حصريا

محمود محمد شاكر فارس اللغة العربية لم ولن يترجّل

محمود محمد شاكر فارس اللغة العربية لم ولن يترجّل

الأستاذة: آمال هراوة

إن  الأدب العربي الحديث يزخر بشخصيات بارزة كان لها الدور الفعال في النهضة باللغة العربية فمنهم من أبدع شعرا وزخرف قصائد، والبعض جعل من دراسة اللغة العربية سبيله فانتهجه، والآخر تفرغ لدراسة التراث ليحافظ على أثمن كنوزنا…

ولنا وقفة مع شخصية فريدة مبدعة مفكرة لم يقتصر عملها على جهة دون أخرى، فقد كان شاعرا ناقدا محققا ومفكرا؛ إنه الشيخ محمود محمد شاكر، فارس اللغة العربية الذي لم ولن يترجل وصدق حين قال:

” لمن أكتب؟ لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ ولِمَ أكتب؟ ولكني أحسُّ الآن من سرِّ قلبي أني إنما كنت أكتب، ولا أزال أكتب لإنسان من الناس لا أدري من هو؟ ولا أين هو؟ أهو حيٌّ فيسمعني أم جنين لم يولد بعدُ سوف يقدر له أن يقرأني؟”[1]، وها نحن لم نلتق به، ولكن تعرفنا عليه من خلال كتاباته.

ولد في الإسكندرية في ليلة العاشر من المحرم سنة 1327 هـ / 1 فبراير سنة 1909 م، وانتقل إلى القاهرة في نفس السنة مع والده الذي عُيّن وكيلا لجامع الأزهر.

نشأ الشيخ في بيئة متدينة، انصرف إلى التعليم، فتلقى مراحل تعليمه الأولى في مدرسة الوالدة أم عباس في القاهرة سنة 1916، ثم بعد ثورة 1919  انتقل إلى مدرسة القربية بدرب الجماميز، وقد تأثر كثيرا بدروس الإنجليزية لكونها جديدة عليه.  فكان يقضي أوقاتا كثيرة في الجامع الأزهر يسمع من الشعر وهو لا يدري ما هو، فحفظ ديوان المتنبي كاملا في تلك الفترة.

في سنة 1921 دخل المدرسة الخديوية الثانوية ليلتحق بالقسم العلمي، ورغم حبه للرياضيات، وإجادته للإنجليزية ـ لكنه التحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية لما لها  من أهمية في نفسه، ولأنه كان من القسم العلمي فقد تعذر دخوله لكلية الآداب بداية، إلا أن طه حسين توسط له لدى أحمد لطفي السيد رئيس الجامعة المصرية آنذاك استطاع أن يلتحق بما يريد سنة 1926.

دخل الجامعة وكله شوق للإبحار في اللغة العربية مع أستاذه طه حسين، فكان يحضر محاضراته عن الشعر العربي وتاريخه، لكنه صدم بما قاله أستاذه حين ادعى أن الشعر الجاهلي منتحل، فوقع بين أمرين أيسكت احتراما لأستاذه، أم يواجهه بـأن ماقاله إنما قد تأثر بما ذكره بعض المستشرقين أمثال: الإنجليزي مرجليوث.

وأصيب بخيبة أمل جعلته يترك الجامعة، وهو في السنة الثانية، ليهاجر بعدها إلى السعودية سنة1928 بقي سنة ليعود إلى مصر، وكله عزم على تعلم اللغة العربية، وخدمتها، والدفاع عنها. فنشر قصائد في مجلة الفتح، ومجلة الزهراء، واحتك بالعلماء، والأدباء: أحمد تيمور، الرافعي،…

مسيرته الأدبية:

1 ــ مؤلفاته :

سنة 1936 ألف كتابا كان بداية لسطوع نجمه، وهوكتاب المتنبي الذي كتبه بناء على طلب من فؤاد صروف رئيس مجلة المقتطف وقد خصص عدد خاص للكتاب.

وله كتب في التحقيق: من أشهر الكتب التي حققها: تفسير الطبري ، طبقات فحول الشعراء ، تهذيب الآثار للطبري،… وهو يحب أن يوصف بأنه قارئ وشارح لكتب التراث، حيث يكتب على أغلفة الكتب التي يقوم بتحقيقها عبارة: “قرأه وعلق عليه”، وفي هذه العبارة مزاوجة بين قراءة التراث ونقده، وكأنه يقول: أنا لا أجمع التراث عشوائيا، وإنما أنقحه ببحث وتنقيب حتى أصل إلى التحقيق الذي أراه ملائما فأقدمه.

وله كتب أخرى منها: “أباطيل وأسمار”، “القوس والعذراء”، “نمط صعب ونمط مخيف”، “مدخل إلى إعجاز القرآن”…

2ــ مع الرافعي:

تتلمذ محمود شاكر على يد مصطفى صادق الرافعي: “عَرَفتُ الرافعي معرفة الرأي أولَ ما عَرفْتُهُ، ثمَّ عَرَفْتُهُ معرفة الصحبة فيما بعد، وعرَضْتُ هذا على ذاكَ فيما بيني وبينَ نفسي فلمْ أجدْ إلا خيراً ممّا كنْتُ أرَى، وتبّدتْ لي إنسانيّةُ هذا الرجل كأنّها نغمَةٌ تُجاوبُ أختَها في ذلكَ الأديبِ الكاتِبِ الشّاعر، وظفرتُ بحبيبٍ يحبّني وأحبهُ؛ لأنَّ القلبَ هو الذي كانَ يعملُ بيني وبينهُ، وكانَ في أدبِهِ مسُّ هذا القلبِ؛ فمِنْ هنا كنتُ أتلقّى كلامَهُ فأفْهَمهُ عنه ما يكادُ يَخْفَى على مَنْ هوَ أمثلُ منّي بالأدبِ، وأقومُ على العلمِ، وأَبْصَرُ بمواضعِ الرّأي”.[2]

يقول: محمد سعيد العريان”ولقد مات الرافعي، ولكنه خلف طائفة كريمة من الأدباء، كلهم أمين على أدبه حريص على تراثه؛ فلا جرم أن يتولى تزييف هذا النقد أو تعديله رجل غيري ممن خلف الرافعي لهم أدبه أمناء عليه، لأفرغ لما أنا فيه؛ فلينتدب له صديقنا (الأستاذ محمود محمد شاكر)، فتلك من أمانات الرافعي في عنقه)”[3]

3 ـ شاكر ومنهج التذوق:

يقول: محمد سعيد العريان “وبدأتُ أحس منذ وَعيتُ بعضَ علم الشيخ محمود شاكر، ومنهجه في تذوق الأدب والشعر، بل منهجه في الحياة؛ بأني أهتديتُ أخيرًا إلي مَعينٍ لا ينضب من العلم والفن والمنهج السوي، به أستطيع أن أنظر إلى الحياة من الوجه الذي يجب النظر منه.

ومع هذا الإحساس المُفعم بالحياة، إحساس بالضياع والحيرة التي يعانيها أبناء جيلي كما عاناها من قبلهم، فكان فرحي بما وجدتُ لدي الشيخ شاكر مصحوبًا بأسفٍ وحزنٍ على تخبط من لم يعرف الطريق”[4]

يقول شاكر: «فساورتني الريب والتمستُ تفسيراً لهذا كله، ومضيت استقصي وأفلي، وأتذوق الأخبار، وأتذوّق الشعر مرة بعد مرة لعلي أجد شيئاً يهديني إلى علاقة هذا الكوفي الشاعر بالعلويين الذين كانت ديارهم في الكوفة مسقط رأسه وفيها منشؤه إلى أن جاوز السابعة عشرة. وبعد تردد طويل وحيرة، بين دلالة تذوق الأخبار ودلالة تذوق الشعر، لم أجد مناصاً من أن أفرض فرضاً يزول به هذا الغموض الذي يكتنف حياة هذا الشاعر ويرفع اللثام عن مكنون شعره الذي دلني عليه التذوق. وأخذت هذا الفرض وعرضت عليه شعر أبي الطيب كله متذوقاً متأنياً، فلان لي عصيُّه واستقام معوجُّه، وأسفر كل ما كان عليه نقاب وحجاب، وتحرك كل ما تذوقته من شعره، وتحركت معه أخباره، فعندئذ بلغت حد القطع بأن أبا الطيب علوي النسب، فرضاً يشبه الحقيقة. والفضل في ذلك كله لخبر الأصفهاني الذي ذكر فيه «أولاد أشراف الكوفة». وقد قام «عمود الصورة» كلها على هذا الذي ادعيته وليس في يدي شيء غير لفظ الأصفهاني، ثم دلالات شعر أبي الطيب. وكذلك أعملت هذا الغرض الجريء الذي لا سابق له عند أحد ممن كتب عن أبي الطيب وجعلته محور حياته كلها إلى أن قُتل. فكنت أول من شك في نسب أبي الطيب الذي رواه الرواة. ولكني لم أقف عند الشك المجرد، كما ذهب إليه من قلدني (يقصد طه حسين)، بل أبنت عن علّة الشك، لأثبت مكانه حقيقة أخرى دلني عليها شعره ومواقفه في حياته كلها، ما كان له ارتباط وثيق بعلّة الشك».[5]

4 ـ معاركه الأدبية: أبرزها:

 مع طه حسين: لقد ذكرنا سابقا أن محمود شاكر كان يعتبر طه قدوة حتى سقط هذا البرج في نظره، فرأى أنه تحامل على الشعر الجاهلي بهتانا، معتمدا على رأي مستشرق لا علاقة له بالعربية، ومازاد الطين بلة حين سطا على أسلوبه في كتابه مع  المتنبي حيث انتقد طه ماجاء به شاكر في كتابه المتنبي، وما عابه عليه أنه انتقده وانتهج نهجه.

مع لويس عوض: في مقالاته على “هامش الغفران” حيث ادعى لويس أن المعري قد تأثر باليونانيين، وكأن به يقول المعري يجتر ما جاء به الغرب، ولا علاقة له بالإبداع في كتاباته، وهذا ماجعل شاكر يقوم بحملة مدافعة على المعري تنفي ماقاله لويس في مجموعة من المقالات.

وفاته:  توفي مساء يوم الخميس: 3 ربيع الآخر 1418 هـ الوافق لـك 7 أغسطس 1997م.

أهم ما قيل عنه:

شعبان يوسف: “ومن الطرائف أن نجيب محفوظ لم يستجب لدعوة يحيي حقي ليكون من رواد الصالون, وعندما سأله أحدهم لماذا يرفض الذهاب إلي الشيخ شاكر؟ قال له: أخاف علي لغتي منه, فمنذ أن ذهب يحيي حقي إليه, غزت أسلوبه المجازات والعبارات الفخمة, فأنا أحاول أن أحمي لغتي الخاصة من التأثر به, وعندما قابل الشيخ شاكر نجيب محفوظ, صافحه بحرارة, ولف يده في يده, وقال له: يا واد يا نجيب أنت اقتربت من الكتابة باللغة الفصحى.”[6]

د عبد القدوس أبوصالح:”وقد صار الرجل إلى ربه بعد أن ترك لأمته منهجا يقوم على العودة إلى التراث، وعلى التمسك بلغة القرآن، وأدب العربية الأصيل، في شعره الجاهلي، وما بعد الجاهلي، ليكون من ذلك كله درع تصد عن الأمة تيار التغريب الجارف الذي ضيع هوية الأمة، بالتقليد الأعمى لكل مالدى الغرب.”[7]

محمود الطناحي: «إن محمود شاكر قد رزق عقل الشافعي، وعبقرية الخليل، ولسان ابن حزم، وشجاعة ابن تيمية، وبهذه الأمور الأربعة مجتمعة حصَّل من المعارف والعلوم العربية ما لم يحصله أحد من أبناء جيله، ثم خاض تلك المعارك الحامية: فحارب الدعوة إلى العامية، وحارب الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، وحارب الدعوة إلى هلهلة اللغة العربية، والعبث بها بحجة التطور اللغوي، ثم حارب من قبل ومن بعد: الخرافات والبدع والشعوذة التي ابتعدت بالمسلمين عن منهج السلف، في صحة العقيدة، وفي تجريد الإيمان من شوائب الشرك الظاهر والباطن»[8]

 

[1] محمود شاكر “جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر” المحقق: عادل سليمان جمال تحقيق ، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط1، 2003م، 1/555ـ

[2] ـ محمد سعيد العريان: ” حياة الرافعي”  ط3، سنة:1955 المكتبة التجارية الكبرى مصر،كلمة شاكر،ص:08.

[3] ـ مقال محمد سعيد العريان: مجلة الرسالة/العدد 252/للأدب والتاريخ

[4] ـ عبد الحميد العمري.  المدخل إلى منهج التذوق عند شيخ العربية محمود شاكر رحمه الله .

 

[5] ـ جريدة الرياض  السبت 25 رمضان 1434 هـ – 3 اغسطس 2013م – العدد 16476.

[6] ـ مقال شعبان يوسف:” العلامة والمحقق محمود محمد شاكر‏..‏ هل نسيتموه؟ ” .

[7] ـ من مقال الافتتاحية مجلة الأدب الإسلامي ، المجلد الرابع ، العدد16،سنة:1418هـ

[8] ـ من مقال بمجلة الأدب الإسلامي عدد 16.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.