حصريا

فضلُ المُتقدِّم في العلم. الأستاذ: بن جدو بلخير

 

فضلُ المُتقدِّم في العلم. الأستاذ: بن جدو بلخير

رضينا على رُغم اللّيالي بحُكمه / وهل دافِعٌ أمرًا وذو العرش قائلُهُ؟ *

هذا هو المعتقد مع تراث الأمة، وهذا منهج الأوّلين فلا نحيد عنه؛ كيف وقد ارتضاهم الله لرسم معالم دينه وفقه كتابه وحياطة سنّة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

 خَلَقَ الله صحابة نبيِّه؛ فكانوا أفقه النّاس بدينه، وصار إجماعهم دينا وسبيلًا للمؤمنين، ثم خلق الله الأئمة الأربعة ومن في طبقتهم؛ فكانوا نجوم الهدى؛ استنار الناس بفهومهم وصاروا دينًا يَدِين الناس بآرائهم ويتقرّبون إلى الله بقواعدهم وترجيحاتهم، وهكذا في كل عصرٍ؛ يأتمُّ المتأخِّر بالمُتقدِّم لا يخرج عن قواعده التي قعّدها وهو يُفتي عن الله في مُستجَدَّات الحوادث .

ثم صار لزاما على الأمة انتاج العلماء،وعلى مجموع الأمة أن يكون فيها: علماء، قال تعالى : (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) في الآية دلالة على فريضة وجود العلماء – تحريضًا واستنفارًا – للأمة فرضًا كفائيا، وأن الخطاب بالجهاد تسقط عَيْنِيتُه على الأفراد؛ إذا قام به من يكفي الأمةَ حمايتها؛ وقيام سلطان الإسلام، كذلك تسقط عَيْنية وجود العلماء؛ إذا قام في الأمة من يكفي حمايتها من تفشّي الجهل، وانمحاء معالم الدين، فوجب أن يوجد في الأمة من يتفرّغ لنشر الدين وتعليم الناس، ومعلومٌ أن الجهاد قسمان : جهادٌ بالسيف؛ وهذا المُشارَك فيه كثير، وجهادٌ بالقلم،وهو لخاصة الناس؛ فالعالِم مجاهد!
لكن؛…هذا العالم الذي ستنتجه الأمة تنحصر مهمته في أمرين لا ثالث لهما : إحياء العلم، وتنزيل قواعده على الحوادث الطارئة. وهذا هو المَعنِيّ بقول العلماء بـ:المُجدِّد.
وليس على هذا “المُجدِّد” من سبيلٍ يسلكه إلا سبيل العلماء المُتقدِّمين، واجبٌ حتمٌ ليس له فيه مُتَخَيَّر، فإن القرآن واحد؛ والسنة واحدة؛ والقواعد المُستنبطة منهما واحدة؛ وهذا معنًى من معاني الآية الكريمة (اليوم أكملت لكم دينكم)

ويؤكّد العلماء هذا القول حتى في مسائل الاختلاف، فيقرِّرون أن نزاع العلماء لا يجوز الخروج عنه إلى إحداث قولٍ لم يشمله الخلاف، فكما يوجد إجماعٌ على المُتَّفق عليه؛ يوجد إجماعٌ في عدم الخروج على أقوالهم، وتوضيحه : إذا اختلف العلماء إلى ثلاثة أقوالٍ في المسألة؛ لم يجز إحداثُ قولٍ رابعٍ، لأن خلافهم إلى ثلاثة أقوال هو كالإجماع أن الحقَّ محصورٌ فيها، خاصةً إذا كان القول الرابع هو رفعٌ للأقوال الثلاثة ونقضٌ لها، فتأمّل كيف يحترم المتأخِّرُ علمَ المُتقدِّم؛ ويقف دونه لا يُجاوزه! وكلُّ من حاجَجَ المُتقدِّمين وخرج عن خلافهم، فحجَّته داحضة؛ وخروجه شططٌ وانحراف…


لن يخرج المُجدِّدُ وهو يُحيي ما خَفِيَ من الدِّين، أو يُنزِّل قواعد الإسلام على أمرٍ طارئٍ: عن صحيح البخاري ورسالة الشافعي وكتاب سيبويه وغيرها من كتب الأمة التي كتب الله لها القبول؛ وصارت من : الدِّين !

ولا يغرنّك ما ترى فيهم من التراكم المعرفي، فإنك تظنّهم على شيءٍ، حتى إذا اختبرتهم بمعايير الأوّلين تبدّى لك ما يتبدّى للظِّماء؛ والقيعان تغرّهم بسرابها يحسبونها ماءً

لو جاوَدَ الغيثُ المُثَجَّجُ كفَّه / لأتَتْ بأطولَ مِن نَداه وأعرضا **


هذا ديننا.. وهذه كتبنا ..وإنما حُفظ الإسلام بهذه الكتب، وسيستمر الإسلام ديمةً يُروٍّي الأرض؛ ما استمرّت الأمة تنهلُ من مَعين هذه الكتب .

وليس المراد من هذا كلِّه ما قد ينفذ إلى عقل القارئ؛ أن باب الاجتهاد موصَد، فإن هذا ركونٌ إلى التقليد وهو أضرّ شيءٍ على الأمة، وباب الاجتهاد مفتوح ما لم يُرفع القرآن! ولن يخلوَ عصرٌ من مجتهدٍ قائمٍ لله بالحجّة والإبانة عن الحق، ولا يزال يستجدُّ في الأمة الجديد من النوازل التي يتصدّى لها العلماء ممن جمعوا شرائط الإجتهاد، ونحن نرى نُظُم الصَّيرفة تتغيّر، وعلم الطب يتطوّر، ونوازل السياسة في كل عصر تنزل على الأمة حتى تدع الحليم حيران، فكان لزامًا وجودُ قائمٍ لله يُوقِّع عن الله !

والمُراد أن هذا المجتهد لن يستعمل إلا أدوات الأوّلين؛ وهو يستنبط الأحكام ويستخرجها من مظانّها، وهي الأدلة الإجمالية التي سنّها علماء الأصول واللغة والفقه والمقاصد، رغم اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وعقائدهم، فإن هذا الاختلاف من زاويةٍ معينة هو مثالٌ ناصعٌ لقومٍ أبوْا إلا تَحَرّي الرّشاد 

وبعدُ :

فهذا الأمر بالفَقَاهَة في الدّين قائمٌ إلى يوم الدِّين، والله لن يَذَرَ دينه غرضًا لعلماء وظّفوا علمهم للتشغيب على صفاء الحق، ويتأكّد الأمر؛ وقد ينتقل إلى العَيْنية، إذا فشا في الناس علماء ينتحون السُّبُل الخسيسة في استرضاء السلاطين وزهق الحق والتشويش على العامّة والتشبُّه بالظلمة والتمكين لهم، هنا يكون لِزاما على كلّ طالبِ علمٍ أن يبذل جهده ويُفرِغ وُسعَه في حجزهم عن الباطل بالحجّة والبرهان.

ومدادُ ما تجري به أقلامهم / أزكى وأفضل من دمِ الشُّهداءْ

يا طالبي علم النَّبيِّ محمّدٍ / ما أنتم وسواكم بسواءْ***

والله يقول الحقَّ..وهو يهدي السَّبيلْ.

والسّلامْ

وكتب

المُتحنِّنُ إليهم

بن جدو بلخير

*أبو تمام

**البحتري

*** ابن دريد

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.