حصريا

عَلَمٌ بلا أضواء – د.عبد الرحمن صبري

[cl-popup title=”ترجمة الكاتب” btn_label=”ترجمة الكاتب” align=”center” size=”s” paddings=”” animation=”fadeIn”]عبد الحرحمن صبري
تراجم -سيرة
الاسم: عبد الرحمن صبري أحمد عرقات.
العنوان: دمياط، جمهورية مصر العربية.
تاريخ الميلاد: 14/ 5 / 1986م.
المؤهلات العلمية:
1- ليسانس اللغة العربية والعلوم الإسلامية( دار العلوم) عام 2007م، بتقدير: جيد جدا.
2- ماجستير في الآداب، تخصص النحو والصرف، بتقدير ممتاز، كلية الآداب- جامعة المنصورة عن موضوع ( ظواهر بناء النص في عامريات ابن دراج القسطلي، دراسة نحوية دلالية).
3-دكتوراه في الآداب، تخصص النحو والصرف، بتقدير مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة وتبادلها مع الجامعات الأجنبية، كلية الآداب- جامعة المنصورة عن موضوع( بناء التركيب وقضاياه في المقالة الأدبية عند محمود محمد شاكر، دراسة في النحو والدلالة).
الأبحاث المنشورة:
1- البنى الكبرى في عامريات ابن دراج القسطلي، دراسة لغوية دلالية، بحث منشور في مجلة كلية الآداب- جامعة المنصورة، بالعدد الخمسين، يناير: 2012م.
2- المصطلح النصي:cohesion دراسة ونقد، بحث منشور في مجلة كلية الآداب- جامعة المنصورة، بالعدد السابع والخمسين، أغسطس: 2015م.
[/cl-popup]

عَلَمٌ بلا أضواء
عَلمُنا هو الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى، شيخُ البلاغيين المعاصرين، ومعاذ الله أن تنعدم الأضواء في شخصه الكبير؛ إذ هو عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وشيخٌ لشيخ العربية المفرد أبي فهر محمود محمد شاكر، وهو وارث نهجه ومؤصلُه، ولا تكاد ترى من المحدثين من يحب شاكرا كحب أبي موسى له؛ فلا يكاد الرجل يترك فرصة إلا اقتنصها بذكر شيخه، والإشادة بفضله وعلمه وأدبه وبيانه.
ليست الشهرة – إذن – ما أعني بالأضواء؛ فهي والشهادات- كما يقول شاكر- لا قيمة لها في عالم العلم والأدب، و الذي أعنيه أننا – في زمن التغريب والحداثة الزائفة- لا نعرف فضلَ شيوخنا وحقَّهم حق المعرفة إلا بعد رحيلهم، وهو من أعجب ما ترى في زماننا هذا، لن أقف على علم الرجل وأسفاره الجليلة التي تعلمك العزة والمجد، وتغرس في نفسك شيئا له خطره في زمان الحداثة وما بعدها، تغرس في نفسك أنَّ فرقا شاسعا بين الحداثة والتحديث، بين أن يكون تراثنا، أو إرثنا- في عبارة أبي فهر- غريبا بين أهله، أعجميا في لسان قومه، مستبدلين به ما تقذفه ألسنة التنويرين في وجوهنا صدقة وكبرا وغطرسة وبين أن نعود إلى تراثنا؛ فنعرف وننكر، ونرضى ونكره؛ ثم نبني على علم سلفنا الأوائل، ما نراه ضرورة في مراحلنا وعصورنا وأيامنا.
اقرأ( خصائص التراكيب أو دلالاته أو التصوير البياني، أو المراجعات، أو البلاغة في تفسير الزمخشري ) تجد من الذي أنبأتك به ظاهرا جليا واضحا.
شيخُنا- أطال الله في الخير بقاءه، وألبسه ثوب العافية – له من سمات العبقرية في العرض والمنهج ما له، وكي لا يكون الكلام وقفا على التنظير دون الاستدلال؛ فإني مشير إلى جانب واحد من هذه السمات، واحدٍ لا أعدل عنه إلى ما سواه، هذا الجانب ماثل في استيعابه التراث اللغوي استيعابا دقيقا يقف بك على مداخل لدراسة العربي الجاهلي وقفةً يصور لك بها حياته رأي عين.
يرى أنَّ إرث هذه الأمة المتطاول قائم على استقراء نفسية العرب القدامى في صورة علوم العربية المختلفة؛ قال في دلالات التراكيب ص 37 شارحا طريق العلماء في فن البلاغة ” منهج القدماء في التحليل البلاغي يقوم على الإدراك الواعي للفروق بين أحوال التراكيب، وأنَّ هذه الأحوال قادرة على أن تكون مسارب جديدة تنساب منها أحوال النفس؛ فعكفوا على هذه الأحوال وهذه المسارب، وساءلوها عما أودع القوم فيها من أنفاس نفوسهم، وخلجات أكبادهم”.
فانظر إليه كيف ربط بين ألسنة العلوم وأصحابها؛ فليست نظرته إلى التراث نظرة الذين يقدسونه بعبارات صاخبة لا طائل من ورائها إلا ما لا يمكث في الأرض، وليست كذلك كنظرة الحداثيين الذين يقولون بموت علوم العربية أو بعدم أصالتها؛ إنَّما هي نظرة حيّة تُريك أنها سجل تاريخي لأحوال نفوس العرب على امتداد تاريخهم، ومن ثم ينبغي أن يكون التعامل مع هذه العلوم تعاملا دقيقا؛ لأنه إرث متداول بين أهله، لا تراث قد اندثر أو انحط – في دورة الزمن- كما اندثر أهله أو يكادون.
ثم رتّب الشيخ على فهمه هذا فهما آخر مفادُه أنَّ على أهل هذا الإرث مهمة شاقة، نتفادى به أخطاء الحداثيين المنادين بإسقاط هذه العلوم بوجه أو بآخر، كما نتفادى به غفلة بعض التراثين الذين حصروا جلّ همهم في التماس توافق بين القديم والجديد؛ كي يرددوا بأنَّ سيبويه وعبد القاهر وغيرهم قد سبقوا النظرية الحداثية في كذا، وأنَّ ابن سلام قد سبق النقاد في كذا؛ فهو شيءٌ لا يفيدُ العلم في شيء، وهو شيء ينفي اشتراك الطبيعة الإنسانية في جوانب كثيرة، بل كثيرة جدا.
فإنَّ الشيخ يرى أنَّ كل علماء العربية قدموا العلم بمعطيات عصرهم، فلا شك أن عبارة سيبويه غير عبارة عبد القاهر، وهما غير ابن جني، والجميع غير الرافعي وشاكر والزيات والعريان والعقاد؛ ومردُّه إلى أنَّ هذه العلوم حية عبّرت عن نفوس قد وراها الثرى في الغابرين.
ليس قبيحا أن يطلع مثقفو هذه الأمة على كل ما يتاح لهم، لكنَّ فرقا بين القراءة وحشد الثقافة، والحكمة ضالة المؤمن، وبين حداثة الانصياع، فرقٌ بين استلهام هذا التراث ومدارسته مدراسة تنتهي بنا إلى تعلم عزة العرب، ومجد الإسلام، وبين أن نكون أبواقا تُفزع كلَّ مطمئن إلى تراثه وسلفه من العلماء.
ليس حسنا في منهج الشيخ أن ننكر فضل السابقين من علمائنا، وهم الذين أفنوا أعمارهم خدمة لهذه اللغة الشريفة، اللغة الباسلة، اللغة الشاعرة، وأنكى من ذلك وأشد أن نرمي علومَهم بالموت، والحسن في منهجه أن نعيد قراءة تراثنا قراءة واعية نعالج بها أوجه القصور، مفرقا- في ذلك- بين خصائص اللغة وطبيعتها وجهد اللغويين على اختلاف علومهم وتفاوت طبقاتهم.
فاللغة التي وعت مراد الله إلى البشر أجمعين قادرة على كل شيء من طرائق التعبير، وتبقى علومها جهدا بشريا قابلا للنقد والمثاقفة، وإن لم تكن البشرية عرفت دقة وبراعة كالتي عرفت عن أسلافنا من النحويين والبلاغيين والمؤرخين والمحدثين…
هذا نقل واحد عن شيخ البلاغة- حفظه الله- بثَّ في نفوسنا بعضا من هذه الهموم؛ فكيف بك إذا عكفت على مدارسة أسفاره الجليلة؟ كيف بك لو أخذت عنه سماعا؟ والسماع منه سهل ميسور.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.