حصريا

عُكّازات الحياة . فيصل الدّويك

  1. عكّاز الحبّ  :

     الحبّ في مفهوم الفلاسفة : هو ميلٌ للأشخاص العزيزة أو الجذابة أو النافعة ، وهي كلمة من

( حـ ب ب ) ، وهي نقيضة الكُرْه .

     وهو صفةٌ لا تنفكُّ عنبني آدمَ ؛ فكلّ آدميّ لابد أن تجري عليه هذه الصّفةُ ، فهو يسمو بالنّفس ويُحلّقُفي سماء

السّعادة والجمال ، ويكسو الرّوح بهاءً وحبورًا ، كما أنّه دافعٌ مندوافعِ البقاء .

     وهذه الصّفةُ حازت في الإسلام مكانةً كبيرةً ؛ إذ إن ربّنا -عزّ وجلّ – قد جعلها من متممات الإيمان لمن دخل في إطار الإسلام ، فقال تعالى  : ” قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ” .

ونفى سيّدنا رسولُ الله صفةَ الإيمان عن نفسٍ أسلمت ولم تتخذ النّبيّ محبوبها الأوّل ، فقال رسولنا الأكرم : »لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ« والحبّ نوعان ، نوعٌ بالطّبع بتوسّط أسباب الدّم ، ونوعٌ بالاختيار  ، والنوع الثّاني يكونُ أشدّ و أكبر ، وهو الذي اختاره رسولُ الله لنفسه من موقفه مع سيّدنا عمُر بن الخطّاب ساعةَ قال له عمر :  يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي . فاعترضه رسول الله وقال له : »لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ« وهذا المشهد يُجسّد لنا صورة الحبّ في عينِ سيّدنا رسول الله  .

     والنبي صلى الله عليه وسلّم اشتهرَ بحبّه لعائشةَ رضوان الله عليها ، وكان من يُريد أن يهادي النبيّ بهديّة لا يُرسلها إليه إلا وهو في بيت محبوبته عائشة ، فكأنَّ الهديَّة ستجمل وستزداد قيمةً بدخولها بيت المحبوبِ .

وللحبِّ  هيمَنةٌ وقوّةُ أسرٍ  تسوق المرءَ أحيانًا نحو المهالك ، صحيحٌ أنَّ نِسبَ التّمثيل متغيرة ومتفاوتة من شخصٍ إلى آخر لكنَّ المُلاحَظَ أنَّ الشخصيَّة العربيَّة كانت هي الأعلى حضورًا في قوائم الّذين قتلهمُ الحبُّ ، وظالمٌ مَن يُحاسبُ هؤلاءِ المُحبِّينَ على رقَّةِ فؤادِهِم من منظورٍ واحدٍ  ، لكنَّ جوانبَ أخرى في هذا السّياق ترفضُ الطريقةَ الّتي تجلَّى فيها مظهرُ توهُّجِ العاطفةِ لهؤلاء المُحبّين الهَلْكَى  ، ويزدادُ الرّفض شدَّةً عند تضمين الأمر جانبًا شرعيًا .

   لكنَّ ثمَّةَ أسئلةً كثيرة كلها تدور في مدارات الأعذارِ لهم ؛ فأعراف العربِ قديمًا كانت معلومةً في أذهانهم ، وهي الّتي تقضي بالتفريق بين الرّجل والمرأة ساعةَ يتلفظ باسمها في شعره ، ونسأل هُنا : ما الّذي ساق سرَّ قيسٍ بن الملوّح بن مزاحم بن صعصعة إلى ساحة  الإفشاء والمعالنة ؟ !

لماذ لم يتمالك نفسه حتى يتقدَّم في طريقه الّتي تُرضيَ بيئتهم  وتقاليدهم فيفوز بمحبوته– ليلى  – ؟!

وهل يخرج من يُطالع التراث الأدبي بنتيجة مؤداها : ( الحبَ مهلكة وموت ) ؟

وهل علينَا أن ندفن رؤوسنا في تراب الخجل والكتمان ساعةَ يعرضُ لنا أمر من هذا مع ابن ، أو طالب ، أو صديق  ؟

    إنَّ الحبَّ هو روح الحياة ، وسرُّ من أسرار بقائها ؛ طاقة روحية تعتمل في الأجساد الّتي استسلمت واستحالت رُكامًا ، فتردّها أجسامًا تلتهمُ السّبل لإثبات الذّات ، وتحقيق الأمل ، ومن هُنا يتسنى لنا خِطاب الأحداث ولفت أنظارهم إلى ضرورة إبقاء القلوب نقيَّة  إلى أن  ترسوَ سفينتهم على جُوديّ الاستقرار والتمكين والاستطاعة ، حتى نقولَ بُعدًا للقوم الخائنين ؛ونعلّمهم أنّ كلّ آتٍ قريبٌ !

    نسألك اللهمّ أن تجري السّلامة في سُبل أبنائنا وطلّابنا ، وأن تُطّهرَ قلوبهم من كلّ شائبة ٍ. آمين

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

  1. مستر فوزي يقول

    اكثر من رائع
    نفع الله بكم

    1. محمد صلاح يقول

      بارك الله فيك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.