المفتاح الثاني: تقبل الآخر كما هو.. مع التقدير والاحترام:
القرآن الكريم يعلمنا أن الزواج رزق، قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى }[طه: 131] وأنه نعمة كبيرة كما قال الرسول الكريم عليه السلام:»ألا أخبرك بخير ما يكتنز المرء؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته«، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله قال:»أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء«.
ولكن ضمانة استمرار هذه النعمة وبناء أسرة سليمة سعيدة هو ما نصت عليه الأحاديث الشريفة، كما في قوله عليه السلام في شأن الراغب في الزواج:»إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه«، وقوله في شأن المطلوبة للزواج: »فاظفر بذات الدين والخلق تربت يداك«.. فخَصَّصَ عليه الصلاة والسلام الخلق من الدين لاعتباره الضمانة الحقيقية لتأسيس أسرة سعيدة، مبناها على المحبة والمودة والرحمة والتقدير والاحترام.. قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} [الروم: 20]، وفي الحديث:»لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر«.
– المفتاح الثالث: الإفضاء والحوار والتشاور والتشارك:
لقد نوه القرآن بالحوار وساق لنا نموذجا للتمييز بين الحوار والجدال فقال تعالى{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}[المجادلة:1]، فهذه خولة رضي الله عنها جاءت غاضبة إلى الرسول تشكي زوجها، فجاءت مجادلة من الغضب لكنها باحتضان الرسول عليه السلام لها وامتصاص غضبها بحسن استماعه لها تحولت من الجدال إلى الحوار، فالذي ينبغي أن يسود في البيوت ليس الجدل العقيم وإنما الحوار اللطيف والمذاكرة الحسنة والتشاور البناء ففي الحديث:»خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي«، وقد كان رسولنا الكريم رجلا محاورا لا زوجا مستبدا، ما رفع قط صوتا ولا سوطا، ما ضرب أحدا قط لا طفلا ولا امرأة ولا خادما، فهذا هديه، ويوم الحديبية أمر الصحابة أن يحلقوا رؤوسهم فلم يأتمروا بأمره، فدخل على زوجته أم سلمة فأشارت عليه أن يحلق هو أولا فخرج إليهم فحلق ثم حلقوا، فعلَّمنا بذلك أدب العلاقة الزوجية وجو الحوار والتشاور والتشارك الذي ينبغي أن يسود في الأسرة كلها، وقصة أبي زرع التي قال في آخرها عليه السلام لعائشة رضي الله عنها أيضا:»كنت لك كأبي زرع لأم زرع« تعكس كيف كان عليه السلام يهتم لزوجاته ويفضي إليهن ويحسن الاستماع لهن ويتجاوب معهن.. وهو الذي كان يقول:»المؤمن مَألف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف«، وكان يدعو إلى التحلي باللين والرفق، ويقول:»إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه«.. يقول الدكتور راشد السهل أستاذ علم النفس: “التشاور يجمع القلوب ويزكي النفوس، تكون القرارات أكثر قوة وحكمة، شعور جماعي بالتقدير والاحترام”.
– المفتاح الرابع: الحب صمام أمان:
البيت الذي لا يُبنى على المحبة والمودة لن تعرف السعادة طريقها إليه، والأصل فيه أن يعيش الاضطراب والفوضى واللااستقرار، قال تعالى: {مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} [الروم:20]، فالسكن بما يتضمنه من معاني الاستقرار والطمأنينة مقصد من مقاصد الشريعة في الأسرة وبنائها واستمرارها.. والحب صمام أمان حقيقي في العلاقة الزوجية والسكن الأسري.. وإذا كان الحب فعلا قلبيا فالذي يجليه أفعال وتعابير ونظرات وقسمات.. ولهذا دعا الإسلام إلى إعلان الحب بين المؤمنين لما يفعله التعبير من التأثير الإيجابي في العلاقات الاجتماعية، ولهذا لم يكتف النبي عليه السلام بالدعوة إلى تبسم الأخ في وجه أخيه كما في حديث أبي ذر:»وتبسمك في وجه أخيك لك صدقة«، بل دعا إلى إعلان هذا الحب فقال عليه السلام:»إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه«، وهو ما تمثله النبي عليه السلام في العلاقة الزوجية وهو يقدم القدوة المثلى للمؤمنين والمؤمنات عندما جاءه عمرو بن العاص يسأله: “أي الناس أحب إليك؟ فيقول: عائشة”، يعلنها أمام العالمين من غير أن يعتبر ذلك خدشا للحياء، فخير الهدي هديه عليه السلام.. وقد يعجز اللسان أحيانا عن التعبير فينوب عنه الجسد كله؛ فالنظرة تعبير، والابتسامة تعبير، واليد الحانية تعبير، والهدية تعبير، والقبلة تعبير… روى مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله أن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة زوج النبي ، فدخل عليها زوجها هنالك، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وهو صائم، فقالت له عائشة: “ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتقبلها وتلاعبها فقال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم إن رسول الله يفعله”.
وكلما ساد الحب بيتا أرخى بظلاله على الحياة الأسرية كلها سعادة وطمأنينة واستقرارا وفاعلية وإيجابية، فإذا بجو الفرح والمرح والبهجة يعم البيت ويملأ أرجاءه؛ فترى صورا مختلفة لمثل فعل الرسول عليه السلام يوم سابق عائشة رضي الله عنها فسبقته مرة وسبقها أخرى بما يدل على تكرر الفعل في بيت النبوة وليس استثناء، وتَرَى تَصَابٍ للأبناء يجلي ذلك الحب والتعلق بين أفراد الأسرة كما جسده رسولنا الكريم عليه السلام يوم تمثل وضع الجمل يمشي على أربع، وارتحله ابناه وسبطاه الحسن والحسين وهو يقول:”نعم الجمل جملكما، ونعم العِدلان أنتما”.
– المفتاح الخامس: التوافق مع الأبناء:
وهاهنا تتعثر كثير من الأسر، فتجد آباء وأمهات فشلوا في تربية أبنائهم ووصلوا إلى الطريق المسدود في أحيان كثيرة، واشتعلت نيران الخلاف والصراع والخصومة في البيت تحول معها إلى جهنم أرضية يحترق بلهيبها الأبوان أولا وقد يمتد الحريق إلى المجتمع كله. والحق أنه لا توجد وصفة سحرية في التربية، ولكن ينبغي أن نقر أن التربية فن والله تعالى يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[الأنبياء: 7]، وأن مقولات شعبية من مثل: “المربي من عند ربي” أتت على الأخضر واليابس، وقدمت شهادة لإبراء الذمة ووثيقة لتقديم الاستقالة من واجبات البيت والتخلي عن مسؤولية التربية..
وأول قواعد التربية وشروط الصحة والسلامة والسعادة الأسرية هو التوافق الزوجي الذي يوفر التربة الخصبة والبيئة المناسبة لتربية الأبناء..
وثاني القواعد هو أن البيت ليس ثكنة عسكرية تسودها القوانين الصارمة واللغة الجافة، بل البيت فضاء الدفء والحب، اعتبره القرآن سكنا لما يوفره لصاحبه من الطمأنينة والسكينة {اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}[النحل: 80]، وجعل السكن من مقاصد الزواج وبناء الأسرة:: {مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} [الروم: 20]، ولهذا كان الأصل في التربية الحب والرحمة، فهذا أنس رضي الله عنه قال: “خدمت رسول الله عشر سنين، والله ما قال لي أف قط ولا قال لي لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا”، وهذا الأقرع بن حابس يرى النبي عليه السلام يقبل الحسن بن علي فقال: ﺇﻥّ ﻟﻲ ﻋﺸﺮﺓ ﻣﻦﺍﻟﻮﻟﺪ، ﻣﺎ قبَّلتُ ﻣﻨﻬﻢ أحدًا، ﻓﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻪ ﺭﺳﻮﻝ ﺛﻢ ﻗﺎﻝ:»من لا يَرحم لا يُرحم«.
ومن قواعد التربية بناء الثقة بالنفس عند الطفل وتقدير ذاته واحترامه واحترام خصوصياته، فكثيرا ما يريد الأبوان من أبنائهم نسخا طبق الأصل لهم، وينسى الآباء أن أبناءهم ولدوا لزمان غير زمانهم، وأنه ينبغي تأهيلهم لينخرطوا في زمانهم بكل تحولاته، في حصانة تامة،وبإمكانات ومهارات تساعدهم على الاندماج الإيجابي في مجتمعهم، وعلى التفاعل الباني مع المتغيرات، من غير فقدان للهوية أو تضييع للبوصلة..
ومما ينبغي الحرص عليه كذلك إشراك الأبناء في انشغالات واهتمامات وهموم الأبوين، وتحميلهم المسؤولية وتدريبهم على الاقتراح والانخراط، والمبادرة والجاهزية، والفعل والإنجاز.. وكذلك مشاركتهم همومهم واهتماماتهم، وأفراحهم وحزنهم.. وهكذا، فهذا رسولنا محمد عليه السلام يسأل الطفل الصغير أبا عمير عن النغير عصفوره الصغير، فيرمي أبو عمير بنفسه في حضن رسول الله وهو يبكي، ويقول: لقد مات النغير.. لقد مات النغير.. يشاركه المربي العظيم الحزن والألم..
وأخيرا، فمن أهم ما ينبغي أن يحرص عليه الآباء المربون هو القدوة الحسنة، فالتربية ليست بالتلقين، وبكلمات يرددها الآباء، أول ما يفندها هو سلوكهم، بل تمثل الآباء لما يؤمنون به من المثل والقيم، وتخلقهم بما يدعون إليه من الأخلاق، أعظم معلم وأكبر مربي، وصدق الله تعالى حين قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الممتحنة: 6]، ويرحم الله الشاعر أبا الأسود الدؤلي الذي قال:

لا تنهى عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك وانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
– المفتاح السادس: الدعاء .. هو العبادة:
نعم قال الرسول :»الدعاء هو العبادة« ثم تلا قول الله تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، وقد اعتبر النبي عليه السلام الدعاء هو العبادة، لما فيه من معاني الذلة بين يدي الله، والشعور بالحاجة والافتقار إليه سبحانه، وتلك هي حقيقة العبادة، ولهذا كان أفضل فعل عبادي عند السجود في الصلاة ولحظة القرب هو الدعاء، ففي الحديث:»أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء«، وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186].. قد تعتري الإنسان أحوال تتجاوزه وتتجاوز الأسباب التي يقوم بها ليعيش سعيدا، قد يصاب بآفات أو يبتلى بابتلاءات تسلبه الإحساس بالسعادة والشعور بالطمأنينة، وهاهنا يأتي دور الدعاء لأن الفاعل الحقيقي هو الله: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ } [يس: 81]، فيتوجه العبد إلى الله بالدعاء ليخفف ألما، أو يدفع بلاء، أو يذهب حزنا، أو يفرج كربا، أو يصلح حالا.. فالدعاء يغير القدر، وفي الحديث:»إن ربَّكم تباركَ وتعالى حييٌّ كريمٌ، يستحْيي من عبدِه إذا رفعَ يديه إليه، أن يردَّهما صِفْرًا«، وفي حديث آخر:»ما على الأرض مسلمٌ يدعو اللهَ تعالى بدعوةٍ إلا آتاه اللهُ إياها أو صَرَف عنه من السوءِ مثلَها ما لم يدعُ بمأثمٍ أو قطيعةِ رَحِمٍ«.
وختامًا، إن السعادة مقصد عظيم من مقاصد إنزال القرآن كما تقدم، ومطلب كبير يسعى الناس كلهم إلى تحقيقه، ولكن دونه فهم ووعي ومهارة.. لم تكن السعادة يوما في المحيط الخارجي، ولا فيما لا يملكه الإنسان، بل هي في متناوله وفيما يملكه، ويُمَكّنه من تحقيقها.. والأصل في الحياة الأسرية أن تتأسس على أساس السعادة وتحقق مقصد السكينة، ولكن لا بد من امتلاك مفاتيح هذه السعادة الأسرية ومن أضاعها عاش التعاسة والشقاوة.قال الله تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }[النحل: 97]، وقال سبحانه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123]. والحمد لله رب العالمين.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.