حصريا

سيمائية الحركة في النّص القرآني (سورة المُدثر إنموذجا) – م. م. ضياء جمعة حمد -العراق-

0 88

 

سيِمَائِية الحَرَكَة فِي النّص القُرآنِي (سُورَة المُدَثر إنمُوذَجَاً):
Semiotics of movement in the qur’anic test , surah Al-muddatgthir , as a model

م.م ضياء جمعة حمد [*] (1)

الجامعة التقنية الشمالية / العراق
thiaa.bep91@ntu.edu.iq

مَدخَل:

السيمياء لغةً: جَاء فِي لُغةِ العَرب السَيمياء السِحر، وَحَاصِلة إحدَاث مِثالات خَيالية لا وُجُود لَها فِي الحُسن (سوم) فُلان اتخَذَ سِمة لِيَعرف بِهاء (السومة)، وَهِي العَلامَة وَالقِيمة، يُقال: إنّهُ لَغالي السومة (السيمة) السومة (السيما) العَلامة، وِفِي التَنزِيل (سِيماهم في وجوههم) ([1])، وهي في الاصطلاح السيماء يعرفها: (ألين ستون وجورج سافونا) بأنها: تتحرى االطريقة التي يخلق بها المعنى ويتم توصيله عبر نظام من العلامات التي يمكن تشفيرها وحل شفرتها([2]) أما مختار، فيعرفها بأنها “ذلك الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توفرها في الرمز حتى يكون قادراً على حمل المعنى”([3])، تشكل سيمائية الحركة جانباً مِنْ أَهم الجَوانب المُهمة فِي دَيمومية حَياة النُصوص الأَدبِية سَواء أَكانتْ تِلكَ لِلحَركَة الحِسّية، وَالمَعنَوية جَمَالية رَائعَة، وَتَأَثِيراً كَبِيرَاً، وَمُبَاشراً فِي النّص القُرآنِي الكَرِيم، فِهي تُجَسد الأَحدَاث، وَتَنقل الصُورَة بِدَقةٍ عَالية، وَتَجعَل المُتَلقي عَلَى مَسَافَة قَرِيبة مِن مُشَاهدة الأَحدَاث، وَمِن بَلاغَة الحَرَكة فِي الكِتَاب العَزِيز أَنّها تَوزعَتْ، فَهي تَأَتي مَرة بِحَركةٍ حِسّية مَادِية يُمكِن إدرَاكها بِالحَواس لِتَصوِر المَشاهد كَحَرَكِة الإنسَان، وَحَرَكِة الحَيوان، وَحَركة بَعض المَخلُوقَات الطَبِيعية كَالجِبَال مَثلاً بَينمَا تَأَتي الحَركة المَعنَوية لِتُجسد لنّا المَعَاني التي تَشعر بِها النَفس دُون أَن نَراها بِالحَواس، وَتُمثل الحَالة النَفسية دَاخل الأَشياء كَحَال الخُوف، وَالأَمن وَالهُدى، وَالضَلال وَاللّين، وَالقَسوة، وَالفَرار، وَالإقبَال، وَقَد تَجتَمع الحَركَتان فِي آنٍ وَاحد لِيَظهر لنَا مَشهد يُصور الصِرَاع بَين الحَق، وَالبَاطل، وَالنَجاة، وَالهَلاك كَما هُو الحَال فِي سُورة المُدثر.

المَبحث الأَول: بَين يَدي السُورة:

سُورة المُدثر “مَكّية، وَهِي أَلف وَعشرة أَحرف، وَمَائتان وَخَمسون كَلمة، وَست وَخمسون آية”([4])، وَقِيل: هِي أَول سُورة نَزلت([5]) مَع إن جُمهور أَهل التَفسير عَلَى أَنها الثَاني، وَلَيست الأَولى، وَهَذا مَا “وَرَد فِي البُخاري مِن أَنهُ لَما فَرغ مِن رُؤية جبرِيل عَلى كُرسي بَين السمَاء وَالأَرض فَرعب مِنهُ وَرَجع إلى خَديجة، فَقال: زَملوني زَملوني نَزلت يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وَقَال النَخعي، وَقَتادة، وَعَائشة نُودي، وَهُو فِي حَال تَدثر، فَدعي بِحَال مِن أَحواله، وَرُوي أَنهُ كَان يُدثر فِي قَطيفة، وَقَال آخرون: مَعناهُ أَيها النَائم، وَقَال عِكرمة مَعناه (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ للنبوة وأثقالها) “([6]).

أَما تَرتَيب السُورة فِي المُصحف، فَفَيهِ خِلاف مُعتبر عَن أَهل العِلم، وَأَقرب القَولين أَنّه قَد استَقر تَرتِيب السُورة فِي المَصاحف عَلى مَا كَانت عَليه العَرضة الأَخيرة، وَهَكذا استَقر تَرتيبها فِي المُصحف العُثماني، وَكَان ذَلِكَ اجتِهادَاً مِن الصَحَابة (رَضي اللهُ عَنهم).

مُنَاسبتها مَع السُور التي قَبلها: فَقد جَاءت بَعد سُورة المُزمل، وَكِلا السُورتين مَكيّ “وَصلتها بِما قَبلها:

  • أَنها مُتآخية مَع السُورة قَبلها فِي الافتِتاح بِنِدَاء النَبي (صلى الله عليه وسلم).
  • أَن صَدر كِلتيهما نَازل فِي قِصة وَاحدة.
  • أَن السَابقة بَدأت بِالأَمر بِقِيام اللّيل، وَهُو تَكميل لِنَفسهِ (صلى الله عليه وسلم) بِعِبَادة خَاصة، وَهَذِهِ بَدأت بِالإنذَار لِغَيرهِ، وَهُو تَكمِيل لِسِواه”([7]).

مَقَاصد السُورة: اشتَمَلت هَذِهِ السُورة عَلَى أَكثر مِن مَقصد مِنها:

  1. الأَمر بِالإبِلاغ وَالجَهر بِالدَعوة.
  2. تَوحِيد الله تَعَالى، وَإخِلاص العِبَادة لَهُ.
  3. الأَمر بِالتَطهر الحِسي وَالمَعنوي.
  4. الإكثَار مِن الصَدقات، وَالتَزود بِالطَاعات.
  5. إنذَار المُشركين.
  6. الحَث عَلَى الصَبر.
  7. وَصف أَهوال جَهنم.

المَبحث الثَاني: الحَركة بِنَوعيها الحِسّي وَالمَعنوي، وَتَطبِيقاتهمَا فِي بَعض آيّ السُورة:

جَاءت السُورة الكَرِيمة تَنقل الحَركة بِنوعيها الحِسّية مَرةً، وَالمَعنَوية مَرةً أُخرى، وَفِي بَعضِ الآيات جَمَعتْ الحَركتَين مَعاً مَعنويةً، وَحِسيةً كَمَا سَيَأتي تَفصِيل القَول فِي ذَلِكَ المَوضع.

الحَركَة الأُولى الحِسّية:

وَتَعني الانتِقَال الذي يُدرَك بِالحَواس، وَيُمكن مُشاهدَتهُ بِالعَين عَيانَاً يَنتَقلُ مِن مَكَان إلى آخَر عَبر مَساحة مُعينة بِشَكلٍ مَلموس، وَمُشاهد مِثل حَركة الإنسَان، وَالحَيوان، وَالمَاء، وَالهواء، وَالجِبَال، وَنُلاحظ وُجود الحَركة الحِسية فِي هَذِهِ الآيات الآتية:

قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)([8]).

بَدأَت الحَركة مِن أَول آية فِي السُورة الكَرِيمة وَهِي تَأمر النَبي (صَلى اللهُ عَليهِ وَسلم) بِالقِيام، وَالحَركة، وَالانطِلاق فِي أَمر الدَعوة، وَالإنذَار، وَالفِعل بــ (قُم) وهي فِعل يُوحي بِالنُهوض وَالانتِقَال، وَتَرك الرَاحة، وَمُبَاشرة الدَعوة ، وَهَذا مَا يُنَاسب السُورة وَمَوضعها، وَوقتها “فقد تَضمنت هَذِهِ السُورة فِي مَطلعها ذَلِكَ النِداء العُلوي بِانتداب النَبي (صلى الله عليه وسلم) لِهذَا الأَمر الجَلل، وَانتزَاعهِ مِن النَوم، وَالتَدثر وَالدِفء إلى الجِهاد، وَالكِفَاح، وَالمَشقة: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِر) مَع تَوجيهه (صلى الله عليه وسلم) إلى التَهيؤ لِهذا الأَمر العَظيم، وَالاستِعَانة عَليه بِهذا الذي وجهه اللهُ إليهِ”([9]).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا)([10])

نَلحظ الحَركة الحِسّية فِي عِقاب الله تَعالى لِمن فَكر، وَقَدر، وَعَبس، وَأَدبر، وَاتهم الرَسُول المُرسل، وَالقُرآن المُنزل بِالسحر، فَجاءهُ العَذَاب مِن جِنس فِعلهِ، وَتَكليّفه بِصُعود فِي جَهنم “وهُو جبلٌ مِن صَخرةٍ مَلساءَ في النَّار، يُكلَّفُ الكافرُ أن يَرتَقِيَهُ حتى إذا بلغَ أعلاهُ في أربعين عَاماً، كُلَّما وضعَ يده عيه ذابَتْ، وإذا رفَعها عادَتْ. وعن أبي سعيدٍ الخدري قال: قالَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ، يُصْعَدُ فِيْهِ سَبْعِينَ خَرِيفاً ثمَّ يَهْوِي كَذلِكَ مِنْهُ أبَداً، كُلَّمَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا ذابَتْ وَإذا رَفَعَهَا عَادَتْ، وَإذا وَضَعَ رجْلَهُ ذابَتْ وَإذا رَفَعَهَا عَادَتْ، وَكُلَّمَا بَلَغَ أعْلَى ذلِكَ الْجَبَلِ انْحَدَرَ إلَى أسْفَلِهِ، ثُمَّ يُكَلَّفُ أيْضاً أنْ يَصْعَدَ، فَذلِكَ دَأبُهُ أبَداً يُجْذبُ مِنْ أمَامِهِ بسَلاَسِلِ الْحَدِيدِ، وَيُضْرَبُ مِنْ خَلْفِهِ بمَقَامِعِ الْحَدِيدِ مَسَافَةَ كُلِّ صُعُودٍ أرْبَعُونَ سَنَةً “([11]).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ)([12]).

نَلحظ الحَركة الحِسّية بِوضُوح مِن دُورة القَمر مِن غَير تَتقدم، وَلا تَأخر، وَهُنا جَاء فِي مَوضع قَسَم لِيدل عَلَى عِظم القَسم، وَعَظمة القَاسم، وَرَوعة المُقسم بهِ، وَأَعقبهُ بِالليل الذي يَأَتي بَعد النَهار” يُقَالُ: دَبَرَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ إِذَا وَلَّى ذَاهِبًا. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: دَبَرَ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وَقَالَ قُطْرُبٌ: دَبَرَ أَيْ أَقْبَلَ، تَقُولُ الْعَرَبُ: دَبَرَنِي فُلَانٌ أَيْ جَاءَ خَلَفِي، فَاللَّيْلُ يَأْتِي خَلْفَ النَّهَارِ”([13]).

خُتمت الحَركة بِالصُبح الذي يَتنفس فِي الكَون، فَيمنح الإنسَان طَاقة جَديدة تَدفعهُ نَحو الحَركة، وَالسَير فِي هَذا الكَون الفَسِيح، وَعَبّر عَنهُ بِلفظ لَطيف، وَعَميق، وَبَيّن (وَالصبح إذا أَسفر) جَاء فِي تَفسِير أَسفر “أَضَاءَ وَتَبَيَّنَ”([14]).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)([15]).

لَو تَأملنا أَن الآية الكَريمة فِي ظَاهرها التَخيير، وَالصَحيح أَن الخِطاب هُنا خَرج إلى الوَعيد، وَالتَهديد، وَالحَركة الحِسية وَاضح فِي التَتقدم لِمن يُريد الطَاعة، وَالتَأخر لِمن يُريد المَعصية (يَتَقَدَّمَ) فِي الطَاعة أَو (يَتَأَخَّرَ) فِي المَعصية أَو يَتقدّم فِي الخَير أَو يَتَأخر فِي الشَر أَو يَتقدّم إلى النّار أَو يَتأخر عَن الجَنة تَهديد، وَوعِيد”([16]).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ)([17]).

تَبرز الحَركة الحِسّية لِتَصوير بَديع فِي نَقل فِيها حَال المُعرضين عَن القُرآن الكَريم، وَآيات الذِكر الحَكيم، وَحَالهم فِي الفَرار أَشبه بِحَال الحُمر الوَحشية التي تَكون فِي مَكان آمن، وَيَهجم عَليها الأَسد، فَتَفر، وَتَهرب، وَلا تُريد إلا الخَلاص مِنهُ، وَالنَجاة مِن بَأَسهِ، وَقَد اختَار النّص القُرآني تَشبيه حِسّي دَقيق صَوّر المَشهد بِحَالة حِسّية مَلمُوسة فِي حَياة المُخاطبين “هُو شَديد النَفار إذا أَحس بِصَوت القَانص وَهَذا مِن تَشبيه المَعقول بِالمَحسوس”([18]).

وَقَد جَاء السِياق يُحشِّدُ لَفظاً، وَمَعنىً، وَحَرفاً، فَجَاء بِحَروف تَتناسب مَع الوَصف، وَالسِياق، وَهُما “السِين وَالتَاء فِي مُستنَفرة لِلمُبالغة فِي الوَصف مِثل: استكمَل وَاستَجاب وَاستَعجب وَاستَسخر وَاستَنبط، أَي نَافرة نَفاراً قَوياً فَهي تَعدو بَأقصى سُرعة العَدو”([19]).

الحَركة الثَانية المَعنوية:

وَتُمثل هَذِهِ الحَركة الشَيء المَعنوي، وَهِي حَركة لا نَراها بِقدر مَا نَتحسسها كَحَركة المَشاعر، وَالانفعَالات، وَهِي غَير مَلموسة بِالطَبع، وَلَكنّها مُؤثرة، وَقَد يَكون تَأثيرها عَلى النَفس أَكثر مِن تَأثير الحَركة المَحسوسة المَلموسة لأَنّها تَعكس الشُعور الدَاخلي مِن فَرح، وَحُزن، وَأَمان، وَخَوف، وَهُدوء، وَقَلق، وَسَكينة، واضطراب، وَرُكود، وَنُفور، وِإقبَال، وَإدبَار.

وَالحَركة المَعنوية جَسدها النّص القُرآني فِي الآيات القُرآنية الآتية:

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ)([20]).

تَأَتي الحَركة المَعنوية فِي سِياق السُؤال عَن حَال المُجرمين، وَسَبب دُخولهم النّار، فَذكروا تَركهم لِلصَلاة، وَالزَكاة، وَذُكروا خَوضهم مَع الخَائضين، وَالخُوض هُنا، وَإن كَان حَركة حِسية فِي ظَاهر لَفظهِ، وَلَكنهُ حَركة مَعنوية فِي مَضمونهِ، وَحَقيقتهِ، وَيَعني قَول الزُور، وَاتهام النّاس بِغَير حَق، وَكَلامهم فِي الخَلق بِما لا يَنبغي الخَوض فِيها، وَلَو تَأملنا السُؤال لَوجدَنا أَنّهُ سُؤالاً “مُستعملاً فِي التَنديم، أَو التَوبيخ، فَعموم أَصحاب اليَمين، وَعُموم المُجرمين عَلى حَقيقتهِ، وَأَجاب المُجرمون بِذكر أَسباب الزَج بِهم فِي النّار لأَنهم مَا ظَنوا إلا ظَاهر الاستفهام، فَذَكروا أَربعة أَسباب هِي أُصول الخَطايا وَهِي: أَنهم لَم يَكونوا مِن أَهل الصَلاة، فَحرموا أَنفسهم مِن التَقرب إلى اللهِ.

وَأَنهم لَم يَكونوا مِن المُطعمين لِلمَساكين وَذَلِكَ اعتداء عَلى ضُعفاء النّاس بِمنعهم حَقهم فِي المَال، وَأَنهم كَانوا يَخوضون خَوضهم المَعهود الذي لا يَعدو عَن تَأييد الشَرك وَأَذى الرَسُول (صلى الله عليه وسلم)، وَالمُؤمنين، وَأَنهم كَذبوا بِالجزاء، فَلم يَتطلبوا مَا يُنجيهم، وَهَذا كِنَاية عَن عَدم إيمَانهم، سَلكوا بِها طَريق الإطنَاب المُناسب لِمَقام التَحسر، وَالتَلهف عَلى مَا فَات”([21]).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ)([22]).

جَاءت اللقطَة الأَخيرة مِن السُورة لِتُصور تِلك المَشَاعر التي نَفرت، وَخَافت مِن آيات الذِكر وَخَوفها لا يَقل حَجماً، وَشُعوراً مِن خَوف تِلك الحُمر التي فَرت، وَقَد “شبَههم فِي إعرَاضهم عَن القُرآن وَاستمَاع الذِكر وَالمَوعظة وَفَرارهم عَنه بِحمر جَدت فِي نَفارها مِما أَفزعها، وَفِي تَشبيههم بِالحُمر مَذمة ظَاهرة، وَتَهجين لِحَالهم بَين كَما فِي قَوله: (كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً)، وَشَهادة عَليهم بِالبَله وَقِلة العَقل، وَلا تَرى مِثل نَفار حَمير الوَحش، وَاطرادها فِي العَدو إذا رَابها رَائب، وَلِذلك كَان أَكثر تَشبيهات العَرب فِي وَصف الإبل وَشدّة سَيرها بِالحمر، وَعَدوها إذا وَردت مَاء، فَأحست عَليه بِقَانص (صُحُفاً مُنَشَّرَةً) قَراطيس تَنشر، وَتَقرأ كَالكتب التي يَتكاتب بِها أَو كُتبا كُتبت فِي السمَاء وَنَزلت بِها المَلائكة سَاعة كُتبت مُنشرة عَلى أَيديها غَضة رَطبة لَم تطو بَعد”([23]).

ولو تأملنا الآية الأخيرة لوجدناها تجمع الحركتين الحسية من حيث الانصراف عن الذكر، وصوت الموعظة، والحركة المعنوية التي تصور خوفهم، وقلقهم من صوت القرآن الذي يقرع أسماعهم، وكلتا الحالتين بلاغة قرآنية، وأسلوب بياني، ونقل حيّ وخالد لكل من كان حاله كحالهم.

الخَاتِمة:

بَعد الانتِهاء مِنْ الدِرَاسة الحَرَكَة فِي سُورة المُدثِر تَوصّل البَحثُ نَتَائج مِنها:

  1. سُورَة المُدثر مِن السُور المَكيّة التي تَحملُ فِي طَياتِها الكَثير مِنْ الدِلالات العَمِيقة، وَالمُتنَوعة بِتَنوع ثَقَافَة المُجتمع السَائِد آنذَاك، وَقَد عُرِفُوا بِعِنَادِهم وَمُكَابَرتِهم عَلَى الحَق رغم وُضُوحِهِ.
  2. انتَشَرتْ الحَرَكَة بِنَوعَيها الحِسّي، وَالمَعنَوي بِحَسبِ مَا يَتَنَاسب مَعَ السِياق، وَالسِبَاق.
  3. ظَهرتْ الحَرَكة الحِسّية بِدَاية السُورة لِمُنَاسَبة مَقَام الدَعوة، وَالحَرَكَة النَبَوية فِي إنذَار النّاس، وَتَذكِيرهم بِأَهوالِ القِيامَة، وَوقُوع البَعث، وَالنُشور.
  4. جَاءتْ الحَرَكة المَعنَوية بِشَكل مُتواز يُوازِي السُورة وَمَوضُوعَاتها وَأَهمِيتها فِي التَأَثير النَفسي، وَالشُعوري لَدى المُتلقي
  5. اجتمَعتْ فِي بَعضِ آيات السُورة الكَريمة الحَركة الحِسّية، وَالمَعنوية لِتَخلق مَشاهد الصُورة الحيّة لَدى المُتلقي، وَتَجعلهُ فِي حَالة مِن الوَعي الكَبير، فَقربتْ كُل المَقاصد التي جَاءتْ بِها مِمّا يَجعلها مُؤثر فِي النّفس البَشرية، وَلَها أَثرها البَالغ عَلى المُخاطبين بِخِطَاب الوَحيين.

الهوامش:

[*] المؤلف المرسل م.م ضياء جمعة حمد الجامعة التقنية الشمالية / العراق.

[1] المعجم الوسيط: 357.

[2] المسرح والعلامات، ستون، ألين، جورج سافونا: 11.

[3] علم الدلالة، أحمد مختار: 11.

[4] الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي: 10/ 67.

[5] ينظر: الكشاف، الزمخشري: 4/644.

[6] المحرر الوجيز، ابن عطية الأندلسي المحاربي: 5/392.

[7] تفسير المراغي، مصطفى المراغي: 29/124.

[8] سورة المدثر، من الآية: 1-5.

[9] في ظلال القرآن، سيد قطب: 6/3752.

[10] سورة المدثر، الآية: 17.

[11] تفسير القرآن العظيم، الطبراني: 9/93.

[12] سورة المدثر، من الآية: 32-34.

[13] معالم التنزيل، البغوي: 5/178.

[14] المصدر السابق: 5/178.

[15] سورة المدثر، الآية: 37.

[16] تفسير القرآن، الماوردي: 3/389.

[17] سورة المدثر، من الآية: (49-51).

[18] التحرير والتنوير، ابن عاشور: 29/329.

[19] المصدر نفسه: 29/330.

[20] سورة المدثر، الآية: 45.

[21] التحرير والتنوير: 29/327.

[22] سورة المدثر، من الآية: (49-51).

[23] الكشاف: 5/656.

المصادر والمراجع:

  • الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن محمد، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، د ط، 2002 م.
  • الزمخشري، جار الله، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت 1986م
  • المحاربي، أبو محمد ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، دار الكتب العلمية – بيروت،2002م.
  • المراغي، أحمد بن مصطفى المراغي، تفسير المراغي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده، مصر، 1946 م.
  • سيد قطب، إبراهيم حسين، في ظلال القرآن، دار الشروق – بيروت- القاهرة، الطبعة الأولى، 1991.
  • الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد، تفسير القرآن العظيم المكتبة الشاملة المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة_ مصر، الطبعة الرابعة، 2008م.
  • ستون، ألين، جورج سافونا، المسرح والعلامات، تر: سباعي السيد، مطابع المجلس الأعلى للأثار القاهرة_ مصر، د ط، 1996.
  • أحمد مختار، عمر، علم الدلالة، مكتبة دار العروبة، الكويت، الطبعة الأولى، 1982.
  • الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، مكتبة العبيكان، الرياض_ السعودية، الطبعة الأولى، 1998.
  • البغوي، أبو محمد الحسين، معالم التنزيل في تفسير القرآن، محيي السنة، دار إحياء التراث العربي، بيروت_ لبنان، الطبعة: الأولى، 1999.
  • الماوردي، أبو محمد عزالدين، تفسير القرآن، دار ابن حزم، بيروت_ لبنان، الطبعة الأولى، 1996م.
  • التونسي، محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر – تونس، 1984 م.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.