حصريا

معالم الدرس العقدي في كتابات محمد المبارك

0 319

معالم الدرس العقدي في كتابات محمد المبارك

تميزت جهود العلماء المسلمين في القرن العشرين بفقه المراجعة للتراث الإسلامي في مختلف المجالات بهدف الوقوف على أسباب النهوض بالأمة الإسلامية ومعرفة الثغرات التي كانت سببا في عرقلة مسيرتها الحضارية ، ولعل من أهم حقول الفكر الإسلامي التي لقيت اهتماما كبيرا : الفكر العقدي ، ومحمد المبارك من العلماء الذين اهتموا اهتماما معتبرا بهذا المجال، فقيم التراث وقدم البديل الذي يناسب العصر في كيفية عرض وتدريس العقيدة الإسلامية.
درس محمد المبارك العقيدة الإسلامية بكلية الشريعة بدمشق ،و له في ذلك مؤلفات وإشارات مهمة اقترح من خلالها كيفية إصلاح الفكر العقدي ، كما أفرد العقيدة بمؤلف خاص عنونه ب: العقيدة في القرآن الكريم ، وقد ألفت حول هذه الشخصية دراسات قليلة تعرضت لها بصورة عامة، ولذلك لايزال فكر محمد المبارك في حاجة إلى كثير من الاهتمام لما تميز به من دعوة إلى تكامل العلوم والمعارف ، فمن هو محمد المبارك وما هي خصائص منهجه في هذا المجال ؟
محمد المبارك عالم سوري من أصل جزائري ولد في دمشق عام 1912م في أسرة عرفت بعراقتها في العلم وحبها للإسلام و هنا سأتحدث بصورة عامة عن أهم المحطات المميزة لحياته دون الوقوف كثيرا مع التفاصيل ، لأنني تناولتها في مقال آخر : __
__ تميزت ثقافة محمد المبارك بالموسوعية والتكامل المعرفي ، إذ أخذ مختلف العلوم الإسلامية على والده وعلماء الشام واستفاد كثيرا من مكتبة والده وجده التي كان مكلفا بإعادة تصنيفها كلما اختل ترتيبها وإثرائها بالمطبوعات الجديدة
و كان بيتهم مرتادا للعلماء الوافدين من أرجاء البلاد الشامية والعربية ، فكان دائم الحضور لتلك اللقاءات والندوات
يقول ” كما قيض لي أن أقرأ على والدي –رحمه الله- وهو من أشهر شيوخ اللغة في بلاد الشام في مثل شروح المعلقات ولامية العرب والمقصورة الدريدية ومقامات الحريري وغيرها إلى جانب المذاكرات العلمية المتنوعة ” كما أخذ على أكبر علماء ا لشام
ثم يقول عن تأثير والده في تكوينه :” لقد كان لوالدي رحمه الله، أثر في توجيهي وتكوين شخصيتي العلمية والاجتماعية بأسلوبه الشخصي الفذ الذي عرف به بين جميع تلاميذه، وقد كان بالنسبة لي مرشداً مربياً وأستاذاً معلماً ووالداً ، علمني الحرية الشخصية . وكثيراً ما كنا نختلف في الرأي ونتناقش بحرية ، وكانت طريقته في الأخلاق والدين توجيهاً لا إكراه فيه ، ولا قسر، ولا مضايقة ، وكان كثيراً ما يلاعبنا ونحن صغار، ويتبارى معنا بالكرة ، نضربه بها ويضربنا، والماهر منا من يفلت من إصابتها ، وعلمنا السباحة . وكان يحب الرجولة ومظاهرها ، ويكره الضعف والتخنث، وكان كريماً يكره البخل والبخلاء ، وكانت له في البلد وعند الحكام وجاهة وزعامة لقوة شخصيته وكثرة تلاميذه وتلاميذ أبيه ، وكثرة مخالطته لمختلف الطبقات ، وكان في المجالس العامة محدثاً بارعاً ” .
. أما أهم الشيوخ الذين تتلمذ عليهم وكان لهم تأثير كبير في مساره العلمي فيذكرالعلم الكبير ” محمد بدر الدين الحسني “المشهور بالمحدث الأكبر (ت 1935) وقد قرأ عليه الكثير من كتب الثقافة الإسلامية في شتى العلوم : كالتفسير والحديث وأصول الفقه والفرائض والنحو والمنطق والتصوف والحساب والجبر والهندسة والفلك في مصادرها العربية القديمة وقد تأثر محمد المبارك كثيرا بهذا العالم الجليل، وكان يكن له المحبة والتقدير والإعجاب، هذا العالم الذي كان أوسع أهل زمانه اطلاعا على العلوم الإسلامية بجميع فروعها وإن كانت شهرته في الحديث ،وكان يأخذ عنه في الدروس العامة والخاصة وذلك في مدرسة الحديث الأشرفية ( التي كان يدرس فيها الإمام النووي ) وقد لازمه إلى وفاته سنة 1935 . وعن هذا الشيخ يقول محمد المبارك :” وكان لشيخنا العظيم العلامة الكبير الصالح التقي المتعبد الشيخ محمد بدر الدين الشهير بالحسيني محدث الديار الشامية في عصره، أثر عميق في نفسي في طراز حياته الفريد من نوعه وفي سمته وتقواه وانكبابه على العلم واطلاعه على العلوم بل الثقافة الإسلامية بجميع فروعها ، وكانت له بي عناية خاصة في تعليمي وتوجيهي ، وكانت له في توجيهه مرام بعيدة ، وكان من جملتها توجيهي بطريقة غير مباشرة ، لتعلم اللغة الأجنبية وتشجيعي على السفر إلى أوروبا للتعلم ، ولم يكن ذلك مألوفاً من أمثاله من علماء العصر.
وكان أكثر دهره صائماً ، قلما يتكلم إلا بعلم أو ذكر، يمنع الناس من القيام له ومن تقبيل يده ، ويغضب لذلك . وكان يعلن في دروسه فرضية الجهاد لإخراج الأجنبي الكافر المستعمر، وكان على صلة مستمرة مع الثائرين على فرنسا في سورية” ويذكر المبارك أنه توسع في دراسته الشخصية في دراسة الفقه وخاصة على المذهبين الحنفي والمالكي
ومن العلماء الذين أثروا في تكوين محمد المبارك ابن تيمية و وتلميذه ابن قيم الجوزية إذ اطلع على كتبهما مثل : مجموع رسائل ابن تيمية والطرق الحكمية في السياسة الشرعية ، وكتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ، وكتاب أعلام الموقعين …كما تتبع النقاش بين الصوفية والسلفيين ، وكان لديه ميل كبير لابن تيمية وتلميذه ، بل يذكر أن صلته بهما أكبر من صلته بمحمد عبده ورشيد رضا ، يقول :
“إن تأثير ابن تيمية كان واضحاً في تحريري من كثير من الأفكار التي كانت شائعة في البيئة التي نشأت فيها ، وقويت عندي ملكة الرجوع إلى الدليل من الكتاب والسنة ، وكنت بدأت بسلوك هذا الطريق إثر مطالعتي الكثيرة لكتاب ” بداية المجتهد ” لابن رشد و”الموافقات ، للشاطبي ، ولم يعد احترامي لشيخي ووالدي رحمهما الله ومحبتي لهما ، بمانعين لي من مخالفتهما في الرأي حينما يتضح لي الدليل الشرعي والعقلي” .

_ الجمع بين التعليم الأصيل والتعليم الحديث : فكان يتعلم العلوم الإسلامية ، ويحضر دروس التعليم النظامي
لينهل من الثقافة المسماة بالعصرية أو الحديثة في مدارس الحكومة ، وقد كانت مقتبسة من المنهج الفرنسي .

_الجمع بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية في الدراسات العليا ، إذ أتيحت له فرصة الذهاب إلى فرنسا ، ولأنه كان محصنا بما أخذه من علوم إسلامية ، فإنه درس الفكر الغربي بروح الباحث الناقد ، ولذاك حافظ على شخصيته المسلمة القوية ، واستفاد المبارك من فرعي الأدب الفرنسي وعلم الاجتماع استفادة كبيرة جداً مكنته من الولوج في صميم الثقافة الغربية والتفكير الغربي ومذاهبه الفكرية والأدبية من منابعها الأصيلة وعن طريق الاختصاص من أهلها .
وفي باريس كان محمد المبارك نشيطا لا يقتصر نشاطه على حضور المحاضرت في الجامعة بل كان يحضر المنتديات والمحاضرات العامة ويتردد على مختلف المعاهد العلمية والنوادي على تعدد اتجاهاتها وألوانها.وعن ذلك يقول : ” وكنت أحضر إلى جانب ذلك في مختلف ندوات العلم والسياسة في باريس فقد استمعت إلى : موريس توريز الزعيم الشيوعي كما استمعت إلى أسقف باريس وخطيبها المشهور الكاردينال : فردييه ، وأصغيت إلى : بول فاليري الشاعر المشهور ، كما أصغيت إلى الكاتب الكبير أندريه موروا ، وشهدت روايات موليير وراسين في المسرح الكلاسيكي كما شهدت تمثيل رواية الأم لمكسيم جوركي في المسرح الشعبي ” كما كان المبارك يتصل في باريس بزعماء الحركات الإصلاحية والتحريرية في العالم الإسلامي كجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وفي مقدمتهم المرحوم الفضيل الورتلاني ، واستمر يتردد على أنديتهم ويتعاون معهم في مجال الدعوة الإسلامية .
وقد كان لتجربة الدراسة في باريس والإطلاع عل الثقافة الغربية دور كبير في صياغة شخصية المبارك التي تبنت فيما بعد قضية الدفاع عن الذاتية الإسلامية أمام المذاهب والأفكار الغربية . ولم يكن لبريق الثقافة الغربية تأثير على أصالة الثقافة الإسلامية التي تزود بها المبارك منذ الصغر و هذه الدراسة وسعت آفاقه وأكسبتنه بعض المزايا الفكرية ولاسيما في طرائق البحث وأساليب التفكير ، ولكنها لم تستطع أن تؤثر في معتقداته ولا أن تغزو عقله، ولكنها زودته بمعلومات نافعة ومناهج مفيدة ، وأثاره جانبها السلبي وحفزه للرد عليها .
ومحمد المبارك من العلماء الأوائل الذين دعوا إلى ضرورة أسلمه العلوم الإنسانية وبخاصة العلوم الاجتماعية ذلك أنه درس علم الاجتماع على كبار علماء الغرب وتعرف على خصائص الثقافة الغربية وكونها مناقضة لأصول الإسلام .
لقد مكنته دراسته للفكر الغربي من معرفة مواطن الخلل فيه وقد كان من الذين اهتموا اهتماما ملحا بضرورة إعادة النظر في علم الاجتماع ومحتوى تدريسه في البلاد الإسلامية
خصائص منهجه في عرض العقيدة :
لقد كانت حياة محمد المبارك حافلة بالأعمال الدعوية والإصلاحية و بخاصة في مجال التعليم والبحث العقدي وقد ترك مجموعة من الكتب نعتبرها كنوزا ثمينة تخلد هذا الرجل المتميز في فكره ومنها : – العقيدة في القرآن الكريم – بين الثقافتين الغربية والإسلامية -الإسلام والفكر العلمي-نحو إنسانية سعيدة –الأمة العربية في معركة تحقيق الذات-نظام الإسلام العقيدة والعبادة –نظام الإسلام الاقتصاد –نظام الإسلام الحكم والدولة –ذاتية الإسلام أمام المذاهب والأفكار…
تميز منهج محمد المبارك في عرضه للعقيدة الإسلامية بمجموعة من الخصائص منها :

1-الرجوع المباشر إلى القرآن الكريم والسنة النبوية في تقرير العقيدة:
تميزت جهود محمد المبارك في المجال العقدي بدعوته المتكررة إلى ضرورة الرجوع المباشر إلى القرآن الكريم لتقرير وعرض العقيدة الإسلامية . وهذا ما ميز كتابه العقيدة في القرآن الكريم والذي اعتبره بحثا مبتكرا في منهج القرآن الكريم في عرض العقيدة وأساليبه في الدعوة إلى الإيمان، وقد تحدث فيه عن نظرة الإسلام العامة إلى الوجود .فربط بين الإنسان والكون والحقيقة الإلهية على أساس أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أوضح العلاقات الصحيحة التي تربط هذه الكليات ، واستخلص من خلال آي الذكر الحكيم بعض خصائص المنهج القرآني في الدعوة إلى الإيمان ومنها : -خطاب العقل وإقناعه بالمنطق بأسلوب حي جذاب يقول : ” فالقرآن يخاطب الإنسان ويثيره عن طريق منافعه ومصالحه وحاجاته وملذاته وعن طريق قضاياه ومشكلاته ليحرك تطلعه وقلقه إلى معرفة الحقيقة ذات الصلة بحياته الحاضرة ومستقبله البعيد ، ويجعله بذلك متهيئا للتفكير في الله ومستعدا لقبول نتائج المنطق المنسجم مع منفعته ”
ويسوق الآيات التي تدل على ذلك مثل قوله –تعالى – : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً )
( وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ )
ويقول:( وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ (80) وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ)
–كما يعرض القرآن العقيدة من خلال قضايا الإنسان الكبرى وفي مقدمتها تحريره من العبودية للبشر في كل المجالات ويعطي مثالا على ذلك بسورة القصص التي تبرز فيها شخصية فرعون القائل ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِى) و (قارون )الذي (كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) وكان الهلاك نهاية كليهما والبقاء لله وحده و تنهي السورة قصة المتألهين على الناس فتنتهي بنا بقوة إلى عقيدة التوحيد والإيمان بالله وحده (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ومن القضايا الإنسانية التحرر من العبودية الدينية (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) كما يبرز القرآن الكريم العقيدة الصحيحة من خلال مناقشة أصحاب العقائد المنحرفة : الملحدين والنصارى واليهود.
ويؤكد المبارك أنه سلك في مؤلفاته منهج الطريقة القرآنية في عرض العقيدة ، هذه الطريقة التي تشمل الإقناع العقلي والإثارة النفسية أو الوجدانية المولدة للعواطف .
2- مراجعة المصطلح العقدي:الإيمان هو البديل الصحيح لمصطلح العقيدة:
يرى محمد المبارك أن مصطلح العقيدة مصطلح مستحدث وجد في العصر العباسي ، ولا وجود لهذه الكلمة بصيغتها في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية ، وقد استعمل هذا اللفظ أجيال من أئمة المسلمين وعلمائهم بمعنى الأفكار الأساسية التي يجب على المؤمن بالدين أن يقبلها ليصدقها ويقبلها أي يعتقدها،و استعمال علماء السلف والأئمة دليل على الجواز إلا أنه يرى أن اللفظ المستعمل في القرآن الكريم والحديث النبوي هو لفظ : الإيمان وهو أقوى دلالة لأنه يجمع بين العنصر العقلي والنفسي في حين أن كلمة العقيدة فصلت بينهما . يقول : ” وكذلك جمع أبحاث العقيدة في علم سمي : علم الكلام يتضمن تخصيص الأبحاث العقلية من العقيدة وإفرادها دون الجانب القلبي أو النفسي الذي أفرد له علم آخر . إن جمع أصول الإيمان ومسائل الاعتقاد في باب واحد تحت اسم العقيدة عمل صحيح وسليم واستحداث لفظ العقيدة لا يدل على استحداث مضمونها ، ولا يغير منه شيئا ، بل إنه يفيد حصر قضايا الاعتقاد بتمييزها عن غيرها ويزيدها تنويرا وإيضاحا ، ولكنه ينطوي في الوقت نفسه على عملية فصل تلك الوحدة الحيوية الشاملة التي يحيط بها لفظ الإيمان ، وتشمل على عنصري العقل والعاطفة أو القلب ، و على انفصال الاتجاه العقلي عن الاتجاه النفسي القلبي ”
وبعد هذا التوضيح يذهب محمد المبارك إلى أن الإيمان يشمل حقائق أساسية كبرى عرضها القرآن الكريم وأيدها بالأدلة والشواهد ، ودعا إلى تصديقها والإيمان بها ، وكرر ذكرها بأساليب شتى وهي الأساس الذي تتفرع عنه قواعده الأخلاقية وأحكامه التشريعية ، وهي القاعدة الفكرية النفسية التي أراد الله أن يقيم عليها بناء الإنسان وتكوينه . هذه الحقائق التي دعا القرآن إلى الإيمان بها هي: :
_الإيمان بالله خالق الكون .
_الإيمان بالحياة الآخرة التي تتجلى فيها مسؤولية الإنسان ويتحدد مصيره الأبدي
__الإيمان بالنبوة والوحي ، طريقا إلى معرفة الحقائق التي يريد الله أن يلقيها إلى الإنسان سواء كان موضوعها عالم الغيب أو حقائق ما وراء المادة أم كان توجيه الإنسان وتنظيم شؤونه في هذه الحياة الدنيا . وهناك نوع آخر من الحقائق وردت في القرآن على أنها طريق إلى النوع الأول لكنها ليست مقصودة لذاتها ، وهي تكرر في القرآن الكريم لدعم وتأييد الحقائق الأولى مثل : مشاهد الكون وآفاقه الواسعة وحوادثه المتجددة وسننه المطردة وحياة الإنسان في خلقه وتكوينه … مجموع الحقائق الأولية والثانوية ، يكون نظرة الإسلام إلى الوجود : الكون والإنسان ، ونظرته إلى الصلة بين الله والكون وبين الله والإنسان وبين الكون والإنسان وهذا ما يسمى بالعقيدة.
3-مراجعة علم الكلام ومعايشة العصر بعلم كلام جديد يناسبه :
لقد كان لعلم الكلام نشأة واقعية فأدى وظيفة مهمة في الماضي تصدت لشبه المخالفين ،وبما أن الشواغل الفكرية الحديثة المناوئة للعقيدة الإسلامية لم تبق هي نفسها التي كانت للمعارضين قديما ، من حيث الموضوعات ، و من حيث ترتيبها حسب الأهمية ، فإن هذا الوضع الطارئ على المعارض في مادته يتطلب تغييرا في مادة علم الكلام بما يناسب مادة التحدي .
إن الواقع الذي نعيشه جعل من إعادة إحياء الجدل الكلامي فوضى في واقع المسلمين .لأن لكل عصر أساليبه وطرائقه الفكرية و قضاياه ومشكلاته ، فلابد من عرض العقيدة القرآنية مع ثباتها من حيث المضمون وفقا لأساليب عصرنا في التفكير ، وفي مقابل العقائد القائمة المستجدة .
ويؤكد محمد المبارك أننا لازلنا في حاجة ماسة إلى تآليف جديد ة ، تشتمل على عرض كامل للتصور الإسلامي للوجود أو صياغة جديدة للعقيدة الإسلامية من حيث طريقة عرضها ، وأسلوبها في التعبير لتقف موقف التحدي والغلبة أمام المذاهب العقائدية المستحدثة ، وهذه الطريقة تقتضي مجموعة من الشروط :
-العرض الشامل للعقيدة مترابطة الأجزاء ترابطا منطقيا ، لا أن تعرض في أقسام منفصلة وأبواب مستقلة على نمط ما هو معروف في علم الكلام .
– أن يسلك في عرضها أسلوب العلم الحديث من حيث التعبير ومناهج البحث ، والاستدلال ، بدلا من أن يسار فيها في أعقاب المتكلمين ووفقا لطرائقهم في البحث المتأثرة بالفلسفة القديمة ، التي حل محلها اليوم مفاهيم ونظريات أخر ، ولا سيما بعد اتساع أفاق الكشف العلمي للكون .
_ أن تكون قوة العرض وطريقته بحيث تقارع المذاهب العقائدية المستحدثة حتى يظهر ضعفها وفسادها .
_ تجنب تأويل النصوص القرآنية رغبة في التوفيق بينها وبين النظريات والفلسفات الحديثة ، والاكتفاء بمعرفة الموقف الحقيقي للقران ذلك أن للإسلام ذاتية مستقلة يجب أن تعرض وتجلى حتى تعرف أصالتها .
– عرض العقيدة عرضا مقتصرا في البداية على معالمها الكبرى دون الدخول في التفصيلات والجزئيات والخلافيات .
– يجب أن يراعى في عرض العقيدة أنها المنطلق لبناء النظام الأخلاقي النظام التشريعي ، لذلك يجب أن تعرض على أنها أهل لذلك بحيث تكون هذه الأخيرة بالنسبة لها كالثمار للشجرة والنتائج للمقدمات .
إذا سلكنا منهج القرآن في مراعاته للجانب العقلي والوجداني وتتبعنا الخطوات السابقة يمكن أن يستوعب الفكر الإنساني العقيدة الإسلامية بعد تجارب المذاهب العقائدية الحديثة التي فشلت في إسعاد البشرية . فهذا هوعلم الكلام الذي نحتاج إليه في وقتنا
4-الاهتمام بمقاصد العقيدة : تميزت كتابات محمد المبارك في المجال العقدي بالتركيز على إبراز مقاصد العقيدة الإسلامية ،وهذا المنحى في العرض ينطوي على فوائد كثيرة: منها إظهار إشعاع العقيدة في النفوس وتفعيلها في الواقع وإبعادها عن الجانب التجريدي الذي صيغت به المباحث الكلامية .
وتتمثل مقاصد العقيدة في إظهار الحكم التي تنطوي عليها العقيدة الإسلامية والتي تحقق سعادة الإنسان في العاجل والآجل
وقد تناول محمد المبارك مقاصد للعقيد ة في مواطن متفرقة من كتبه، أحيانا مرافقة لتقريره للعقيدة الإسلامية وأخرى في مواطن متفرقة كالمقارنة بين النظام العقدي الإسلامي وغيره من الأنظمة والحديث عن خصائص المجتمع الإسلامي الأول وكأنه يريد أن يبين بطريقة استرجاعية للتاريخ الإسلامي في عهوده النقية ما حققته العقيدة من مقاصد في الواقع الإسلامي ،ومن أهم مقاصد العقيدة العامة التي اهتم بها :
أ_ التحرير الفكري للإنسان من كل مظاهر الطغيان
_ تحرير الإنسان من نوازعه الغريزية .
_تحرير الإنسان من النوازع القبلية ،
_ تحرير الإنسان من سلطان الخرافات والأساطير المرتبطة بالعقائد الوثنية :
_ تحرير الإنسان في المجال السياسي والاقتصادي والديني :
ب_التغيير والفاعلية
ج-تكوين الشعور المزدوج بالمسؤولية
د-تنشيط عمارة الأرض

5-الوصل بين العقيدة و الشريعة:
لقد وصل القرآن الكريم بين العقيدة والشريعة بطرق عديدة حتى يلتزم المؤمن بالرضوخ لهذا الدين ، فحين نرجع إلى آي الذكر الحكيم نلاحظ أنه قد أحاط الأحكام الشرعية المتعلقة بالجانب العملي بسياج عقدي متين ،فتجد الآيات القرآنية التي تتحدث عن الجانب العملي من الدين إما مبتدأه بنداء الإيمان أو مختتمة بشرطه ، أو منتهية باسم من أسماء الله –عزوجل – أو بالحديث عن الكون أو الحديث عن الجزاء بالجنة أو بالنار ، وكل هذا في الحقيقة إنما هو من أجل تنبيه المؤمن إلى التركيز على الجانب العملي من الدين وعدم إرجاء الجانب العملي عن الإيمان .وقد ذكر محمد المبارك هذا في كتابه العقيدة في القرن الكريم ، وأكد أن جو العقيدة القرآنية أو الجو الإيماني يغمر كل ما في القرآن من قواعد الأخلاق والتشريع فإن معاني الإيمان بالله ومراقبة صفاته المناسبة للموضوع المطروح مبثوثة في جميع آيات الأخلاق والتشريع ، وأعطى أمثلة عل ذلك بآيات الإنفاق في أواخر سورة البقرة إذ اشتملت أربع عشرة أية عل بضع وثلاثين كلمة تدل على الله وصفاته ، وفي أية الدين الواردة بعد ذلك والمحتوية عل قواعد تشريعية دقيقة ، تعابير إيمانية تربطها بالعقيدة مثل ِ( وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ) و(ذلك أقسط عند الله ) و( واتقوا الله ويعلمكم الله ) وهذه الملاحظات هي التي جعلته يحكم بأن الأخلاق والأحكام في القران مشوبة بآيات العقائد ومشربة بها .
وقد سلك محمد المبارك مسلك التأطير للأحكام الشرعية في كتبه التي تناولت الجانب العملي من الدين ، ففي كتابه : نظام الإسلام الحكم والدولة ، اهتم في بداية الكتاب ببيان الأسس العقائدية للدولة والحكم إذ يرى أن بيان المفاهيم العقائدية التي تنبثق عنها مبادئ الحكم والدولة في الإسلام ضامن قوي لتنفيذها وثباتها وبقائها في معزل عن تلاعب الأهواء بها وأهم هذه الأسس التي تحدث عنها : -مساواة جميع البشر حكام ومحكومون في العبودية لله-تعالى –ولا امتياز لأحد على الآخر في الحقوق والواجبات إلا فيما يفرضه الاختصاص ويستوجبه توزيع العمل .-الله وحده الذي يستحق الخضوع المطلق والطاعة لغيره طاعة في حدود الشريعة ، ولا وجود لطبقة تتمتع بحقوق خاصة- الحاكم ليس مشرعا وإنما هو منفذ للشريعة الإلهية، والاجتهاد في حدود مبادئ الشريعة لا يستبد به الحاكم ، وإنما هو من حق المختصين وإذا تعددت الآراء الاجتهادية فلابد من الشورى للفصل بينها .-المسلمون كلهم مستخلفون من الله في هذه الأرض لتطبيق شريعة الله، والدولة إنما أوجدت لتحقيق هذه الخلافة إسعادا للإنسانية وإرضاء لله ودولة الإسلام دولة عقيدة وشريعة ودولة نظام الإسلام ، وهي مفتوحة لمن يريد الانتماء إليها ، وليست دولة وطن وتراب ، ولا دولة جنس أو قوم .-الإنسان مخلوق مكرم من قبل الله وله حقوق ليس من حق أحد ا لاعتداء عليها حتى هو نفسه و العقوبات إنما هي جزاء مقابل أعمال تتناسب معها لحفظ الحياة الإنسانية ومن هنا تنبثق فلسفة حقوق الإنسان في الإسلام. إن هذه الأسس العقدية من نشاط المسلم السياسي رسالة وأمانة يتحمل كل من الراعي و الرعية مسؤولية أدائها .
فعل محمد المبارك الأمر نفسه في كتابه :نظام الإسلام الاقتصاد ، فقد ذكر أن الموقف العقدي من النشاط الاقتصادي هام جدا لأنه هو الذي يولد الدوافع القوية الإيجابية أو السلبية للعمل وقد وضع مجموعة من الأسس العقدية التي يقوم عليها النشاط الاقتصادي : – فالإنسان مستخلف من الله لعمارة هذه الأرض وهذه الخلافة اقتضت تسخير الكون لمنافع الإنسان – هذا التسخير من معانيه جعل هذا الكون ذلولا له والخلافة والتسخير يقتضيان انتفاع الإنسان بما في الكون فيكون السعي من الإنسان امتثالا لأمر الله ،-ولكن السعي وراء المنفعة وتحصيل الرزق إنما هو وسيلة إذ الغاية في الإسلام هي إرضاء الله ومراعاة حقوقه وحقوق عباده – الاستخلاف في هذه الأرض عام والكون للجميع ، وعدم أداء هذه الوظيفة بالصورة التي يريدها الله خيانة للأمانة –المال لايزيد أو ينقص من قيمة الإنسان –كل إنسان مسئول عن عمله مسؤولية دنيوية وأخروية ، فالمسؤولية الدنيوية تتحدد في الأحوال الجنائية ، ولكن وراء هذه المسؤولية مسؤولية الآخرة التي تجعل الإنسان يستشعر الرقابة الإلهية

إن هذه الأسس العقدية التي حددها محمد المبارك ، وكان يستهل به كتبه في تحديد أحكام التشريع إنما كان الهدف منها استشعار إلزامية التطبيق التي تتأتى من خلال العقيدة وهذا المنهج سلكه كثير من علماء المسلمين الذين اهتموا بالوصل بين العقيدة والتشريع .

والذي نخلص إليه أن محمد المبارك عالم من أهم مفكري القرن العشرين ، اجتمعت مجموعة من الأسباب لتكون منه شخصية مميزة في عالم العلم والفكر ،وهو من العلماء الذين حملوا هم الأمة الإسلامية، فسعوا إلى الإصلاح بكل ما أتيح لهم من طاقات ، وقد كانت له إصلاحات مميزة في مجال التعليم عموما وتعليم العقيدة الإسلامية بخاصة ، فدعا إلى ضرورة الرجوع المباشر إلى القرآن الكريم في عرضها . وكانت له مراجعات هامة على مستوى المنهج ، وعلى مستوى القضايا ، كما أنه لم يكتف بالاعتراض النظري على القديم بل كانت له مبادرة التأليف في العقيدة وتطبيق النهج الذي كان يدعو إليه كما نرى ذلك جليا في كتابه : العقيدة في القران الكريم ونحو إنسانية سعيدة ،إذ تميز بالتركيز عل التفعيل لحقائق الإيمان بإظهار مقاصده وأثاره على الفرد والحياة ككل .
———–
الهوامش:

1. محمد المبارك ،الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية – دار الفكر- ص 21
2. محمد المجذوب ، علماء ومفكرون عرفتهم -عالم المعرفة جدة – 1980 دار الفكر بيروت ـ ج،1ص232
3. محمد المبارك نقلا عن -محمد المجذوب ، موقع :أدباء الشام
4. محمد المبارك : ، الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية ، ص 21
5. حسني ادهم جرار ، محمد المبارك العالم والمفكر والداعية.-الطبعة الأولى 1998 –دار البشير –ومؤسسة الرسالة الأردن –عمان – ص 19، 20
6. محمد المبارك ، نفلا عن ، محمد المجذوب موقع أدباء الشام
7. محمد المبارك ، الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية ص 21
8. محمد المبارك :نقلا عن محمد المجذوب موقع أدباء الشام
9. موقع ، موسوعة الإخوان المسلمون
10. محمد المبارك ، الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية ، ص 22
11. المصدر نفسه، ص 22
12. محمد المبارك ، العقيدة في القرآن الكريم–دار الفكر- ص35
13. الفرقان/47-49
14. يس/33-35
15. النحل / 80-83
16. القصص /88
17. محمد المبارك ، نظام الإسلام العقيدة والعبادة ، ص6
18. محمد المبارك ، ذاتية الإسلام أمام المذاهب والعقائد –دار الفكر-ص28،29
19. أنظر ،محمد المبارك ، العقيدة في القرن الكريم ص9
20. عبد المجيد النجار ، مباحث في منهجية الفكر الاسمي، -دار الغرب الإسلامي ط1 سنة 1992بيروت لبنان .ص128
21. انظر، محمد المبارك مقدمة كتاب ، نظام الإسلام العقيدة والعبادة –دار الفكر 1981-
22. محمد المبارك ، العقيدة في القران ص43
23. محمد المبارك ، نظام الإسلام الحكم والدولة – دار الفكر _ ص24
24. المصدر نفسه ص27
25. محمد المبارك نظام الإسلام الاقتصاد –دار الفكر- ص 20-27

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.