حصريا

حوار في التاريخ

2 195

ضيفنا لعدد العدد بمجلة الربيئة ضمن ركن (حوار في التاريخ وعن التاريخ) من ولاية صال وجال على أرضها شخصيتان عظيمتان في تاريخ الجزائر وهما الشيخ الشهيد العربي التبسي عضو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والمفكر العالمي مالك بن نبي هي باختصار ولاية تبسة أو تيفاست، هو باحث مقتدر في التاريخ الوسيط قبل أن يحجز لنفسه مكان ضمن تخصص التاريخ المعاصر.

ببلدة الشريعة ولاية تبسة ولد ضيفنا لهذا اليوم بتاريخ 01 جويلية 1956م عاش يتيما بعد استشهاد والده سي الطيب فكفله شقيقه الأكبر عبد المجيد.دخل الطفل الصغير المدرسة الابتدائية بقريته قبل أن ينتقل إلى مدينة سكيكدة سنة 1969م حاز منها على شهادة التعليم الابتدائي والتحق بالتعليم المتوسط، وفي سنة 1973م تضطره ظروف عمل شقيقه الأكبر الإطار بشركة سوناطراك للرحيل من سكيكدة إلى برج بوعريريج أين سجل في اكمالية عبد القادر بلعارف وحاز منها على شهادة التعليم المتوسط قبل أن ينتقل من جديد لولاية خنشلة ويتوج من ثانوية شيحاني البشير على شهادة البكالوريا شعبة آداب دورة جوان 1977م ليلتحق بقسم التاريخ بقسنطينة وحاز منه على شهادة الليسانس سنة 1980م. ليتحول إلى جامعة الجزائر لإكمال الدراسات العليا أين تحصل على شهادة الماجيستير في التاريخ الوسيط سنة 1987م، وشهادة الدكتوراه سنة 2003م في تخصص تاريخ المغرب والأندلس، أما مسيرته المهنية التي تمتد عبر 37 سنة فقد كانت كلها بجامعة الجزائر متنقلا بين قسم الترجمة بمعهد اللغات وكلية العلوم الإسلامية إلى غاية تقاعده مطلع 2018م.

له مسار حافل بالمنجزات العلمية بين مقالات – في شتى المجلات الوطنية والدولية – ومؤلفات جماعية وفردية باللغتين العربية والفرنسية في فنون شتى صدر بعض منها سنة 2014م ضمن أعماله غير الكاملة في حدود 13 مجلد تتنوع بين:

– التحقيق: (كتاب الولايات ومناصب الحكومة الإسلامية والخطط الشرعية للونشريسي)، (إقامة البراهين العظام على نفي التعصب الديني في الإسلام لمحمد بن مصطفى بن خوجة)، (مذكرات الأمير عبد الله آخر ملوك بني زيري بغرناطة 1077-1090م).

– التأليف: (النظرية السياسية عند المرادي وأثرها في المغرب والأندلس)، (الربط بالمغرب الإسلامي ودورها في عصري المرابطين والموحدين)، (الحياة الفكرية بالأندلس في عهد المرابطين)، (دولة المرابطين بالأندلس من مدينة السياسة إلى مدينة العلم)، (دراسات في تاريخ الغرب الإسلامي)، (نظرات في تاريخ الغرب الإسلامي)، (فصول في التاريخ والعمران بالغرب الإسلامي)، (المدخل لتاريخ صدر الإسلام)، (مختصر من سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم)، (المدخل إلى السياسة الشرعية)، (حركة الإخوان المسلمين وبداية المشروع الإسلامي في العصر الحديث)، (دراسات في الفكر الإسلامي المعاصر)، (قضايا ومواقف في الأدب والتاريخ)، (تعليم الجزائريين في العهد الاستعماري من خلال الوثائق الأرشيفية) باللغة الفرنسية.

كما صدر له مؤخرا خمسة مؤلفات بلبنان وهي: (الشيخ محمد بن عمر العدواني مؤرخ سوف والطريقة الشابية)، (فصول في تاريخ الجزائر المعاصر)، (الجزائر في باندونغ مذكرة الشاذلي المكي إلى المؤتمر)، (تاريخ حاضرة قسنطينة لأحمد بن المبارك بن العطار القسنطيني)، (تاريخ الجزائر المعاصر)، ولديه الآن عديد الأعمال تحت الطبع والانجاز بين مؤلفات وتحقيقات باللغتين العربية والفرنسية، وإذا كان طلبة وأساتذة التاريخ قد عرفوا ضيفنا اليوم من خلال مؤلفاته ومدرجات الجامعة فان عموم الشعب الجزائري تعرف عليه أكثر عبر الإعلام بمختلف أنواعه (السمعي، المكتوب، السمعي البصري)، وذلك من خلال الحصص التي أعدها وقدمها وشارك فيها منذ 1983م إلى يومنا هذا، وهو ما جعل البعض يصنفه ضمن أبرز الشخصيات الجزائرية المثيرة للجدل في بداية الألفية الثالثة … هو باختصار الدكتور محمد الأمين بلغيث الذي فتح صدره مشكورا للإجابة عن مختلف التساؤلات التي طرحت عن شخصه هنا وهناك.

——————————

س1-كسب محمد الأمين بلغيث شهرة واسعة بين عموم الجزائريين عبر وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي في ظرف قياسي خصوصا بين (2019-2021م)، ماهو سر هاته الشهرة، هل هي مرتبطة بالزاد المعرفي وفصاحة اللسان؟ أم للتوجه الإيديولوجي الذي يدغدغ به فئة من الجزائريين؟

ج/- من الصعب أن تكون صادقا مع نفسك في مثل هذه الخصوصيات، فشهرتي هذه يمكن الآن أن تسأل عنها الناس من مختلف الشرائح لأن حب الناس لا يٌشترى بالكلام المعسول، هذه السمعة وهذه الشهرة لا يمكن لعاقل أن يسديها لظروف طارئة أو محطة سياسية ثم أن الناس أو عامة الناس يعرفون العبد الضعيف من خلال الإذاعة الثقافية التي رفعت شأني طيلة عشر سنوات كاملة، فكنت أخاطبهم بلغة بسيطة، ويمكن أن تكون تحت عنوان [التاريخ الإذاعي] على شاكلة [التفسير الإذاعي] أي الدرس في التفسير أو الدرس في التاريخ، فغالبية الخلق تعرفوا علي كإعلامي، ثم ربطوا بين الصوت والصورة أثناء القنوات التلفزيونية داخل وخارج الوطن، تبقى قضية دغدغة الناس بمعسول الكلام فأعتقد بأنها لا تمر على المتلقي الجزائري الذكي، فقد تكذب على الناس مرة لكن لن تستطيع أن تكذب عليهم كل مرة، وتبقى هذه المسائل نسبية، لكن تأكد أنني أقول دوما: أن على المؤرخ أن يكون صادقا مع المتلقي.

وحتى تكون الصورة أوضح وتزول الأفكار المسبقة، فقد عرفني الجمهور تقريبا في الفترة الممتدة من نهاية الألفية الثانية مع برنامجا ثريا كان يقوم على إدارته الأستاذ عبد المجيد شيخي، ثم تطورت معرفة الجمهور بي من خلال البرنامج الذي كنت أشرف عليه شخصيا عبر قناة المستقلة اللندنية (تاريخ الأمير عبد القادر والمقاومة الشعبية)، وعلى نفس القناة كان لي برنامج آخر طويل حول العلامة عبد الحميد بن باديس، وكان المتحدث يتساجل مع شخصيات كبيرة أمثال: المؤرخ المغفور له بإذن الله عبد الكريم بوصفصاف، والدكتور عبد الرزاق قسوم، والمؤرخ المرحوم إبراهيم مياسي، والمرحوم الدكتور بشير مديني، وصاحب اللسان الصارم والأديب الأريب محمد الهادي الحسني، وخاتمتها مسك الكلام مع المبتلى خلدون الحسني أحد أحفاد الأمير عبد القادر، وكانت آخر محطة إعلامية لي طويلة هي الفرصة الذهبية التي أتاحتها لنا قناة البلاد من خلال برنامج [تاريخ مباشر] عبر ثلاث سنوات كاملة، وتأكد أن الناس يعرفون ويحسون ويقدرون ويميزون بين الديماغوجي من الصادق والمتمكن والمتميز.

——————————

س2- سبق وأن استقر محمد الأمين بلغيث بمدينة برج بوعريريج في مرحلة التعليم المتوسط، ماهي الذكريات التي لازال يحتفظ بها عن متوسطة عبد القادر بلعارف وعن ساكنة برج بوعريريج عموما؟

ج/- كنت أعيش بمدينة سكيكدة (مدينة طفولتي الجميلة) من شهر جويلية 1969م إلى غاية شهر أوت 1973م أين كلفني شقيقي الأكبر (عبد المجيد) بسحب مجموعة من الوثائق، ثم العودة إلى تبسة ومنها إلى مقرنا الجديد في مدينة برج بوعريريج التي عين فيها كاطار بشركة سوناطراك، وقد التحقنا ببرج بوعريريج في الأسبوع الأول من شهر سبتمبر 1973م، وكان شقيقي قد قام بإجراءات تسجيلي ضمن قسم السنة الرابعة من التعليم العام بمتوسطة عبد القادر بلعارف، وكانت محطتنا الأولى هو تأجير غرفة كبيرة لي ولأخي في الفندق الملكي [Hotel Royal] وسط المدينة، وخلال الأسبوع الأول من شهر رمضان الكريم غيرنا مقر اقامتنا إلى فندق آخر بوسط المدينة، وهناك كنت أتمتع بقراءة الصحف وتتبع أخبار حرب التحرير 10 أكتوبر 1973ممن خلال التلفزة ومذياع جارنا بالغرفة زميل شقيقي عبد المجيد، وشريكه في محطة سوناطراك الجديدة.

وأهم ما يميز منطقة البرج البرودة الشديدة شتاءً مما يتطلب أخذ الاحتياطات اللازمة خاصة في سكن واسع كالذي استأجرناه، فكنت أنا من يقوم بجلب الوقود [المازوت] الخاص بمدفئة البيت، مما شكل عبئا جديدا علي كما كان عليه حالي في يوميات سكيكدة الجميلة، وهي التزود بالماء الشروب من منطقة بعيدة في نهج بشير بوقادوم (حي الفيبور أيضا)، ولم أتمكن من التأقلم سريعا مع رفاقي وزملائي في قسمنا المعرب الوحيد بمتوسطة عبد القادر بلعارف، فقد أصبح هذا القادم من بعيد ينافسهم في المراتب الأولى، وأذكر أن نتائج الثلاثي الأول كانت كارثية، ونال معظم تلاميذ القسم إنذارا مما أحدث ضجة في القسم ما عدا قلة قليلة وعلى رأسهم العبد الضعيف رغم مستواي المتواضع في مادة الرياضيات مع الأستاذ عقون، وزميلي الفاضل بن كشيدة الذي كنت في غالب الأحيان أجلس إلى جانبه، وكان لي من الزملاء الذين أعرفهم شاب طويل جدا لقبه زروقي، وآخر نحيف جدا من عائلة المخرج الشهير لخضر حامينه، وأما من تلاميذ القسم الداخلي فلا أذكر سوى زميلا مهذبا من بلدة سيدي أمبارك، لا أذكر اسمه للأسف الشديد.

من تقاليد السيد بن سليمان مدير متوسطة عبد القادر بلعارف – الذي كان يسيرها كثكنة عسكرية، فهو رجل صارم كما قيل لي أنه رئيس فريق برج بوعريريج – أنه يمر على أقسام الامتحانات الخاصة بالسنة الرابعة من التعليم العام، فإذا وجد نقطة ضعيفة في سجل التلميذ فسوف يأخذ حقه من الضرب بحذائه العسكري، والوحيد الذي لم يلمسه المدير طوال سنة كاملة هو أنا نظرا لنتائجي المعقولة، ما عدا مادة الرياضيات التي لم أتجاوز فيها عند الأستاذ المذكور نقطة 6.75 من عشرين طوال العام، ولكن لحفظ التوازن كان الأستاذ عقون يدرسني إلى جانب الرياضيات مادة العلوم الطبيعية، فكانت من المفارقات أن يجد المدير علامة ممتازة في العلوم تصل إلى 17 من عشرين مقابل نقطة ضعيفة في الرياضيات عند نفس الأستاذ، فيقول لي بفرنسية راقية: السيد بلغيث إن أردت أن تنجح إلى السنة المقبلة فعليك أن تحسن مستواك في مادة الرياضيات، فكان المعلم يطأطأ رأسه، لأنه يعلم أنني أجد صعوبة في فهم مادته.

ومن الابتلاءات التي عرفتها في نهاية شهر أفريل من سنة 1974م هو إنهاء شقيقي عمله في مدينة البرج وغادر إلى مقر عمله الجديد بتبسة، فبقيت في مرقد بجانب مقر الدرك الوطني، أين أصبحت جارا لأطفالهم، مما جعلني أكسب رفقة في مدينة تعرف تصاعدا في حوادث العنف خاصة بالأحياء القصديرية، رغم أن المدينة حظيت قبيل 1973م بمشروع سكني كبير يسمى اليوم بحي الكوشة، وبحي المجاهد القريب من منزلنا كان يقطن معلمي المحبوب محمد دربال، هذا الرجل الأديب الحنون الذي كنت أرمقه يحتسي قهوة في الكافيتيريا المقابلة لمسكننا بطريق الجزائر، وكان إضافة إلى لغته العربية الراقية، يحسن توجيه التلاميذ نحو المعالي. أشهد أن الرجل في بداية السنة قد استشرف لي مستقبلا زاهرا في العلم والتعليم، وأشهد أن المؤسسة قد كرمتنا بجوائز قيّمة في نهاية السنة، وأخذت جائزة العلوم الطبيعية، والرياضة البدنية وجائزة التربية الإسلامية، كما كنت من صفوة التلاميذ الناجحين إلى الثانوية، وتركت لنا فرصة اللقاء بالأساتذة قبل إمضاء مدير المؤسسة اختيار شعبة التخصص، وبحكم نقطة الرياضيات الضعيفة، قال لهم الأستاذ محمد دربال سي بلغيث يملك مستقبلا واعدا في الآداب، وكانت نقاط اللغات الأجنبية مع الأستاذ عاشور مهني متوازنة، فقلت لهم سجلوا ما اختار لي الأستاذ دربال.

وكنت أجلس إلى جانب الطالب بن كشيدة المتفوق تقريبا في جميع المواد ما عدا العلوم والتربية الرياضية، وهو الآخر قدم لي نفس نصيحة أستاذ اللغة والنشاط الفني والتربية، وكنت أعتمد على نفسي وأنا يافع في مطالعة دروسي بالمركز الثقافي (عائشة حداد) الذي أفتتح أبوابه حديثا، كما أراجع دروسي مع زميلي حامينه في بيته بحي الفيبور، وفي أحيان أخرى ينظم إلينا التلميذ زروقي، وشاب آخر لقبه بورنان، وقد كانت محطة مدينة برج بوعريريج إلزامية لي في مساري بعد أن أصبحت في ذمة شقيقي عبد المجيد، وأذكر أن عيد الفطر المبارك الذي يصادف تقريبا يوم 27 أكتوبر 1973م الموافق لفاتح شوال 1393هـ وهو يوم السبت، أتذكر أن أخي سافر برفقة أولاده بقسنطينة عند أصهاره وأنا سافرت إلى بيت خالي الصالح رحمه الله ببوزريعة بالجزائر العاصمة لقضاء عطلة عيد الفطر مع الأهل، لأن المسافة من برج بوعريريج إلى العاصمة أقرب من بيتنا في تبسة حيث الوالدة رحمها الله.

وآخر محطة أختم بها ذكرياتي في البرج لما تسربت أسئلة مادة الرياضيات فَأٌعيد الامتحان في كامل المؤسسات التعليمية ببرج بوعريريج في شهر سبتمبر 1974م من نفس السنة، وكنت ضمن أول قسم معرب بمتوسطة عبد القادر بالعارف، ولن أنسى الأساتذة الذين درسوني خاصة الأستاذ محمد دربال (مدرس مادتي التاريخ والجغرافيا والأدب العربي)، والأستاذ عاشور مهني (مدرس مادتي اللغة الفرنسية والإنجليزية)، فلهما شكري وامتناني ان كانا على قيد الحياة، والرحمة والمغفرة ان غادرا الحياة.

——————————

س3- بعد مشوار طويل بالجامعة الجزائرية هل يفكر محمد الأمين بلغيث في خوض تجربة مهنية جديدة بالخليج مثلا؟ وهل هذا الخيار سيكون مرتبطا بالجانب المادي أم لتحديات شخصية أخرى؟

ج/- ليس هناك من جيلي ممن لا يفكر في تجربة قدراته العلمية والبيداغوجية خارج وطنه لمجموعة من الاعتبارات:الأولى تحسين وضعه المادي، فدول الخليج مثلا تنفق على أصحاب الرتب العليا بالجامعة أربعة أو خمسة أضعاف راتب وزير في دولنا التي لا تحترم تقدير وظيفة المعلم والجامعي بصفة عامة. لكن ليس كل هذا ما كان يدفعني بل البحث عن محطة أستطيع من خلالها استكمال مشروعي العلمي، لهذا كان اختياري الأول هو التعاقد مع مؤسسة جامعية أوروبية هي جامعة ليدن الهولندية الشهيرة، ويفترض لو وجدت مساعدة من الوزارة لكنت الآن مدرسا لمادة جديدة عندهم هي (فجر الفتوحات الإسلامية من خلال ورق البردي)، خاصة بعد معاينة وتجربة معهم على حسن قراءة الخطوط القديمة والمخطوطات غير المعجمة، لكن قدر الله أبقى وأعلى من أمنيات البشر. أما دول الخليج فقد جربت حظي مع جامعة طيبة (المملكة العربية السعودية) وتلقيت قبولا أوليا لأن أمنيتي أولا وأخيرا أن أجاور المدينة المنورة لشوقي إلى هذه الديار، ومدرسا لتخصصي الدقيق. لكن قدر الله وما شاء فعل، ويبقى عامل السن حاضرا في رفض أو قبول المترشح غير الخليجي قائما، وهناك ما لا يحتاج إلى شرح، من عوامل أخرى تقف عقبة في مواجهة عدم التحاقي بجامعة أوروبية أو عربية خاصة بعد الابتلاء الذي أصاب الإنسانية جمعاء من خلال وباء كوفيد 19، ويبقى تعاملي مع المؤسسات الجامعية العربية والأوروبية قائمة إلى اليوم من خلال نشر أعمالي، فأنا في تفاوض متقدم مع دار نشر خليجية واسعة الانتشار لطبع أعمالي الكاملة [حوالي 23 مجلدا باللغة العربية والفرنسية والإسبانية]، كما أنا بصدد دفع مشاريعي الأخرى التي كلفتني بها المطبوعات الجامعية الأوروبية لسنوات 2022/2023م بإذن الله.

——————————

س4- بالعودة للشهرة التي تطرقنا لها سابقا، وعلاقاته المتشعبة بالنخب السياسية الحاكمة بالبلد يعتقد بعض الجزائريين بأن محمد الأمين بلغيث يقيم حاليا في منزل فخم بإقامة الدولة، وله ممتلكات كبيرة داخل وخارج الجزائر؟

ج/- أنا لا أملك من حطام الدنيا إلا شقة تحصلت عليها من مهنتي كأستاذ جامعي بعد سبع سنوات عجاف من العمل في حي شعبي، وسيارة كسبتها من عرق جبيني بالكاد تعينني على شقاء الدنيا، أولادي كلهم درسوا بالجزائر وتوظفوا بمؤسسات حكومية دون واسطة مني، ولا أملك إلا وجه الله عز وجل، وسأذهب إليه وأن مطمئن البال ونظيف اليد، ولم أستخدم شهرتي بتاتا في التقرب من أي كان، ولعلمك وعلم قراء حواراتك المحترمين أنني في معركة يومية مع سيدة البيت فأنا لا أملك إلا مكتبتي التي أوقفت معظم كتبها النفيسة على مكتبة جامعة الجزائر المركزية ومؤسسات أخرى في مدن أدين لله من خلالها بما أنا فيه من خير وراحة بال ومنها جامعة برج بوعريريج، وأعظم ما أحس به من ابتلاء في هذا المسكن أنك لا تستطيع أن تحافظ على مكتبتك التي دفعت فيها النفس والنفيس، فعمر مكتبتي يزيد عن خمسين سنة، لكن ليس لك من الأمر إلا أن تطبق قاعدة راقية من حكمة النبوة [ما زاد عنك فهو لغيرك]، أما علاقتي بالنخب السياسية فهي شبه معدومة، فأنا لا صلة لي بأهل السياسة والرئاسة، وحتى تكون في الصورة أنا دوما أجعل بيني وبين هؤلاء مسافة كبيرة تحفظ لي ماء وجهي، وأنا شديد النقد للسلطة السياسية العليا، ومقالاتي وكتبي تشهد لي بذلك.

——————————

س5- يعتبر البعض بأن محمد الأمين بلغيث استغل حضوره المكثف عبر وسائل الإعلام في توظيف التاريخ لتوجهات سياسية وايديولوجية معينة بل وصل الأمر لعداء منطقة جغرافية كاملة من التراب الجزائري؟

ج/- أنا لا أوظف التاريخ لتوجهات إيديولوجية، والناس لهم فهومهم يستطيعون أن يقولوا ما بلغت درجات معرفتهم، ولكن هل قام صاحب هذا الفهم بسبر للرأي حتى تكون هذه الأحكام المسبقة؟، وأنت الحاذق الأمين، ثم هذه الجهة التي تتحدث عنها أنا لا أخفي أنني أعتبرها منطقة عزيزة على كل جزائري، وهو ما أردده في كل خرجاتي، لكن عليك وعلى قراء حواراتك أن يعلموا بأنني لا أتحدث من فراغ أو تحيز، أو عنصرية عرقية فنحن شركاء في هذا الوطن، والوطن يسعنا جميعا، وهو ما أدندن عليه منذ فترة طويلة دون أن أنتظر شكرا أو شتما ممن كان.

لكن الذي أنبه عليه أمتي أن هذه المنطقة مختطفة من تيار راديكالي يسعى إلى خراب الوطن، وهي نتيجة لنجاح المشروع الفرنسي الذي بدأ بعد نجاح الاستعمار في قهر المقاومة بالمنطقة منذ1857م، فعملت على سلخها من مجموع مكونات الجزائر الجغرافية والاجتماعية، وتستطيع أن تقرأ ما نشرت بعد سنوات طويلة من خلال العمل الأرشيفي [تعليم الجزائريين في عهد فرنسا الاستعمارية من خلال الوثائق الأرشيفية] المطبوع بالجزائر سنة 2014م وبألمانيا في فبراير 2018م، وكيف سعت المخابر الفرنسية وسياسة فرنسا التعليمية والتعليم التبشيري تحديدا على تزوير التاريخ، وهو ما تسعى إليه الآن أيضا دوائر مشبوهة في فرنسا وإسرائيل من خلال مراكز البحث ومنصات الإطلاق غير البريئة لتمزيق ما جمعته يد الله سبحانه وتعالى كما تحدث ذات يوم إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس.

——————————

س6- بقدر ما ساهمت فترة (2019-2021م) في بروز شخصية محمد الأمين بلغيث على الساحة الجزائرية بقدر ما جلبت له عديد المتاعب. إلى أي مدى وصلت تلك المشاكل؟

ج/- كل ذي نعمة محسود أخي الفاضل، لكن الذي أعلم أن الذي يحمل هما ورسالة سيقف دوما في صف الحق والعدل والإنصاف مهما كانت الظروف، وأنت سيد العارفين [تولد الصدف الغالية في الأمواج العاتية]، فأنا لا أعادي أحدا لكن أقف في وجه كل من يتخندق مع فرنسا التي أسميها منذ أكثر من ثلاثين سنة [فرنسا عدو الماضي، والحاضر والمستقبل].

————————

س7- ألا يعتقد محمد الأمين بلغيث بأن خروجه بالنص والسياق التاريخي من مدرجات الجامعة إلى الشارع (بطريقة انتقائية) جعلت منه يبتعد تدريجيا عن الطلبة والباحثين بشعبة التاريخ (مكانه الأصلي)، ويقترب أكثر من فئات أخرى خارج قاعات أقسام التاريخ.

ج/- سأحكي لك حكاية تلخص لك هذا السؤال، فقد شاركت في ندوة تكريم المفكر عبد الوهاب المسيري عام 2007م، وطلب مني شخصيا أن أرد على باحث جزائري قام بتقديم مقاربة بين مالك بن نبي وعبد الوهاب المسيري، ووعدت الباحث ألا أتدخل أبدا احتراما لمقاربته. لكن المسيري أصرّ علي أن أتدخل تعقيبا على هذا الباحث، فقلت ما ملخصه أن كل أصحاب المشاريع المشهورين [الفاروقي، المسيري، عبد المجيد النجار، وغيرهم عالة على مشروع مالك بن نبي]، فصافحني وقال صدقت، وبيت القصيد أن أحد الباحثين المقيمين في بريطانيا قال للمسيري وهو يستمع إلى مداخلتي: يا دكتور لقد كسبت ندوتنا مؤرخا كبيرا، فرد عليه المسيري لا بل قل كسبنا مناضلا فذا، ولا أزكي نفسي على الله.

أقول أن المؤرخ الذي لا يقف مع أمته في ساعات العسر أي الذي لا يمكن أن يكون مثقفا رساليا يقف إلى جانب الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلا فهذا لن ينقص من عمله الأكاديمي والعلمي والتربوي، وسأنقل لك شهادة شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القسم سعد الله موضحة لهذا الأمر إذا سمحت صفحتكم، فقد جاء في رسالة من شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله منبها وموضحا رسالة ممن هم في حالتي: (فقد سعدت بالرسالة التي حملها إليّ الابن البارّ، وسعدت بما جاء فيها من أخبار شخصية وعلمية، وكان سروري عظيمًا عندما اكتشفت أنك تشد طريق البحث والتنقيب في الأرشيفات والوثائق الوطنية والأجنبية، فبلادنا في حاجة ماسة إلى أمثالك من الذين يعلمون ويبحثون ويوصلون المعرفة إلى الجيل، بل الأجيال الصاعدة التي تتلاعب بها الزعانف الذين لا ذمّة لهم ولا عهد)، ويمكن أن تراجع رسائل أبو القاسم سعد الله وشهادتي حوله بعد وفاته رحمه الله من خلال الكتاب الذهبي المهدى له أو رحيل شيخ المؤرخين باٌقلام أحبابه كلها محذرة ومنبهة للابتعاد عن وظيفة شاعر السلطان ومؤرخ البلاط، وأحسب نفسي لست منهم منذ أن تعلمت الحق والعدل والخير على يد شيوخ من طراز عال، والرائد لا يخون قومه كما قال الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم أو كما قال.

وقد قضيت بالجامعة أكثر من سبع وثلاثين سنة وأشرفت وناقشت على أكثر من 100 رسالة وأطروحة دكتوراه، وطلابي يتوزعون على عديد الجامعات، فما آن للمحارب أن يتولى تنظيم بيته.

——————————

س8- يمتلك محمد الأمين بلغيث حسابا على الفايسبوك بصورة واسم مستعارين يضمن له الاطلاع على ما ينشره الجميع، وفي المقابل لا يتيح لغيره الاطلاع على ما ينشره هو في صفحته، فهل هي نقص جرأة منه في الرد على المعلقين على منشوراته أم هناك أسباب أخرى؟

ج/- أملك حسابا شكليا لفتح بعض الملفات التي ترسل إلي من الأصدقاء المقربين، كنت أملك حسابا باسمي لمدة قصيرة جعلته خزانا لأرشيفي فنالني منه عنتا كبيرا وأنا من جيل الأبيض والأسود أي جيل القرن التاسع عشر فلا أستطيع إدارة أي حساب إلا بالمساعدة، فأنا أقدر على المواجهة المباشرة، لكن لا أستطيع أن أرد على كل من هب ودب، فمعظم من أعرفهم كلهم غادروا هذا الفضاء الأزرق رغم أهميته كإعلام بديل. لكن ما أصابني منه هو ما جعلني أبتعد ولا أرد أبدا حتى على الذين شتموني من أقرب المقربين إلي فما بالك في هذا العالم الذي يشبه معركة في سواد ليل مدلهم.

——————————

س9- نعود للجو العلمي هل تقاعد قلم محمد الأمين بلغيث عن الكتابة؟ وما هو الجديد الذي يعتكف عليه حاليا؟ولماذا ابتعد تدريجيا عن تخصصه الأول (التاريخ الوسيط)، وتوجه أكثر نحو التاريخ المعاصر وتاريخ الثورة خصوصا؟

ج/- كيف يتقاعد قلمي عن الكتابة وأنا في هذه السنوات التي أحاطت بالعالم قد فتحت علينا سبيلا لمراجعة النفس الأمارة بالسوء أولا، وثانيا لإعادة النظر في أعمالنا العلمية، وما كتبت وما نظمت منذ نهاية ديسمبر 2017م لم أقم به طيلة مساري العلمي والأكاديمي، فقد استطعت إتمام سلسلة أعمالي غير الكاملة الثانية، والتي تتكون من 11 مجلدا باللغتين العربية والفرنسية وحتى باللغة الإسبانية، وهي أعمال قديمة في طبعات جديدة أو تحقيقات وحوارات ومؤلفات لم يسبق نشرها نظرا لظروفي في التدريس والإدارة طيلة مساري الجامعي والوظيفي، كما أنا عضو مشارك في موسوعات عالمية، وجوائز على درجة عالية في تخصصي الدقيق [تاريخ الأندلس].

وبالنسبة لسؤالك عن قضية التخصص فأنالم أبتعد عن تخصصي الدقيق تاريخ وعمران الغرب الإسلامي والأندلس تحديدا، لكن أنا أيضا أشارك في تاريخ الجزائر الذي له نكهة خاصة بما أملك من أرشيف ووثائق نادرة خاصة بعد حصولي على وثائق لم تصل إليها أيدي الباحثين، وهي تتمة لعلمي الأول من المجلد الثاني عشر باللغة الفرنسية، كما كلفتني المطبوعات الجامعية الأوروبية بإعادة قراءة وتحقيق مذكرات مناضل لا يكاد يٌعرف عند كبار المتخصصين هو السيد المغفور له بإذن الله محمد أرزقي بركاني. ولتكون في الصورة كما قلت ذات مرة ولا أخفي هذا أبدا أنا أحسب نفسي مؤرخا من مؤرخي العصور الوسطى، ولكن معظم الأسئلة التي واجهتني في حياتي هي من صميم التاريخ الحديث والمعاصر، كما أن متعة الحديث والكتابة عن تاريخ الجزائر المعاصر هي بحث عن الجذور.

فأنا أبحث عن علاقة أهلي بالطريقة الشابية، كما أبحث في التاريخ المعاصر عن الطريقة الدموية التي أعدمت بها فرنسا كهلا في التاسعة والخمسين من عمره أمام مائة من الشهود، وهذا الكهل هو والدي الطيب بن صالح بن عبد الله بن بلقاسم بن سعد بن نصر بن موسى بن مراح ، وعن تاريخ جدي الأكبر (سعد بن نصر الذي توفي عام 1616م)، وهو رفيق أربعة من الأعلام الكبار في أقصى الحدود الشرقية للكتلة الأوراسية [علي بن حميدة، موسى البهلول، إبراهيم بن شكر، وسيدي عبيد الشريف]، ولما تعرف وقع هذه الأسماء الخالدة في الذاكرة الجماعية لمنطقة مؤثرة في تاريخ الجزائر عبر العصور وهم أهلك، كيف تتغافل عن تطبيق ما تعلمناه من الإمام السخاوي رحمه الله [من ورخ مؤمنا فكأنما أحياه].

هذه هي فلسفتي في الحياة، وحتى تكون الصورة أوضح فقد فتحت هذا السبيل بحضور الكبار من جيل ملامح المدرسة التاريخية وأخص بالذكر أبو القاسم سعد الله، موسى لقبال، حاجيات عبد الحميد رحمة الله عليهم، ولم يقولوا أن محمد الأمين بلغيث متطفلا على تخصص غيره، وان استشهد بعضهم بمقولة (من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب) وكأنني أتحدث عن تثليث الزوايا أو الفيزياء النووية، أو علم الجينات، هذا تاريخ وحلقاته متواصلة كالسلسلة الذهبية، فمن جهل هذا التواصل بين حلقات هذه المحطات فعليه أن يترك القوس لباريه.

صحيح التخصص الدقيق مطلوب ومحبذ، لكن الناس شركاء في المعرفة الإنسانية، فمن جهل شيئا تركه لغيره، ومن رأى في نفسه القدرة على الجمع والتركيب وربط الماضي بالحاضر والمستقبل فلن يكون غريبا، وأكبر أمنيات مؤرخي الغرب وفرنسا تحديدا أن يكتبوا كما كاتب المؤرخ ميشلي تاريخ فرنسا العام، ومن أتحدث عنهم غالبيتهم من مؤرخي العصر الوسيط.

——————————

– كلمة أخيرة من محمد الأمين بلغيث لمحبيه ومنتقديه على حد سواء: الشكر كل الشكر لك سي الصالح بن سالم متعتنا بحواراتك الراقية، ولا أستطيع أن أضيف شيئا “فرضا الناس غاية لا تدرك”، وبارك الله فيكم.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

  1. احمد حلواني يقول

    مقابلة مع أجوبة واضحة بتفاصيلها ومصداقيتها

  2. […] حوار في التاريخ – مجلة الرَّبيئة […]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.