حصريا

صناعة التأليف

صناعة التأليف

بلال فيصل البحر

الحمد لله وسلام على عبادة الذين اصطفى..وبعد:

فإن التأليف كما قال الحافظ أبو بكر الخطيب: (يُـطْلِعُكَ على حقائقِ العلوم ودقائِقِها، ويُـذكيْ القلبَ، ويقويِّ الحفظَ، ويكسبُ جميلَ الذكر، وجزيلَ الأجر، ويـُخْلِدُه إلى آخر الدهر).

وقال الكنديُّ:

كُنْ للعلوم مُـصنّفاً أو جامعاً…….يبقى لك الذكرُ الجميلُ مُخلّدا

كم من أديب ذكرُه بين الورى…غضٌّ وقد أودى به صرْفُ الردى

وما نشاهدُه اليومَ في سوق الكتب من شيوع التصنيف وكثرة التواليف الذي أخبرَ عنه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بأن من أشراط الساعة (ظهور القلم) كما رواه أحمد، فأقلُّ توصيفٍ له أنه فوضى ينبغي على العقلاء والعلماء تداركُها وحسمُ مادّتـها، بوضع القوانين التي تردعُ تـجّارَ العلم ممن لم يـُحكم أدوات التصنيف ويستكمل آلاته، أن يهجم عليه قبل أوانه، كما ذكروا في أدب الطلب أنه لا يحلّ للطالب التصدّرُ للتصنيف قبل أن يعرضَ كتبَ الفنّ على أهله على الوجه.!

فكيف وفي السوق بتقريظ المشاهير كتبُ مَنْ يقول في ابن اللبون ورعلٍ وذكوان وعصية (لم أقف على تراجمهم).!

وما بين المؤلفات المسروقة، والمصنّفات العقيمة، والتحقيقات الممسوخة، تغيب الكتبُ القيمةُ المجوّدة، فيحار الطالبُ ولا يدري ما الذي يقتنيه، وما الذي يطالعه.؟! ولهذا تجد أن أكثرَ الأسئلة الواردة على أهل العلم: ما هو أجودُ تحقيقٍ للكتاب الفلاني.؟ وما هو أحسنُ كتابٍ في الموضوع العلاني.؟

وقد شاهدنا بـمصرَ مكتوباً على بعض دكاكين ومحلات تصوير الكتب: (تتوافر لدينا خدمةُ كتابة الرسائل الجامعية وتحقيق المخطوطات)! وامتلك كثيرٌ من المشاهير من شيوخ الفضائيات وأساتذة الجامعات مكاتبَ لتجارة التحقيق ولا سيما الحديث، وفيها يعمل كلُّ عاطل، مصداق قول ابن الجوزي: (علم الحديث صناعة الكسالى والمفاليس).!

ولم لا وقد غدا التحقيقُ مجرّدَ تخريجٍ للأحاديث وعزوٍ للنصوص وتوثيقٍ للمصادر وترجمةٍ للأعلام، والبركةُ في الكومبيوتر وكوكل، ثم يخرجُ الكتابُ أعجمياً من فاحشِ تصحيفه وكثرةِ تحريفه، وقد قال الأخفشُ: (إذا نُسخ الكتابُ ولم يُعارَض، ثم نُسخ ولم يُعارَض، خرجَ أعجمياً) وقال الشافعيُّ: (من كتبَ ولم يُعارِض كمَنْ دخلَ الخلاءَ ولم يستنجِ).

وقد مكث كبارُ المحققين كالأستاذ شاكر وهارون وإبراهيم السامرائي ونظرائهم سنينَ في إخراج كتاب، وأنفق العلامةُ عبدُ الرحمن الخضري شيخُ علماء دمياط سنتين في ترتيب (برهان الأصول) وبقي تلميذُه المحققُ عبد العظيم الديب في تحقيقه سبع سنوات، وفي إخراج (نـهاية الإمام) قرابة (25 سنة) فما بالُنا نجدُ دعاميص كثير من دور النشر يـُخرجُ اللُّعْمُوظُ منهم المطولات في سلخ الشهر، مشوهة مسخاً.؟!

وأما التأليفُ الجامعيُّ ولا سيما الفقه، فغايةُ الحاذقِ منهم -حاشا بعض الفضلاء- أن يسرقَ فيُغيّر، وتراه في عويص المسائل التي هي من مضايق النَّظر ومحارات الفِكَر، يقول: فيها قولان: الأول يجوز ودليله كذا، والثاني لايجوز ودليله كذا، ويبدو لي رجحان القول الثاني لقوة أدلته، فأين الفقهُ والنظر.؟!

وقد حضرتُ بدار العلوم التي أضحت دارَ هموم، مناقشةَ دكتوراه في الفقه على هذا النسق، وكان مناقشُه الأستاذُ الدكتور محمد كمال إمام الذي قال له بالحرف الواحد: (شوف يا ابني، انته تضحك علينا بـهذه الرسالة، واحنا نضحك عليك لما ندّيك الدكتوراه)! وذكر الأستاذُ رجب البيومي في (المسامرات) فصلاً لطيفاً مما وقع في دار العلوم في هذا المعنى.

ومن ينتدب للتصنيف فلا بد له من اقتناص الفوائد من مطالعة كتب الفن الذي يروم التأليف فيه وتقييدها، ومطالعة الكتب فنٌّ وذوقٌ لا يكتسبه إلا من إذا طالع انتفع وأفاد، ثم برع فيه وأجاد، وإنـما يقع الانتفاع والإفادة لـمن فهم وحفظ، وإنـما يحفظ ويعي من كان ذا نـهمة للعلم بحيث تنقطع العلائقُ والعوائقُ عنه إذا قرأ.

كما قيل لأبي حنيفة: بم يُستعان على حفظ العلم؟ قال: بجمع الهمة، فقيل: وبم يُستعان على جمع الهمة؟ قال: بقطع العلائق، فقيل له: وبم يُستعان على قطع العلائق: قال: بأخذ اليسير عند الحاجة، وقال بعضهم:

تـمنيّتَ أنْ تُـمسي فقيهاً مُناظراً … بغير عَناءٍ فالجنونُ فنونُ

وليس اكتسابُ المال دون مشقّة…تحمّلتها فالعلمُ كيف يكونُ

ولا ريب أن للمطالعة طرائقَ وفنوناً ينبغي لمن كان من أهل العناية والتحصيل السلوكُ عليها، حتى لا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة، فيضيع عليه الزمانُ دون حاصل كحال كثير من القُرّاء والطلبة.!

والذي يُتصور أن يسلك القارئُ أربعة مسالك لاقتناص فوائد ما يُطالعه من الكتب، بحيث إذا فرغ من كتاب أدرك الفرق فيما حواه صدره من المعارف بين ما قبل القراءة وما بعدها، وهي:

الأولى: أن يتأمل معاني الكتاب فيُطالعه مطالعةَ الأذكياء، بالتأمل الذي يقوده إلى فهم أغراضه ومعانيه، وإدراك مقاصده ومراميه.

الثانية: أن يُقيّد فوائدَه المحفوظةَ، أعني التي لا غنى به عن حفظها، فينقلها إلى دفتر أو يُعلّم عليها في نفس الكتاب بـما به تتميز، كما كان يفعله بعض الحفاظ الكبار كأبي جعفر الطبري وغيره.

وذلك أن كل كتاب لا يخلو محتواه عن أحد نوعين: فالأول: معنى يُفهم لا يحتاج إلى حفظ لفظه، لأنه يقتدر على صياغة ألفاظه بنفسه إذا هو حصل معانيه، والثاني: فوائد لا بد له من حفظها بألفاظها وهي مادة العلم التي يصدر عنها إذا هو حاضر أو أقرأ، كدلائل المسائل وعزو أقاويلها ومذاهب الناس فيها وشواهدها نظماً ونثراً ونحو ذلك.

الثالثة: ثم يكرر على الكتاب فيُطالع منه ما عَلَّم عليه من الفوائد بحيث ينقلها من الدفتر إلى صدره، ويقف عند كل فائدة القدرَ الذي تنتقش معه في صدره، حتى إذا تيقن ذلك انتقل عنها إلى ما بعدها.

الرابعة: تخصيص يومين من الأسبوع لمراجعة محفوظه حتى يرسخ.

وقال الشاطبي في (إفاداته): كثيراً ما كنت أسمع الأستاذ أبا علي الزواوي يقول، قال بعض العقلاء لا يسمى العالم بعلم ما عالماً بذلك العلم على الإطلاق، حتى تتوفر فيه أربعة شروط:

أحدها: أن يكون قد أحاط علماً بأصول ذلك العلم على الكمال.

والثاني: أن تكون له قدرة على العبارة عن ذلك العلم.

والثالث: أن يكون عارفاً بما يلزم عنه.

والرابع: أن تكون له قدرة على دفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم.

قال: وهذه الشروط رأيتها منصوصة لأبي نصر محمد بن محمد الفارابي الفيلسوف في بعض كتبه.

ثم يشتغل بالتصنيف في الفن أو تدريسه لأن ذلك يقوده إلى المطالعة عليه من مظانه وموارده فيجمع شوارده وزوائده، حتى يكتسب فيه من المهارات ما يوقفه على حقائقه ويطلعه على غوامضه أصولاً وفروعاً، بحيث يكون كالكبش النطاح يقارع أهل الفن ويزاحمهم على فصوله ومعاقده، ويباحثهم في أبوابه وقواعده، تعقباً واستدراكاً، حتى يكون هو ومُصنِّفه في العلم به نقضاً وإبراماً على استواء، وحتى يستخرج من خبايا زواياه، كنوزَ مخبآته، وأسرارَ مخدّراته، ثم هو العالم حقّاً، المطّلع صدقاً، وإلا فلا تتعنَ وبالله لا تتعب، فلن تكون دون ذلك إلا مثقفاً مشاغباً على العلماء بما لا طائل منه، ولا حاصل عنه، كحال أكثر المعترضين اليوم.

ومن هنا تدرك سرَّ انتحال العلماء لـمذاهب الأئمة، وعجز من رام التفقّه دونـها، ويظهر لك وجهُ اختصاص بعض الحُذاق بكتاب وتعلّقه به دون غيره، وإنـما أرادوا اقتناص فوائد الفن منه بكثرة التكرار عليه، فإن العلم لا ينقاد لك إلا بإدمان قرع بابه، والتذلل له على أعتابه، وشواهد ذلك تجده مبسوطاً في غير هذا الموضع كرسالتنا (زنبيل العلم) وغيرها وبالله الثقة والتوفيق.

وللتصنيف طرائقُ ثلاث: طريقةُ الحفاظ الأذكياء القديمة القائمة على تصوّر أطراف البحث في الذهن، ثم الانحدار والترسُّل في ترصيفها وتصنيفها، ولم تَعُدْ هذه صالحةً لزماننا لقصور الهمم عن الحفظ، وقلَّ من القدماء مَنْ استعملَها فسَلِمَ من محاذيرها التي منها الاستطرادُ الـمُخِلُّ والخروجُ عن محلِّ البحث.

كما هو ظاهرٌ في بعض تصانيف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو مما عيبَ به، ولأجل ذلك تحاشاها كثيرٌ من الفضلاء، ولم يتجاسر عليها إلا الأفراد، ولا يصلح كثيرٌ منها مع كثرة فوائدها ووافر عوائدها، لتقريرها مناهجَ دراسية، ووقع بذلك الغلطُ على ابن تيمية في بعضِ قولهِ، فضلاً عن خفاء بعض الآراء النفيسة له في غضونِ كلامه الطويل الذيل.

خلاف القاضي أبي بكر الباقلاني الذي استعمل هذه الطريقةَ، لسعة علمه وكثرة محفوظه، لكنه سَلِمَ من محاذيرها، فتجدُ تصانيفَه غايةً في التنقيح والتهذيب، ولا تخلو من استطرادٍ لا يـُخرجُ البحثَ عن موضوعه، فدونك (تقريب الأصول) وهو ركن الفنّ، وكتابه (الانتصار للقرآن العظيم) الذي لا ينبغي التخلّف عن مطالعته، وفيه يقول الزركشيُّ في (البحر المحيط): (ما أعجبه من كتاب، فقد أزال به الحائكَ عن صدور المرتابين).

والطريقةُ الثانيةُ: طريقة الدفاتر (الملفات) وهي الغالبةُ على قدماء الـمُصنّفين، فيعمدُ أحدُهم إلى جمعِ كُتُبِ الفنّ الذي يريد التصنيفَ فيه، ثم يطالعها ويسبرها ويُعَلِّمُ على ما يحتاجُه منها من الفوائد والنقول، أو ينسخه في دفترٍ، حتى إذا فرغ من ذلك، أقبل عليها بالدراسة والفحص فيصوغها في كتاب، وإذا فرغ من صياغتها مرَّ عليها مراجعةً وتنقيحاً وتـهذيباً، فيخرج الكتابُ بعد أن يـمرَّ بثلاث مراحل، هي الجمعُ ثم الدراسةُ والصياغةُ ثم المراجعةُ، وبـهذه الطريقة وجدت كتبُ النوادر وكُنّاشات الفوائد.

وقد استعمل أبو جعفر بن جرير الطبري هذه الطريقةَ في تأليف بعض كتبه على ما ذكره صاحبُه القاضي أبو بكر بن كامل، واستعملها البخاريُّ في تصنيف (التاريخ الكبير) فذكر أنه صنّفه على ثلاث مراحل.

ومن الناس من كان يُعلّق الفوائدَ والنوادرَ على ظهر كتابٍ، أو في طُرّته وهي: (القُصاصةٌ تلحق بين الورقتين تذييلاً للفائدة) حتى إن بعضَ أهل العلم تتبع الفوائدَ التي في الطُّرر والظهور فجمعها في كتاب مفرد، كالوزير القفطي الذي صنّف كتاب (نـُهْزَة الناظر ونُزهة الخاطر فيما جـُمع من الفوائد من ظهور الكتب والدفاتر) وكالأستاذ جميل العظم في كتابه (الصُّبابات فيما وجدتُه مكتوباً من الفوائد على ظهور الكتابات) وغير ذلك.

والطريقةُ الثالثةُ: طريقةُ القُصاصات (البطائق) وأقدم من وقفنا على أنه استعملها في التأليف، العلامةُ أبو الحسن عليُّ بن محمد الأسديّ المعروف بابن الكوفي المتوفى سنة (348هــ) على ما ذكره الأستاذ البحاثة محمد سعيد الطريحي في مقاله النفيس (خزائن الكتب القديمة بالكوفة) المنشور في العدد الرابع من مجلة المورد العراقية سنة (1981) ناقلاً عن الدكتور حسين محفوظ في دراسته عن ابنِ الكوفيِّ ومخطوطِهِ (منازلُ مكة) في مقالٍ أسماه (قصةُ المخطوط النادر) المنشور في العدد السابع من مجلة (الأقلام البغدادية) سنة (1965).

فإنه ذكر أن أبا الحسن بن الكوفي هذا قد سبق إلى استعمال البطاقات والجزازات، وهي الرّقاعُ التي نُسمّيها اليومَ (فيش Fiche) في التأليف والجمع، حتى إن بطاقاته هذه بيعتْ بعد وفاته كلُّ بطاقة بدرهم، لما فيها من نفائس الفوائد والنوادر.!

وهذه الطريقةُ تعتمد على استقراءِ كتبِ الموضوع الذي هو محلُّ البحث، وتقميشِ فوائدها وجمعها في تلك البطاقات موثقةً مؤرخةً، ثم يأتي التفتيشُ بعد مرحلة التقميش، بدراسة وصياغة هذه المعلومات في وحدةٍ موضوعية.

والأمر كما قال الصفيُّ الحلي:

تأملْ إذا ما كتبتَ الكتاب…سُطورَكَ من بعدِ إحكامِها

وهذّبْ عبارةَ طرْزِ الكلام……واستوفِ سائرَ أقسامِها

فقد قيلَ إنَّ عُقولَ الرجال……….تحتَ أسنّةِ أقلامِها

والحمد لله رب العالمين

كتبه: بلال فيصل البحر

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.