حصريا

حوار مجلة الرّبيئة مع الدكتورة المجاهدة : زينب عبد العزيز حفظها الله

توطئة :

الحديث عن الهمم؛ حديثٌ يسري بين الأرواح؛ فتدركه القلوب فتنتفض مُتفزِّعةً قلقةً لا تهدأ حتى تأخذ منها نصيبا موفورا…
وبمثل الدكتورة المجاهدة زينب عبد العزيز فُضِّلت النساء على كثيرٍ من الرجال…
إن فجرها يتنفّس دَأَبَا عن مَتْحٍ للعلم شديد، وإن ليلها يرخي سدله عن همّةٍ متَّقدةٍ لاتعرف خُبُوًّا ولا سَكَنَا، كأن ليلها بنهارها موصول؛ إذا بزغت الشمس قامت شامخةً تحمل القلم كما يُحمل السيف، وإذا غربت طلع قمر الهمّة.. فهي أبدا يقظةً مُتحذِّرةً؛ كأنها تخشى شيئًا على هذه الأمة – من كيد النصارى خاصة- ، فسدَّت على الأمة ثغرًا عظيمًا، وكفتها شرًّا مستطيرَا ..وأيُّ قيامٍ كقيامها إذْ حرست أعظم بابٍ للأمة،وهو باب التوحيد …
دونكم الحوار مع فضيلتها، وقد أكرمتنا -أكرمها الله -؛ إذا تصدَّقت علينا ببعض وقتها؛ وهي عليه ضنينة، فجزاها الله عنا عن الامة خيرا وأطال الله بقاءها على طاعته واستعملها للذَّوْد عن حِمى التوحيد دائمًا وأبدا

أسئلة مجلة الربيئة

حاورها :

الأستاذ رابح نايل

الأستاذة زهرة هراوة

الأستاذ بن جدو بلخير

1 ـ ملخص لرحلتكم العلمية

أبدأ بتحديد أنني من مواليد الإسكندرية، في يناير 1935، لأن ذلك يضعني، بالنسبة للقارئ، في الإطار الزمني الذي نشأت فيه والشديد الاختلاف، عما نعيشه حاليا، في هذا الزمن الإنفلاتي في العديد من المجالات..

بدأت رحلتي العلمية بالورقة والقلم مع بدايات عامي الثاني، عند اكتشاف “الكبار” بالمنزل انني قد أصمتُ بالساعات طالما بين يداي ورقة وقلم.. اخط عشوائيا سعيدة فرحة بما يتشكل أمام عيناي، ثم بدأت الخطوط تأخذ أشكالا لها شيء من المعنى وفقا للتوجيهات التي كنت أتلقاها من أبي أو من أحد الذين يكبرونني ليتّقوا شقاوة طفلةٍ لا تهدأ إلا إن كانت بصحبة الورقة والقلم.. ثم أدخلوني حضانة الراهبات في الثالثة من العمر ليتواصل المشوار في خطين أساسين: خط القراءة والكتابة وكل ما يواكبها، وخط الرسم. وفي المدرسة كانت رسوماتي توضع في صبورة المتفوقين كل أسبوع.

وهنا لا بد من ذكر حادثة شكلت مشوار حياتي فعلا، وهي أنهم في مدرسة الراهبات كانوا يأخذوننا الى الكنيسة أسبوعيا، بغض الطرف عن اختلاف الديانة، حيث كنا ننبهر بالتماثيل واللوحات والورد والشموع والمسيح طفلا ونقف في الطابور لنقبّله في ورعٍ.. وكل أسبوع نحضر درسا في المسيحية ونحفظ بعض النصوص. وكانوا يوضحون لنا أننا نصلى بالفرنسية، لأننا نتعلم هذه اللغة، أما في المنزل فهم يصلون بالعربية لأنهم لا يعرفون الفرنسية.. وعندما نصلي؛ علينا ان ندخل غرفتنا، نغلق الباب، ونضع صور المسيح والعذراء أمامنا ونصلي. وعند سن الحادية عشرة كانوا يخيّروننا إن كنا نحب أن ندخل الدِّير لنظل في صحبة المسيح الى الأبد..

واختاروني للدِّير.. كان والدي قد توفي، وفي المساء، بينما كنت أصلي دخلت جدتي الغرفة وصُدمت بالمنظر، فصاحت واستدعت أخي الكبير ووالدتي وبدأت أقصُّ عليهم بالتفصيل ما كانوا يطلبون منا كتمانه.. وفي الصباح إصطحبني أخي الى المدرسة حيث قابلنا كبيرة الراهبات، وقصَّ عليها ما حدث وأصرَّ على سحب ملف أوراقي، وأدخلني في مدرسة الليسيه الفرنسية بالشاطبي. وبينما كنا نغادر مكتبها توقفت وقلت لها بغضب:

ـ أيتها الأم الرئيسة، يؤسفني قول: إنكم جميعا كذابين!

وانحفرت العبارة في الأعماق.. وتُمثِّل هذه الواقعة الحجر الأساس الذي دفعني الى دراسة وكشف هذا المجال القائم على الأكاذيب والغش والخداع والتحايل. لكن، كان على الشهادات أن تتوالى بترتيبها التقليدي من تلك المرحلة حتى مستوى الجامعة وما بعدها من ماجستير ودكتوراة وأبحاث علمية للحصول على درجة أستاذ مساعد ثم أستاذ. وذلك لكي يكون من حقي علميا أن أُكرِّس حياتي للدفاع عن الإسلام.

2 ـ كلمة موجزة عن الترجمة والخيانة؟

الترجمة أمانة. ومن لم يفهم ذلك من يقوم بالترجمة سيقع في أخطاء لا حصر ولها؛ بل وفادحة. وأهم ما يجب على المترجم غير إتقان اللغتين، مراعاة قواعد كل لغة واستثناءاتها، وخاصة: مراجعة مردود الترجمة ومعناه في نفس اللغة الأخرى المترجَم اليها.. فلو أخذنا عبارة “الله يتوب”، يفهمها المسلم فورا على أن الله يتوب علينا كبَشَر. ولو تمّت ترجمتها بالمقابل الحرفي لأصبحت “Allah se repent”ومعنى مردودها في اللغة الفرنسية المترجَم اليها أن: “الله يتوب عن خطئه هو”، مثلما كانت توجد في ترجمة السعودية قبل تعديلها..

لذلك لا بد من اختيار فعل آخر في اللغة التي نترجم اليها يوضح المعنى مثل: “Allah fait rémission”.

وكذلك لا بد من مراعاة مختلف معاني الكلمة العربية الواحدة في معجم “لسان العرب” لاختيار المعنى المناسب، فكثيرا ما نُفاجأ بمعانِ لم نتصوّر وجودها.

3 ـ ذكريات أيام ترجمتك للقرآن؟

استغرقت الترجمة ثمان سنوات، وذلك بواقع خمسة عشر ساعة يوميا.. ولو كتبت ذكريات هذه الأعوام لما كفاني عددا من أعداد “الربيئة“! لكنني أقول أولا: أن ما عاونني على إتمام ذلك بفضل الله، هو انني أعيش وحدي، ولا إلتزام لي لغير الله وعملي: فزوجي كان قد توفي، وإبنى الوحيد مهاجر، وكل أهلي في الإسكندرية، وأعيش وحدي في القاهرة منذ ان انتقلنا اليها سنة 1952.. إلا ان أهم ذكرى لا تنسى هي صدمتي في اختلاف الوعاء بين اللغتين. ورغم معرفتي لتلك التفاصيل إلا انني حتى بداية الترجمة كنت أتصور أن الفرنسية هي اللغة الراقية الحضارية الخ.. ثم صُدمت بما كنت اعرفه، لكنه لم يشغل بالي، وهو أنها تفتقر الى كثيرٍ من المفردات الأساسية، فلا تعرف المثنى، ولا فعل الأمر له، ولا مؤنث العديد من الوظائف، وقد بدأوا اشتقاقها في السنوات القليلة الماضية. بل هناك قواميس ظهرت وتُظهر للاشتقاقات الحديثة.

وهو الأمر الذي اضطرني آنداك للاشتقاق، لكي أترجم البسملة بالدقة والوضوح التي هي عليه باللغة العربية. فلجأت الى جريڤيس، عالم الاشتقاق، وراعيت الخطوات لأشتق كلمة “الرحمن”. فالبسملة تقول:

“بسم الله الرحمن الرحيم”، من جذر “ر ح م”، والأولى فاعل والثانية صفة، وترجمتها:

“Au nom d’Allah le Miséricordeur, le Miséricordieux”

وكنت أقوم آنذاك بالإشراف المشترك على رسالة دكتوراه في جنيف، فسافرت للقاء الأستاذ “أوليفييه ݒو”، وكان رئيس قسم اللغويات لأعرِض عليه ما قمت به. فقال لي: “ان ما قمت به سليم تماما، لكن لا تتوقعي ان تقوم الأكاديمية الفرنسية بتهنأتك أو شكرك” وحين تعجبت أضاف: “لأنك مصرية ومسلمة.. أتركيها تستقر في اللغة مثل كلمة “فدائيين” وغيرها”.. لكن بكل أسف ما من مسلم أقرّها أو أقدم على استخدامها لأنني لست فرنسية!

4 ـ الاسلاموفوبيا كيف نعمل على اسقاط هذا المصطلح؟

بألا نخجل أو نهاب من الدفاع عن ديننا.. بأن نكشف حقيقة موقف الغرب الصليبي المتعصب، فهو الذي ابتدعها وصاغها وموّلها وفرضها، مثلها مثل “داعش” وغيرها.. ونحن الذين نسير في ركابه ونقبل ما يأمرنا به أو يفرضه علينا..

5 ـ الإلحاد واسبابه العصرية

بدعة من بدع الغرب أيضا. فالإلحاد بدأ عندما انتشرت الأبحاث العلمية التي تثبت يقينا تحريف الرسالتين التوحيديتين السابقتين، اليهودية والمسيحية، فبدأ الأتباع يتباعدون حتى ألحدوا بسبب كل ما تكشف لا في صياغة النصوص وحدها، وانما في نفس الحقائق العقائدية وتناقضاتها، فكل ما يقومون به من تعديل أو تحريف في النصوص أو تغييرٍ ثابت في وثائقهم المجمعية.. والفضائح التي تكشّفت منذ عقود تحت البريق الساطع لمؤسسة الفاتيكان أكبر دليل على ذلك. فهي فضائح تضم الاختلاسات المالية وتجارة السلاح وتجارة الأعضاء والتعامل مع المافيا، إضافة الى الشذوذ الجنسي الذي تبيّن حديثا انه يوصم 80 % من رجال هذه المؤسسة من أصغر صغيرٍ فيها إلى أعلى قمتها.. ووفقا للجرائد الفرنسية: فإن أكثر من ألف مواطن فرنسي تقدم حاليا بطلب شطب اسمه من قوائم التعميد الكنسي بعد الفضائح التي تكشّفت أخيرا.

6 ـ قولكم حول القضية الفلسطينية وجدار العار الصهيوني

لست وحدي من بُحَّ صوته من تكرار أو إثبات أن الصهاينة لا حق تاريخي أو ديني لهم في أرض فلسطين، وما نشرته في كتاب “حائط البراق” شديد الوضوح وبالوثائق.. والعيب ليس فيهم، فالغرب الصهيوني يخطط ويفرض علينا بكل جبروت وصلف، ونحن نقبل وننفِّذ بكل تخاذل.. والسؤال هنا: لماذا نقبل؟ هل ثمن الكراسي، في أي مكان كانت، يستحق ان نقدّم له ما نقدمه من تنازلاتٍ خاصة الدينية منها ؟

7 ـ كلمتكم حول: الفن والدين والمخطط الصهيوني الفاتيكاني

الفن رسالة ووسيلة فكرية اجتماعية وثقافية من الوسائل التي يلجأ اليها الإنسان للتعبير وللمساهمة في البناء المجتمعي. وهو ما نطالعه منذ العصر الحجري وعلى مر العصور والحضارات. وتحريم الفن انتُزع من أصله في الوصية الثانية من الوصايا العشر، التي تحرم الفن للعبادة، وتم إلصاقه بالإسلام. وهو ما قرره مجمع نيقية الثاني المنعقد سنة 787 للبت في الخلاف السياسي الديني القائم آنذاك بسبب المخالفة للوصية الثانية.. وتمت اباحة استخدام الفن للتعبير عن الدين ورموزه ليكون “كإنجيل للأميين”.. فمن لا يجيد القراءة يفهم بالصور.. وبذلك تمكن الفاتيكان من ترسيخ الكثير من العقائد التي صاغها، وتخلّف الركب الفني للمسلمين باقتصاره على الزخارف، اللهم الا في بعض العصور أو البلدان.

8 – هل الحروب الصليبية لا تزال مستمرة، وهل تغيّر شكلها ووسيلتها؟

من يرى غير استمراريتها فعلا منذ بدأ الإسلام ينتشر، وحتى يومنا هذا، فنظرته غير شاملة لكل الأحداث ولا للربط بينها.. إذ نطالع من عنوان كتاب يوحنا الدمشقي الصادر في القرن الثامن الميلادي، وعنوانه الرئيسي: “نبع المعرفة” والفرعي: “101 هرطقة تعترض طريق المسيحية“.. والهرطقة تعني كل ما هو مخالف للعقيدة. وكانت الهرطقة رقم 101 تتناول الإسلام.. أي أنهم كانوا ينظرون الى الإسلام على انه هرطقة من ضمن الهرطقات المسيحية التي تعتري طريق تشكيلها وصياغاتها وفقا للأهواء والظروف السياسية وغيرها، من قبيل موقف الأسقف أريوس، المعارض تماما لفرية تأليه السيد المسيح. وعندما تبين لهم ان الإسلام ليس مجرد “هرطقة” من الهرطقات وأنه يمثل اختلافات جذرية قائمة على التوحيد المطلق لله، قرروا محاربته واقتلاعه مثلما فعلوا بشعوب الكاثار والبوجوميل والڤودوا وكثير غيرهم الذين كانوا يرفضون التثليث.. أما عن الأشكال والوسائل فهي بلا شك تتغير وفقا لتقدم التقنيات والوسائل، لكن الهدف واحد لم يتغير يقينا..

9 ـ هل انتهت الحملة الصليبية التي أعلنتها أمريكا بوش بعد أحداث ١١ سبتمبر ام لا تزال مستمرة في شكل آخر جديد؟

تعديل السؤال واجب: فقد “استعرت” الحرب فعلا وعمليا على الإسلام بالحملة المفتعلة والمصنّعة محليا التي ابتدعتها أمريكا بوش بأحداث 11 سبتمبر، ليتلفعوا بشرعية دولية لاقتلاع الإسلام.. وما أكثر الأمناء في الغرب الذين تناولوا هذه الجزئية لإثبات أنها صناعة محلية.. ويمكن متابعة ذلك بالمواقع المتعددة والواردة تحت عنوان (Reopen 9/11).. ولن أكفَّ عن ترديد: الى أي مدى نحن مقصّرون في البحث وفي متابعة الأحدث والربط بينها، وخاصة في تصورنا المغرض بان ذلك الغرب الصليبي المتعصب “كائن” جدير بالاحترام.. وذلك أحد نتائج الاستعمار التي روّضوا شعوبنا وحكامنا عليها.. فما يدور حاليا هو بكل تأكيد، وخاصة ما يعدّه الفاتيكان بالتعاون والتضامن مع العصابة السياسة والاقتصادية المحركة لخيوط اللعبة، هو محاولة لافتعال ما يؤدى الى ضربة يريدونها قاضية على الإسلام..

 10 ـ هل يدخل التهجم على التراث في المخطط الصهيوني الفاتيكاني في شكل الاستشراق ونقد التراث؟

لا شك في هذا على الإطلاق. فالتهجم على التراث، والتراث المعني هنا هو التراث الإسلامي، فهو يدخل يقينا في المخطط الصهيوني الفاتيكاني في جزئية الاستشراق، بما ان التراث الإسلامي هو جزء لا يتجزأ من الإسلام. ولا أبالغ ان قلت ان الأغلبية العظمى لأعمال المستشرقين عن الإسلام هي أعمال مغرضة مقصودٌ منها النيل من ذلك العمل الذي يتناولونه. وأوضح مثال على ذلك الترجمة التي قام بها “جاك بيرك” لمعاني القرآن الكريم. ويا لهول الترحيب والتفخيم الذي قوبلت به من العديد من البلدان الإسلامية وخاصة في الجزائر بكل أسف.. ولا أقول لو قرأوها كما فعلت، أو على الأقل لو قرأوا المقدمة المكونة من 82 صفحة، والتي وضعها بعد الترجمة لؤما وخبثا، وحين سأله البعض لماذا وضعها في نهاية الترجمة قال: “احتراما للقرآن”..

فلو كان يحترم القرآن لما قام بالتشكيك في تنزيله وترتيبه ، أو تأكيد ان القرآن تأثر بالفكر اليوناني القديم وبمزامير داوود وأن به خط أسطوري ميثولوجي لفلسفة  كوارثية النزعة للتاريخ، وأن صورة الله بشعة كما هي واردة في القرآن، ولما اتهم الشريعة بالتناقض، ولما اتهم القرآن بتحريف اليهودية والمسيحية، ولما طالب في نفس هذه المقدمة بحذف العديد من الآيات التي لم تعد تتماشى مع العصر، ولما قال إن القرآن تم تنزيله لزمن محدد فقط، وأنه لا يتضمن تشريعا وما به من آيات تشريعية “نقلها محمد من چوستنيان”، وان أبو بكر قال عن القرآن: “ان لكل كتاب أجل”، أي ان للقرآن أجل.. ويا لها من فرية مزدوجة..

ولو أشرت فقط الى مطالبته بحذف العديد من الآيات، لأدركنا كيف تتواصل المحاولات في شتي المجالات للنيل من الإسلام والمسلمين، فما يدور حاليا في لعبة الحوار بين الأديان هي المطالبة بحذف الآيات التي تتهم اليهودية والمسيحية بالتحريف، وهو الأمر الثابت فعلا في نصوصهم..

11 ـ كيف ترين الأرضية التي يجب أن يقوم عليها الحوار بين الاديان؟

إن كنا أمناء لما قبلنا أساسا الدخول في لعبة الحوار بين الأديان، لأن النص الرسمي الصادر عن مجمع الفاتيكان الثاني الذي فرض هذا القرار يقول “ان الحوار بين الأديان يتم لكسب الوقت الى ان تتم عملية التنصير، وان المسلمين مأمورون بالدخول في المسيحية، وانه لا خلاص إلا بالمسيح، وان المسيح هو الله وأنه هو الإله الوحيد غير المزيف”.. لكننا بكل أسف لا نقرأ ولا نحاول فهم مواقف المعادين للإسلام أو قراراتهم، فكل هذه النصوص مطبوعة ومنشورة ومترجمة الى عدة لغات..

وان قبلنا جدلا الدخول في مثل هذه المحاولات الهادمة للإسلام، فعلى الأقل ان يتسلّح من يقومون بها بنصوص الفاتيكان ونصوص من كشفوا خباياه أولا، ويتمسكون بقول القرآن، المنزل من عند الله، وبكل ما يفضحهم به من إثباتات ثابتة في نصوصهم وفي أعمال من فضحوها ويفضحونها من أبنائهم، والعديد منهم كنسيين.

12 ـ كيف نوازن بين التهويل والتهوين في نظرتنا للمخططات الصهيونية الصليبية (او نظرية المؤامرة)؟

المعنى واحد انفلاتا وضياعا، بين التهويل والتهوين، من حيث عدم الانضباط في فهم حقيقة الموقف من المخططات الصهيونية الصليبية أو من نظرية المؤامرة القائمة فعلا، وإمكانية الرد عليها. فكلا الموقفين يضران بفهمنا لحقيقة القضية. ومن أهم ما لاحظته عامة، انه عادة ما ينقصنا في تناول مثل هذه الموضوعات خاصة، هو عدم ربطنا بين مفردات الأحداث في إطار عام لمجرياتها، خاصة وأنهم قوم لا يعنيهم الزمن، وإنما مواصلة تنفيذ المخطط حتى الوصول الى الهدف. بل لا يعنيهم من يقوم بتنفيذ مخططهم، فقد تتغير الأشخاص لأي سبب من الأسباب لكن المخطط قائم ثابت لا يتغير.. وهذا فرق أساسي في الموقف برمته، أو بينهم كمعتدين وبيننا كمتخاذلين أو مقصّرين.

فلو اخذنا مثلا ما قرره مجمع الفاتيكان الثاني (1965) بالنسبة للإسلام، لقد كانت خطة متكاملة: قرار “تنصير العالم حتى تبدأ الألفية الثالثة والعالم كله متنصِّر”، وقد تضمن: توحيد الكنائس المنشقة عقائديا وعددها 349 لتكوين جبهة واحدة ؛ إنشاء لجنة للحوار بين الأديان لاقتلاع الإسلام خطوة خطوة، فالحوار في نصوص الفاتيكان يعني كسب الوقت الى أن تتم عملية التنصير ؛ انشاء لجنة لتنصير الشعوب، واللجنتان خاضعتان لبابا الفاتيكان شخصيا ؛ تبرأة اليهود من دم المسيح لتكوين جبهة مشتركة، فالفاتيكان أكبر داعم للوجود الصهيوني واقتلاعه أرضَ فلسطين من أصحابها، بل الجميع يعلم أنه لا حق ديني أو تاريخي لهم في هذه الأرض. فما الذي حدث؟

بدأ الموضوع شكلا على استحياء، ثم قام البابا يوحنا بولس الثاني سنة 1982 بإعلان ضرورة تنصير العالم. وفي سنة 2006، عقب الخطاب الشهير للبابا بنديكت 16، والذي اتهم فيه الإسلام والرسول صلوات الله عليه بأنه لم يأت إلا بالإرهاب وبكل ما هو إرهابي. ثم، لكي يحاصر رد فعل المسلمين في العالم استصدروا منهم وثيقة يقرّون فيها بأننا نعبد نفس الإله.. وثيقة أكثر من مزرية، وقع عليها 138 من كبار علماء الإسلام في العالم!! وحينما بدأت الألفية الثالثة ولم يتم اقتلاع الإسلام، أسند مجلس الكنائس العالمي في يناير 2001 هذه المهمة للولايات المتحدة، بعد أن أصبحت هي الوحيدة المتحكمة في العالم باقتلاع الإتحاد السوفييتي. وبدأت مسرحية 11 سبتمبر، وأعلن بوش الابن أنها ستكون حربا صليبية ممتدة حتى اقتلاع الشر، الذي هو الإسلام.!

 13 ـ ما هي خفايا زيارة بابا الفاتيكان للإمارات وهل تتوقعون زيارة مثلها لأرض الحرمين وكيف تفسرون هذا التقارب والتطبيع الحثيث الذي يحدث في أرض الجزيرة العربية؟

أوضحت ذلك تماما في مقال “زيارة بومبيو” وخاصة في مقال “زيارة بابا الفاتيكان للإمارات”، فاللجان تتواصل بالفعل منذ فترة وبات الكلام يعلن بكل استهتار وخاصة بكل استفزاز، فحين يتنازل صاحب الحق عن حقه بمثل هذا الاستهتار فالنتيجة حتمية.. فنحن الذين تنازلنا ونحن الذين قبلنا بيع بلداننا وبيع ديننا بصورة لا يقبلها عاقل.. فالتنازل لا يقابله إلا عبارة: هل من مزيد ؟؟

14 ـ هل سيكون هناك غزو كنائسي يعني بناء كنائس في دول الاسلام؟

الغزو قد بدأ فعلا ويتواصل بالتحايل والمراوغة قديما وبمختلف أنواع الألاعيب والمساومات المغرضة حديثا.. ويكفي ذكر على سبيل المثال أنه، في الآونة الأخيرة، قد تم بناء حوالي خمسة آلاف كنيسة بدون ترخيص في جمهورية مصر العربية، وجاري تقنينها حاليا.. وقد أعلن الفاتيكان أنه قد تم تقنين أكثر من سبعمائة كنيسة.. إضافة الى ما يدور في مختلف بلدان دول الإسلام.. وما مسجد الشيخ زايد الذي تحول اسمه الى مسجد “مريم ام عيسى” إلا نموذجا آخرا.. فالحوض الصغير المصنوع من الرخام الأخضر الذي يوجد بداخل المسجد لا يوضع إلا في الكنائس، وهو يمتلئ بالمياه المباركة لكي يضع فيها الأتباع اصبعهم لرسم علامة الصليب على صدورهم.. وهو ما يؤكد التحويل المقبل للمسجد الى كنيسة.. إضافة الى شبه خلوِّه من الآيات القرآنية؛ اللهم إلا من الحائط خلف المنبر، وعليه أسماء الله الحسنى، وإفريز أو اثنين داخل إحدى القباب وخلو المسجد تماما من الزخارف الإسلامية المعروفة..

15 ـ العوائق التي واجهتكم ؟

العوائق التي صادفتني من بعض علماء المسلمين والمسلمات أكبر مما صادفني من عملية الترجمة، وذكرى الموتى تستوجب الصمت..!!

16 ـ هل طبعت ترجمتكم للقرآن؟

طبعتها أولا “جمعية الدعوة الإسلامية العالمية” بالجماهيرية الليبية سنة 2001، وذلك بناء على توصية من توصيات مؤتمر: “ترجمات معاني القرآن الكريم” المنعقد في جمعية الدعوة الإسلامية بالاشتراك مع اليونسكو والإيسيكو، بأن تتولى جمعية الدعوة طباعة ترجمتي. وكان عنوان بحثي: “المستشرقون وترجمات القرآن الكريم“. ثم طبعته “جمعية تبليغ الإسلام” بالإسكندرية سنة 2009، و2010، و2019. كما طبعته “مؤسسة الإدريسي الفكرية للأبحاث والدراسات” سنة 2013.

17 ـ مؤلفاتٌ لكم لم تُطبع ؟

ثلاثة كتب بالعربية هي: “تاريخ التسامح في الغرب” ؛ “الفاتيكان خلفيات وأهداف” ؛  “الغيب في القرآن”

*18 ـ نجد لكم اهتمام بالفن والرسم بصفة خاصة فنجد لكم و لوحات فنية بارزة وقد ظهر فن البورتريه في رسوماتك وابتكارك لتقنية الرسم الشبحي وقد ركزت على المناطق المصرية النائية كالنوبة وأسوان وغيرها… فما سبب تركيزك على تلك المناطق؟

الدفاع عن الفن الأصيل هو الخط الآخر الذي أتولى الدفاع عنه ضد الهجمة الشرسة التي فرضها الصهاينة على استحياء في بدايات القرن العشرين، ثم استعرت بشراسة بعد ذلك حتى فقد الكثير من الفنانين في العالم ملكة الرسم بل وابجديته.. وقد افردت لهذه التيارات كتاب “لعبة الفن الحديث، بين الصهيونية الماسونية وأمريكا“. وقد اعتبره النقاد عند صدوره في التسعينات “أهم كتاب ظهر في المكتبة العربية في الخمسين سنة الماضية”.!

البورتريه تعبير واستكشاف لأعماق الإنسان.. انها أنماط من البشر.. يمثلون الإنسان المعاصر بكل ما يحمله من آلام ومعاناة مختلفة الأبعاد وأحلام أو تطلعات.. وابتكاري لأسلوب او لتقنية “الفن الشبحي” كان عند اختياري موضوع “عمال التراحيل” لعمال مُعرَض عنهم، عن تلك المجموعة من البشر المجردة تقريبا من كل شيء الا المقطف والفأس.. أما تركيزي في بعض المعارض على موضوع النوبة وأسوان فكان لحصولي على منحة تفرغ، لمدة عامين، من وزارة الثقافة واخترت النوبة تحديدا لتناول مأساة وأحلام النوبيين أيام التهجير لبناء السد العالي.. مثلما اخترت سيناء وعبرت عن جمالها ومآسي سكانها في خمسة معارض، مع التغني بتلك المسحة الروحية التي تتميز بها بعض الجبال والمناطق.. وجميعها دعوة للاهتمام بالإنسان وجمال الطبيعة.

*20 ـ يعتبر أسلوبك القصصي مميز لما له من طابع خاص لك ان تتحدثي عنها

والقصص أيضا هي لقطات من الحياة، من حياة البشر بمختلف مستوياتهم الفكرية والاجتماعية والوجدانية في معترك الحياة.. لمحات قد لا يلحظها من يعيشها، لكنها تمثل بالنسبة لي علامة على الطريق.. فلو اخذت مثلا قصة “سيد العبيط”، كانوا يطلقون عليه عبارة “حثالة بشرية”، شكلا وموضوعا، لكن كيف كان رده إنسانيا مؤثرا رهيف الحس؟

عموما في القصص كما في اللوحات لا أحب التكرار والتقوقع في أسلوب واحد وكأنه قالب من الإسمنت، او الانغلاق في حيّز واحد متكرر لنفس الأسلوب ونفس الفكرة افرضها على كل العمال.. اجاهد للتجرد تقنيا وعدم التكرار، لكيلا يتحول العمل ويصبح كأنه علامة مميزة لي، انني أهتم أساسا بجوهر الموضوع. وهو أكثر صعوبة في التعبير وفي المعالجة لكنه أقيم فنيا.

21 ـ ماهي مشاريعكم المستقبلية ؟

مشاريعي المستقبلية لا تتوقف ولله الحمد، طالما يكرمني المولى بوجودي في الدنيا.. وحين يستدعيني سبحانه وتعالى سأهرع فرحة ملبية لندائه، وأترك لكم كل ما أمكنني إنجازه… مع اعتذاري على التقصير.

22 ـ وصاياكم للمهتمين في البحث حول الاديان ؟

ألّا يخجلوا؛ وألّا يخافوا من الدفاع عن الدين، فالدين عند الله هو الإسلام. والرسالتين السابقتين ثابتٌ تحريفهما بأقلام أصحابها وليس بالقرآن فقط.. والمسلم لا يقترف جرما حين يدافع عن الإسلام. وأول ما يجب عمله، غير المتابعة المتواصلة للإصدارات الكنسية وخاصة الفاتيكانية، هو قراءة النصوص الأساسية للفاتيكان القديمة والحديثة، وخاصة نصوص المجامع، وأهمها بالنسبة لعصرنا مجمع الفاتيكان الثاني (1965) التي تُصاغ بناء عليه سياسات العالم منذ تاريخ انتهائه وحتى يومنا هذا.

23 ـ وصيتكم لعموم المسلمين وطلبة العلم؟

لقد بدأ القرآن الكريم بفعل أمر “إقرأ”، فما الذي يمكنني أن أضيفه بعد ربي سبحانه وتعالى ؟

علينا أن نقرأ والا نتوقف ابدا عن القراءة والاطلاع، فالعلم فرضٌ إلهيٌ على كل مسلم ومسلمة. كما يجب علينا الاهتمام بلغتنا أساسا، لغة القرآن الكريم، التي أصابها الكثير من التحلل والضياع محاكاةً للغرب، اهمالا أو استسهالا.. وكذلك الاهتمام بلغة واحدة أخرى على الأقل، من اللغات الأجنبية الأساسية، حتى يمكننا الاطلاع على الإنجازات التي تتوالى في العالم ومواكبتها. والا ننسى أو نغفل أبدا عن أننا أصحاب حق علينا الدفاع عنه.

 

حاورها :

الأستاذ رابح نايل

الأستاذة زهرة هراوة

الأستاذ بن جدو بلخير

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.