حصريا

علم التفسير وعزوف طلبة العلم.أ.حمد بن صالح المرّي

علم التفسير وعزوف طلبة العلم

حمد بن صالح المرّي-قطر-. ماجستير فقه مقارن

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن مدارسة القرآن وتدبّرَه وتقليبَه بالنظر والفكر يحتاجه الفرد والأمة؛ ففيه الهداية والنجاة في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: (هو الذي ينزل على عبده آياتٍ بيناتٍ ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم).

ولستُ في هذا المقام بصدد الكلام على أهميته وفضله؛فهو رأس العلوم وأسّها، ولا يُختَلف في كونه أجلَّ العلوم قدرا، وأرفعَها مقاما، وأعظمها شرفا،ويكفي في فضله ما جاء عند ابن أبي شيبة وغيره من قول ابن مسعود رضي الله عنه: (من أراد العلمَ فليثوّر القرآن، فإنَّ فيه علمَ الأوَّلين والآخرين).

ولكني أحاول في هذا المقال أن أسلّط الضوء على مشكلةٍ رأيتها منتشرةً بين المشتغلين بمتون العلوم الشرعية (الفقه والحديث والأصول واللغة…)، وهو عزوف كثير منهم عن علم التفسير؛ فتجد الواحد منهم يضرب في كلّ فنٍّ بسهم، فيأخذ حظّه من الفقه ويدرس فيه متنا، ويصنع مثلَ ذلك في الحديث والأصول واللغة…إلخ، فإذا ما جئتَ لعلم التفسير= لم تجد له متنا قد قرأه؛ فضلا عن دراسته والاشتغال به!

وما زال هذا الأمر يؤرّقني منذ مدة: ما سبب هذا العزوف وقد علموا فضلَه وعظيمَ مكانته وشرفَه؟!

وبعد جولةٍ في ربوع الذكريات عندما كان شيوخنا يُقرءوننا ويدرسوننا، وبعد مجالس مذاكرةٍ مع بعض الفضلاء= خلصتُ إلى ثلاثة أسباب؛ هي المحاور التي يدور حولها باقي الصوارف، أذكرها هنا تباعاً، جاعلاً مع كل سببٍ مقترحاً لمعالجة المشكلة.

السبب الأول: قلة من يُدرّس هذا العلمَ دراسةً منهجيةً من متونه المعتبرة كما تُدرّس سائر العلوم.

ولا أعني بالتدريس هنا مَن يُلقون دروساً في التفسير أو يقرءون المطولات بتعليق وعظي، فهذا النوع مع أهميته وعظيم نفعه وحجم تأثيره= يصلح للعامة، وكلامي منصبٌّ على طلبة العلم المشتغلين بالتحقيق والتدقيق.

والمشتغل بالعلم يعلم بأن في متون التفسير المعتبرة -كتفسير الكشاف والنسفي والبيضاوي وابن جزي والجلالين- من المسائل ما تحتاج إلى بسطٍ وتوضيح وحلِّ إشكالٍ وبيانِ منزع الخلاف وبيانِ الأصلِ الذي بُنيت عليه.

ومن الحلول المقترحة لهذا العائق تحفيز الطلبة لطلبة العلم المتقدمين والعلماء المبرزين لتدريس متون التفسير، وتكون متون التدريس ضمن المقروءات على الشيخ المدرّس.

السبب الثاني: علم التفسير علمٌ موسوعي، فهو جبلٌ صعبُ الرّحول؛ فيحتاج ممتطيه أن يكون فقيها متكلما محدثا لغويا أصوليا عالماً بالسير والأخبار والبلاغةِ وغيرها من العلوم وإلا قصّر ولم يتجاوز ساحلَه!

فالآيات تتناول هذه العلوم، والمفسرون يبحثون هذه المسائل في كتبهم؛ فلا يجد الطالب مناصاً من السباحة في هذه الأمواج المتلاطمة.

ومن هنا كان كثير من الطلبة يؤخر الدراسة الموسعة لهذا العلم حتى يأخذ نصيبَه الوافر من هذه العلوم.

ومن الحلول المقترحة لهذا العائقاللجوءُ إلى طريقة (التدوين والقفز)؛ فيتّخذ الطالب دفترا يدوّن فيه المغلقات وما يعترضه من المشكلات، ويقفز من موضع الإشكال ليتجاوزه إلى ما بعده فيُكمل قراءته، ثم يعرض ما اجتمع لديه من الإشكالات والمسائل على أهل العلم في المناسبات أو في أوقات معينة في الشهر مثلا ليحلوها له.

وهكذا نضمن سيرَه في هذا العلم، ويختم متونا في هذا العلم الشريف وقد استوعب جلَّ ما فيه.

السبب الثالث: غياب منهجية الطلب وخطة الكتب والمتون لهذا العلم مقارنةً مع غيره من العلوم؛ فلو نظرت في ساحة العلوم الأخرى كالفقه والعقيدة والمصطلح والحديث والأصول والنحو والصرف والبلاغة والمنطق= لوجدتها ممتلئةً بالمناهج، ولكل منهج سُلّمٌ مرصوف بالمتون من البداية إلى النهاية.

وأما علم التفسير فلا تجد فيه هذه الوفرة والتنوع في سلّمه المنهجي، بل يكاد أن يكون منعدما!

ومن الحلول المقترحة لهذا العائق توجّه جهود المشتغلين بحقل التفسير وعلومه للكتابة في هذا المجال، وسدّ الفراغ الحاصل فيه.

ولا بأس أن أشارك بشيء من هذا لعله يكون وميضا يُنطلق منه؛ فأقول:

فليَعتمِد طالبُ العلم متناً يضبطه، ويضع عليه حاشية من صنعهِ؛ فيضيف الفوائد من كتب التفاسير الأخرى، ويستدرك ما فات، ويُعلّق على ما خالف فيه المتن:

  • أهلَ السنة في مسائل الاعتقاد.
  • ومذهبَه الفقهي في الفروع.

إذا علمْتَ هذا؛ نأتي إلى أشهر المتون عند أهل العلم وهي أربعة، وأُضيف إليها متنين رأيتُ صلاحيّتها للدراسة والاعتماد.

1-تفسير الكشاف: وعليه حواشٍ كثيرة، وخُدِم خدمة فائقة.

وأهم حواشيه على الإطلاق حاشية الطيبي المسماة بـ)فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب)، وهي أشبه بالشرح من الحاشية، بل هي شرح للكشاف، أودَعَ فيها نكتا وفرائد وفوائد لا تجدها عند غيره، تولّى فيها بيانَ ما انتُقِد فيه الزمخشري رحمة الله على الجميع، وأضاف لها من التحقيقات الشيءَ الكثير.

وقد طُبعت هذه الحاشية طباعة لائقة بها في سبعة عشر مجلدا بإشراف الدكتور محمد عبد الرحيم سلطان العلماء.

قال الشوكاني في البدر الطالع: “وله إقبال على استخراج الدقائق من الكتاب والسنة، وحاشيته على الكشاف هي أنفَسُ حواشيه على الإطلاق، معما فيها من الكلام على الأحاديث فِي بعض الحالات إذا اقتضىالحال ذلك على طريقة المحدِّثين؛ مما يدلّ على ارتفاع طبقته في علمَي المعقول والمنقول”.اهـ.

وهذه الحاشية تغني الناظر في هذا التفسير إن شاء الله عن سائر الحواشي، فإن أضاف لها حاشية ابن المنير الإسكندري (683 ه) لم يحتَج بعدهما إلى شيءٍ.

وابن المنير رحمه الله اهتم اهتماما بالغاً ببيان ما أودعه الزمخشري في كتابه من اعتزاليات ولو بالإشارة.

2- تفسير البيضاوي:وهو تفسير متين، عبارته متينة، تحتاج لفكٍّ وشرحٍ؛ ولذلك كانت الحواشي عليه كثيرةً يصعب حصرها، وما اشتُغِل بكتاب في التفسير ما اشتُغِل بهذا الكتاب.

ولكن لا يستغني دارس هذا الكتاب عن حاشية محيي الدين زاده (951 ه)، فهو أقربهالفظا، وأكثرها وضوحا وبياناً، فإن أضاف معها حاشية القُونوي (1195 ه)= فقد اكتمل النصاب، ولم يحتج لغيرها غالباً؛ فحاشية القونوي أوسعها كلاماً، وأكثرها أحكاماً.

والحاشيتان مطبوعتان، فحاشية محيي الدين لها طبعة تركية قديمة جيدة في أربعة مجلدات، وطبعة دار الكتب العلمية في ثمانية مجلدات، فيها سقط وتصحيف في مواضع.

وأما حاشية القُونوي فطُبِعتْ قديما طبعة تركية، ولكنها نادرة.

ثم طبعتها دار الكتب العلمية مع حاشية ابن التمجيد (880 ه) في عشرين مجلداً.

وهي الطبعة المتوفرة في السوق حالياً.

3- تفسير ابن جُزي: وهو تفسير مختصر ماتع، عبارته لطيفة، لخّص من التفاسير ما يُغني عن حملها، وأضاف لهذا الجمع الترجيحَ والتحقيق، وأودعه نكتاً بديعة، وحلاً لبعض المشكلات والمقفلات.

وقدّم بمقدّمتين في غاية النفع:

الأولى: قواعد نافعة في أصول التفسير وعلوم القرآن.

الثانية: معاني مفردات ألفاظ القرآن التي يكثر دورانها.

والكتاب له أكثر من طبعة إلا أنَّ أسوأ طبعاته طبعةُ دار الكتب الحديثة في أربعة مجلدات، وأجود طبعاته طبعة المنتدى الإسلامي في الشارقة.

وهذا الكتاب اعتني به المعاصرون؛ فشرح مقدمته الشيخ مساعد الطيار في مجلد مطبوع، وعقد الشيخ خالد السبت دروسا في التعليق على هذا التفسير، وللشيخ البراك تعليقات على مواضع من هذا الكتاب فيما يتعلق بالعقدية والسلوكية، وهو مطبوع بتحقيق علي بن حمد الصالحي.

4- تفسير الجلالين: وهو تفسير يُشبه تفسير البيضاوي في سبكِه ومتانة عبارته، إلا أنه أخصر منه بكثير، وقد اهتم علماء مصر بهذا المتن أيّما اهتمام، نظيرَ اهتمام علماء الدولة العثمانية بتفسير البيضاوي.

وعلى هذا التفسير حواشٍ كثيرة، أشهرها حاشيتان:

الأولى: حاشية الجمل، وهي العمدة في هذا الباب، وما بعده عالةٌ عليه، والشيخ الجمل أوتي براعة في التحشية من جمع وتلخيص وصياغةٍ قلّ مَن يضاهيه فيها.

وحاشيته لا يستغني عنها الناظر في التفسير.

الثانية: حاشية الصاوي، وهي مختصرة من حاشية شيخه الجمل، عليها بعض الزيادات تتعلق بمسائل في الصرف، إضافةً لبعض المسائل الفقهية على مذهب الإمام مالك رحمه الله؛ فإن الجمل شافعي المذهب كما هو معلوم.

وطُبِعتْ حديثا حاشية الشيخ علي ملا قاري في دار الكتب العلمية في مجلد واحد، اقتنيته قريبا ولم أطلع عليه اطلاعا يكفي للحكم.

فائدة: قام الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله بتهذيب تفسير الجلالين تهذيبا أشبه بالمؤلف الجديد، فحذف ما يتعلق بالمسائل النحوية والصرفية والقراءات ونحوها، وزاد في مواضع كثيرة ما يُخالِف فيه الجلالين مما اعتمدا فيه على إسرائيليات أو خالفا فيه من مسائل الاعتقاد، وأبقى أكثر الكتاب على أصله.

والحقيقة أن مثل هذا التصرف من الشيخ في غاية النفع؛ فهو تقريبٌ وتهذيبٌ ومدخلٌ وتحشية في نفس الوقت، ومثل هذا مفيد للطالب والعامي على حدّ سواء.

وفي الختام أُشير إلى تفسيرينٍ مغفول عنهما يستحقان العناية تدريساً وإقراءً:

1-المقتطف من عيون التفاسير للشيخ مصطفى خير الدين، لخّص الأقوال في كثير من الآيات، وصاغه بلغةٍ سهلة واضحة مع إيجازٍ وحسن سبك.

طُبع في خمسة مجلدات بتحقيق الشيخ محمد علي الصابوني.

2-صفوة التفاسير للشيخ محمد علي الصابوني، يذكر في كل سورة أسباب النزول، ويذكر المعنى الإجمالي للسورة مع بيان مقاصدها، ويذكر الاشتقاق اللغوي لغريبها، وبعض أوجه البلاغة في الآية، ويختم بذكر بعض الفوائد غالبا.

وفي الحقيقة ظُلِم هذا الكتاب ظلماً يستحقّ الدراسة والتحليل في بواعثه وآلية التعامل معه!

فهُوجِم هجوماً مبالغاً فيه؛ وجُعِل من عيوبه إثبات المجاز والاستعارات!

بل اعتُبِر ذكرُه للجناس والطباق ونحوها من مصطلحات البيانيين= حشواً!

بل اتُّهِم بالبتر والتدليس والخيانة العلمية وغيرها من الأوصاف الذميمة لكونه اختار بعض الأقوال دون بعض في تفسيره هذا؛ وكأنه ملزمٌ باختيار ما يراه غيرُه!

وعلى كل حال: ينبغي لإخوته أن يخفّفوا من حدّة هذا النقد اللاذع الهادم، فالشيخ الصابوني لم يأتِ بجديد، ولم يقل قولا أشنع مما قاله الزمخشري وابن عطية والقرطبي والبيضاوي وأبو السعود وأضرابهم من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم؛ فلْيُعاملوا هذا التفسير النفيس كما عاملوا تلك سواء بسواء.

وفي الختام: على الطالب أن يصطحب معه في المطالعة والتحشية تفسير القرطبي وتفسير ابن كثير لزاماً، فإن رغِبَ بشيءٍ من الإحاطة فلُيُضِف لهما تفسير حدائق الروح والريحان للشيخ محمد الأمين الهرَري، وأما غيرها من التفاسير فيرجع إليها عند الحاجة أو الاستزادة، وكلما زاد اطلاعُه وزادتْ مراجعُه= كثُرت الفائدة، واتسعتْ المدارك.

أسأل الله تعالى أن يردّ هذه الأمة إلى كتابها وسنة رسولها صلى الله عليه وسلم ردّاً جميلاً، وأن يرفع عن هذه الأمة البلاءَ والفتنَ والمحن، وأن يجمعهم على التقوى، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.