حصريا

كيف أجعله نشئًا صالحًا.وقفة تأسيسية يعقُبها البناء-د.شفاءالفقيه

كيف أجعله نشئًا صالحًا.وقفة تأسيسية يعقُبها البناء.

د.شفاءالفقيه

كلية الشريعة / الجامعة الأردنية

همٌّ تفكر فيه كثير من الأُسر، وهو تحدٍّ لكل مجتمع مُسلم، كيف يمكن أن تُنشئ ذرية صالحة تعي دورها في خدمة الأمّة؟!تَفيد من حولها،وتُحافظ على السفينة فلا تزيد الخروق فيها ؟!

أمنيات بات الكثير منّا يفكر فيها لكثرة التحديات التي بتنا نتعرض لها، ولمّا كانت الأمور لا تُبتغى بالأماني وجب علينا أن نقف وقفة حقيقية حول أُطر الأسرة المسلمة التي تستطيع أن تُنبت الزرع الطيب، ذلك أنّ الزرع الطيب لا ينبت إلا إذا بُذر في تُربة طيبة، وهذا يعيدنا إلى نقطة البَدءومرحلة الاختيار عند الزواج ، التي أسس لها النّبي صلى الله عليه وسلم أسساً متينة حيث وجه الشرع الحكيم إلى أهم عنصر في الاختيار، وهو الدِّين في قوله صلى الله عليه وسلم عن صفات المرأة: ” تنكح المرأة لأربع: لجمالها وحسبها ولمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك”أخرجه البخاري في صحيحه، وكذلك بالنسبة للرجل فكان الدّين والخُلق من الصفات التي يبنغي الاهتمام بها لقوله صلى الله عليه و سلم:” إذا جاءكم من ترضون دينه وخُلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا يا رسول الله ! وإن كان فيه ؟ قال إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات”. أخرجه الترمذي بإسناد حسن.

ولكنَّ هذه الاعتبارات في الاختيارات أضحت آخر ما يتطلع إليه جيل الشباب والفتيات، وباتت هناك اعتبارات أخرى أهم بكثير بالنسبة إليهم، ولأجل ذلك كانلزامًا أن نقف لنتواجه مع شبابنا وبناتنا الذين انساقوا وراء وسائلالتواصل الاجتماعيفتاهوا فيها إذ سحرهم بهرجها فضاع الكثير منهم في ظُلمة هذه الوسائل وفي تلك الأثناء أضاع البعض منهم المروءة وقيم الأمّة، فأنّى لمثل هؤلاء أن يُنشِئوا نشأً سليمًا معافًى وهم في أمسّ الحاجة لمن ينتشلهم من غياهب التيه والضياع وحالة الانبهار بالآخر وبثقافته و كذا الانبهار بالجنس الآخر، انبهار يعقُبه لهاث وراء الغرائز وإشباعها دون مراعاة لضوابط الشرع في ذلك، ويكأنَّالإصرار على اتخاذ الهوى نهجًاغدا ديدنَ الكثيرين منهم فباتوا يسيرون في ركاب الهوى محطمّين بهذا قيم ديننا ومبادئَه وأخلاقه.

وهذا أمر حذّر منه المُشرع الكريم فقال تعالى:{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [القصص: 50].

لذا وجب أن نقف وقفة صريحة في واقع الحال الذي بات مؤرّقًا لكل متابع أو راصد لما يَحدُث في مجتمعاتنا العربية.

يا ولدي،

 إن كنتَ تريده نشئًا صالحًا فهلّااتخذت له ابتداءً زوجةً صالحة!

ويا بنيّتي،إن كنتِ تريدينه نشئًا صالحًا فهلّا قبلتِ بصاحب الخُلق والدِّين ولم تفضّلي عليه صاحب الجمال أو المال أوالجاه!

أسسُ التربية تبدأ من بداية الطريق ومن لحظة اختيار الرفيق؛ فإن أحسنَّا اختيار الآخر سَهُل علينا رسم الطريق، وإلا فإنّ الطريق وعرٌ وغزير بِعثرات قادرة على هدم أيّ بناء لم يقم على أسس راسخة قوية.

كيف لا ونحن نتكلم عن بناء الأسرة التي تتشكل منها المجتمعات،  ثمّ نجد أنّ 80% من الزواجات تتم بناء على اعجاب الشاب أو الفتاة بمظهر الآخر، فأين هي الأسس المتينة في الاختيار؟!

والمتأمّل في واقع الأسرة اليوم يرى أنّ الكثير من هذه الأسر  بُنيت على أسس هشّة وإعجابات لحظية، ومظاهر براقة، كثير منها موهوم مزعوم، حتى إذا بدأ الزوجان حياتهما الزوجية بدأت الاختلافات تنشبُ بينهما وتتأجّجُ لأقل إشكال أو اختلاف.

وبذا يُصبح الميثاق الغليظ رباطًا هملًا ضعيفًا تتقاذفه رياح الأهواء والطيش فتقذف بمنظومة الأسرة نحو الضياع والتيه والتخبّط، ودليلنا فيما نقول شاهد أمامنا فكم بلغت حالات الطلاق والنزاع والشقاق في المحاكم الشرعية؟!

وإن أضفنا إلى هذا الواقع جملة تحديات أخرى تُهدد طمأنينة الأُسر كضعف الوازع الإيماني، وقلة الصبر -الذي هو ركيزة الزواج- ،وغلبة الحياة المادية، فإننا نخلُص إلى انهيار مؤسسة الزواج التي تُعدّ ركيزة بناء أيّ مجتمع وعماد قوته.

واقع يفرض على المربّين والأساتذة الأفاضل-أينما كانوا-حالة استنفار مهمة لإعادة بناء الوعي وتعزيز القيم المجتمعية الأسرية التي هي حصن منيع يحافظ على الأمّة ويبقيها حية قادرة على حمل عبء الأمانة وأدائها على وجهها الصحيح.

واليوم نقف بجسد مريض متهالك وقد أصبحت الأمّة تُعاني الكثير، ولعل أُولىخطوات العلاج أن نبدأ بإصلاح لَبِنَات هذا المجتمع فنعُيد للحياة الزوجية قُدسيتها وهيبتها؛ لينشأ الجيل النشأة الصحيحة وتَنعُم الأسرة بتلك السعادة التي لطالما قدمت في السابق جيلًاصالحًا مُصلحًا.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.