حصريا

حكم التدخين بين الأقدمين والمعاصرين -محمد عبد الله الشواف-موريتانيا-

0 67

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على النبي الأمين، الذي أنزل عليه الأمر بطلب الزيادة من العلم بقوله تبارك وتعالى {وقل رب زدني علما} سورة طه (114)، وعلى صحابته الكرام، الذين حفظ الله لنا بهم هذا الدين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين

وبعد فمنذ أن ظهرت عشبة تسمى تبغة وذلك في القرن الثامن الهجري سنة ثمان وستين وسبعمائة عن طريق حكيم كان يستعمل الكيمياء، فأخرجها ثم أخرج منها هذا البلاء ؛كما يقول سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم في “فتاويه[1]، منذ لك الحين وآراء العلماء وأقلامهم تتصدى لحكم هذه النبة، وحكم استعمال الدخان الذي عمت به البلوى في زماننا، وانتشر انتشار الهشيم، وقد أردت من خلال هذه الورقات أن أجول في حكم التدخين، وكيف تناوله الأقدمون والمعاصرون، وقد وسمت هذا العمل باسم “حكم التدخين بين الأقدمين والمعاصرين).

وقد جاءت خطة هذا العمل كما يلي:

ــــــ مقدمة

ومطلبان

وخاتمة   

المطلب الأول: التدخين عند الأقدمين

عند ظهور استعمال شجرة الدخان المعروفة (بتبغ) أصبحت محل جدل بين العلماء، وقد كثر خوض المتأخرين من علماء هذا القرن يعني الحادي عشر بين مبيح ومحرِّم، والأكثر على التحريم، والأصل في هذا الخلاف عدة أمور منها:

1 ــ تحقيق المناط؛ وذلك أن علماء الشرع متفقون على حرمة “الخبائث” وحل الطيبات؛ كما جاء في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم (…ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخباث)، وقد قال بعض العلماء فكل ما أحل الله تعالى من المآكل فهو طيب نافع في البدن والدين وكل ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين[2]

من هنا كانوا متفقين، ولكنهم اختلفوا في “مسألة الدخان” هل هي من الخبائث؛ وعليه تكون محرمة؛ كما عليه كثير من العماء، أم أنها ليست من الخبائث، وعليه تكون مباحة الاستعمال؛ شأنها في ذلك شأن سائر الطيبات؛ التي لم يرد نص على تحريمها.

2 ــ قوله صلى الله عليه وسلم (كل مسكر حرام)، وقوله: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، من هنا أيضا اختلفوا في الحشيشة هل هي من المفسدات، ام من المرقدات، وهنا نحتاج إلى أن نعرف المسكر والمرقد والمفسد قال خليل رحمه الله تعالى: في كتابه التوضيح: “فائدة: تنفع الفقيه يعرف بها الفرق بين المسكر والمفسد والمرقد، فالمسكر ما غيب العقل دون الحواس؛ مع نشوة وفرح،  والمفسد ما غيب العقل دون الحواس؛ لا مع نشوة وفرح كعسل البلادر، والمرقد ما غيب العقل والحواس كالسيكران؛ وينبني على الإسكار ثلاثة أحكام: -دون الآخرين- الحد والنجاسة وتحريم القليل، إذا تقرر ذلك فللمتأخرين في الحشيشة قولان هل هي من المسكرات أو من المفسدات؟ مع اتفاقهم على المنع من أكلها، واختار القرافي أنها من المفسدات قال:

“…لأني أراهم لا يميلون إلى القتال والنصرة؛ بل عليهم الذلة والمسكنة، وربما عرض لهم البكاء”[3]، وكان شيخنا رحمه الله تعالى الشهير بعبد الله المنوفي يختار أنها من المسكرات قال: لأنا رأينا من يتعاطاها يبيع أمواله لأجلها، فلولا أن لهم فيها طربا ما فعلوا ذلك؛ بدليل أنا لا نجد أحدا يبيع دارا ليأكل بها سيكرانا، وهو واضح، انتهى كلام التوضيح[4].

وإلى مضمون كلام صاحب التوضيح أشار العلامة: محمد بن أحمد (ميارة)ت1077) في نظمه “التكميل”، المسمى “بستان فكر المهج في تكميل المنهج” فقال:

وهذه فائدة قد تقع
في الفرق بين مسكر ومفسد
فمسكر كالخمر ما يٌغيِب
بنشوة عربدة لـه اعتقد
ومفسد كعسل البلادر
ومرقد كالسيكران وهو ما
لا ينبني عليهما شيء إذا
قولان هل مسكرة أو مفسده
من منهيات الأكل منعا والذي
أجره في الأفيون والدخان
وللجزولي في الحشيش لا يحد
والقهوة التي بمصر تعمل
وحكمه التحريم لا لذاته

  من الفقيه موقعا وتنفع
يعرفه منها وبين مرقد
العقلَ لا مع الحواس مطرب
نجاسة حدا وتحريما عهد
كذاك لا معْ فَرحِ بذا دُرِي
غيب عقلا وحواسا وهما
فهمت ذا ففي الحشيشة لذا
بعد اتفاق أنها مُعدَده
به المنوفي وجَّهَ السكرَ بذي
بجامع العلة في ذا الشان
رعيا للافساد وذا درءا يعد
تجري على الدخان فيما أصلوا
بل للذي يعرض من صفاته

 

فالخلاف في الحشيشة يجرى أيضا عند الأقدمين في “الدخان”، ومن فوائد الخلاف فيها ما نص عليه ميارة في شرحه حيث يقول: والجواب، والله أعلم أن الخلاف الذي فيها من كونها مفسدة أو مسكرة شبهة توجب درء الحد عن آكلها، وإليه أشار بقوله:

وللجزولي في الحشيش لا يحد …  رعيا للافساد وذا درءا يعد.ذلع7م87ف

وقد تنوعت فتاويهم؛ تبعا لفهمم وترجيحهم ولعلي أسوق بعض فتاويهم في هذا الشأن،

أولا: فتاوى الذين يجيزون شرب الدخان:

“الحمد لله؛ سئل علي الأجهوري؛  (ت1066ه) من علماء المالكية بالقاهرة المحمية من علماء العصر عن حكم الدخان فأجاب: الدخان المذكور ليس مسكرا قطعا؛ لأن المسكر ما غيب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب؛ كما هو مشاهد، وأخبر به جمع كثير ممن يفيد خبرهم العلم الضروري؛

وإذا لم يكن من المسكر ، وسلمنا أنه يغيب العقل فيجري على حكم المفسد والمرقد فيحرم على من يغيب عقله، ولا يحرم على من لا يغيب عقله؛ وهذا يختلف باختلاف الأمزجة وكثرة الاستعمال وقلته؛ لأنَّ المفسد وهو ما غيب العقل دون الحواس؛ لا مع نشوة وطرب والمرقد، وهو ما غيب العقل والحواس جميعا صرح أئمتنا بأنه يجوز للشخص أن يستعمل منهما القدر الذي لا يغيب العقل ولو لغير ضرورة؛ وممن ذكر ذلك القرافي؛ صاحب الذخيرة، والشيخ خليل في توضيحه، وابن غازي في تكميل التقييد وغيرهم، انتهى.

مناقشة أدلة هذا الفريق:

لقد نوقشت أدلة هذا الفريق بأوجه منها:

فمنها: أنَّ قولـه الدخان ليس بمسكر قطعا يؤذن بأن علة التحريم عموما منوطة بالإسكار، وهذا غير صحيح  لأن التحريم غير خاص بما فيه الإسكار، وهذا أوضح من أن يوضح ولا يعتقد في المجيب إرادته ولا أنه اقتضاه اللفظ والكلام على مقتضى الألفاظ،

ومنها: ما نحا إليه في صحة الصغرى بدعوى نفي الإسكار إلى دليل المشاهدة والإخبار المفيد العلم الضروري، وكلاهما لا ينهض حجة على ما ادعاه.

أما الأول : فلأن المشاهدة إنما يحكم بمقتضاها فيما هو متعلق بها، وإنما يصح ذلك لو كان مدلول الإسكار عربدة الساكر وتمايله ورقصه وغير ذلك مما تتعلق به المشاهدة وليس ذلك لأن الإسكار نشوة وطرب يتعلق أمره بالقلب؛ فتارة يعظم فينتشر أثره على الجوارح؛ فيحصل معها ما ذكر بل لا يكون سكره إلا قاصرا على حالة الباطن فهم في ذلك باعتبار الأشخاص والأمزجة والطبائع؛ وإذا ظهر لك ما قررناه علمت بطلان ما ذكره المجيب من كون المشاهدة دليلا على عدم السكر؛ ويمكن أن يكون سكر الدخان مما لا يبلغ ظهور أثره للمشاهد، وإنما هو منوط بالباطن، ولذلك لم يشاهد من أصحابه دلالة ظاهرة على سكره ولو نادرا؛ ولا يشترط في حقيقة الإسكار ما يشاهد من حال بعضهم في عرابيده[5].

وأما الدليل الثاني: وهو الذي يعبر عنه بالتواتر فهو معارض بخبر من أثبت لـه نشوة وطربا وكثيرا ما سمعنا ممن يتناوله أنه يجد لنفسه منه نشوة وطربا، وأنَّ منهم من أقلع عنه لذلك الحال الوجداني؛ ويدل لما ذكروه من النشوة والطرب استغراق أربابه الأزمنة في شربه، وتفويت ما لديهم من الأموال في جلبه، ونسيان ما سواه من منافعهم حالا ومآلا عند شربه، وعدم التفاتهم إلى لوم لائم وعذل عاذل، وما ذلك إلا لما استغرقوا في شربهم إياه من السرور والنشوة،

وبهذا استدل المنوفي على أنَّ الحشيشة ذات نشوة، وطرب حسب ما ذكره تلميذه خليل في توضيحه رحمهما الله؛ على أنَّ الخبر الذي أراد إن كان مسنده أصحاب شربه فلا ينهض حجة لتهمتهم.

وقد اعتبروا شرط نفي الاتهام فيما اعتبر من عدد التواتر؛ حسب ما نقله الأصوليون من بلوغه حدا يمتنع عقلا تواطؤهم على الكذب حتى لو أخبر جمع غير محصور بما يجوز توافقهم على الكذب فيه لغرض من الأغراض لا يكون متواترا،

ومنها: أنَّ قولـه: هذا يختلف باختلاف الأشخاص… الخ تسليمٌ منه؛ لكونه يغيب العقل كما أشرنا إليه قبل، وإقرار بعدم انضباطه في شخص معين وقدر معين، وهو بعينه معتبر في الإسكار؛ فدلالة المخبر عن خبر الجمع على نفيه ضرورة بالإطلاق؛ وإذا جاز إسكاره وعدم إسكاره بتعدد الحال والمقادير صح امتناع تأويله

وتارة يقتصر على فرح قلبي وزهو لبي، ولذا كثيرا ما يشاهد متناول الخمر لا يحصل منه ما يظهر على جوارحه من العربدة ونحوها

ثانيا: فتوى الذين حرموا التدخين وهم (الجمهور)

يقول الشيخ أبو زيد عبد الرحمن الفاسي (1091 هــــ) “…وبعد فإن الذي ينبغي اعتماده بلا ثنيا، ويستند إليه في إصلاح الدين والدنيا؛ مع وجوب الإعلان به والإعلام به والإشارة به في جميع بلاد الإسلام أن ما عمت به البلوى من سف دخان “طابة” محرم الاستعمال لاعتراف كثير ممن لـه ميز وتجربة أنها تحدث تفتيرا وخدرا فتشارك أولية الخمر في نشوته، وتشبه الأفيون والحشيشة في جنسها ونوعها.

وقد فسر غير واحد الإفتار باسترخاء الأطراف وتخدرها وصيرورتها إلى وهن وانكسار فيها، وذلك من مبادئ النشوة وذلك موجود فيها من غير شك ولا مين؛ بالتجربة عند أهلها حتى أنه يكفي معها للسكر القليل من الخمر؛ ويشهد لذلك أيضا الإدمان لها والولوع بها، فلولا اشتمالها على ذلك ما ولع به متعاطيها ولا يوجد ذلك الولوع في داء قط ولو كان سكريا،

وممن أفتى  بحرمتها: العلامة: برهان الدين إبراهيم اللقاني، (1041هـــ)، وألف في ذلك كتابا سماه “نصيحة الإخوان بترك ما لا يحل من شرب الدخان”، وهو كتاب رد به على علي الأجهوري وهو من أبرز القائلين بالجواز، وقد تقدمت مناقشة أدلته، ونقل اللقاني عن شيخه سالم السنهوري أنه أفتى بتحريمها ولازم الإفتاء به إلى أن مات، ولم يخالفه في ذلك مخالف، شاهدت ذلك منه سماعا وكتابة وتابعه على ذلك أهل الدين والصلاح والرشد والنجاح.

ومنهم: العلامة: أبو عبد الله بن عبد الكريم الفكون، وألف في ذلك كتابه “محدد السنان في نحور إخوان الدخان، ومنهم الشيخ: إبراهيم الفلاني: وألف في ذلك كتابه “غاية الكشف والبيان في تحريم شرب الخان”[6]

ولم تقتصر المؤلفات عند المحرمين على النثر، بل ألف بعضهم قصائد تزيد على مائتي بيت[7]، ومن هؤلاء محمد بن الطيب بن عبد السلام القادري الحسني فقد قال أرجوزة في حرمة الدخان يقول فيها:

سميتها بتحفة الإخوان …    في نشر منع الشرب للدخان

وغاية النشر لشر نبغا  … في شأن شارب الدخان تبغا

ومما ينسب إلى العلامة الخرشي (1189هــ) قوله:

في الناس قوم سخاف لا عقول لهم   … استبدلوا عوض التسبيح دخانا

أنبوبة في فم والنار داخلهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا  … تجر للجوف دخانا ونيرانـــــــــــــــــــــــــــــا

لو كان ذلك ذكر الله ما قربـــــــــــــــــــــــــــــــــت  … إليهم النار إجلالا لمــــــــــــــــــــــــــــولانا

شتان في حسنا ما بين ذاك وذا        … هذا يشين وذاك للورى زانــــــــــــــــــــا

حرق بنار وتسعير بلحيتـــــــــــــــــــــــــــــــــه      … لكن من جهلهم قد كان ما كانا

 

مناقشة أدلة هذا الفريق:

يمكن أن يناقش أصحاب التحريم بأوجه منها:

1ــ أن مشاركة الدخان للخمر في نشوته أمر ظني؛ لا يتفق عليه الذين يتناولونه فما كل متناول له يحصل له هذا الأمر

2 ــ كون الإدمان عليه والتعلق بها من علامات الإسكار هو أمر لا يسلم؛ إذ كم من مباح تتعلق به النفس وتدمن عليه؛ فهل ذاك يكون سببا في تحريمه

3ــــ التحريم يحتاج إلى دليل ثابت لا يتطرق له الاحتمال، والدليل إن تطرق إليه الاحتمال سقط منه الاستدلال ولذا فإن الشيخ سيدي أحمد باب التينبكتي السوداني، من الذين أفتوا بحليتها ولما راجعه سيدي أبو بكر السجستاني رضي الله عنه في كثير من أدلته؛ التي استدل بها على الإباحة لم يجد عنده تحقيقا؛

كما راجع شيخه اللقاني في مثل ذلك من أدلة التحريم فلم يجد عنده تحقيقا أيضا قال: وقصارى[8] ما قال لي أنها ليست من أخلاق الصالحين، وقصدنا تنفير الناس عنها[9]؛

4ـــ أن عدم وضوح أدلة التحريم جعل بعض العلماء في تلك العصور ينحو منحى آخر وهو التوقف ومن أولئك الشخ: أبوبكر السجستاني حيث يقول: وقد رأيت في شأنها نحوا من ثلاثين تأليفا بين محلل ومحرم، ولا أرتضي شيئا منها؛ وكان رضي الله عنه مذهبه فيها التوقف، وعدم الجزم فيها بتحريم أو تحليل لأن إحداث حكم من أحكام الشرع في نازلة من دون برهان واضح من الله؛ عظيم الموقع في الدين ضرير أمره من الله،

ومَن أظلم ممن قال إن الله حرم هذا، أو أحله بدون نص من الشارع أو قياس مقبول مسموع جار على أصول الشرع وقواعده؛ إلا أنه كان يجزم بوجوب تركه من جهة أخرى، وهي أنه مجهول الحكم، ولا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وهذا الأمر قد جهلنا حكم الله فيه في هذا الوقت، وإلى الآن لم يتضح فيه شيء يثلج لـه الصدر ولا ينبهم لـه فيه الأمر[10]؛

وقال العياشي: والذي أرتضيه ما ذكره شيخنا هذا رضي الله عنه مع الميل القوي إلى التحريم؛ وغالب المتورعين من الفقهاء، ومعهم جميع الصوفية؛ أرباب القلوب الصافية، يصرح بالتحريم؛ والذي أعتقده أنَّ الفقهاء إذا اختلفوا في حكم، وكانت الصوفية في جانب واحد فالحق معهم لأن الله مؤيدهم، وهوى النفس مفقود منهم فلا ينطقون إلا عن حق وصواب،

وقد سألت شيخنا الملا إبراهيم بن حسن الكوراني الكردي، ثم المدني عن قول شيخنا قطب زمانه الجامع بين العلمين صفي الدين القشاشي رضي الله عنه في شأن هذا الدخان؛ فقال لي سمعناه مرارا يقول بكراهته، ولا يبلغ به التحريم.

والمقصود من هذا كله ما فيه الكلام بالذات من كونها من المسكرات أو من غيرها، وأما الكلام في تحريمها وإباحتها فهو كثير من لدن ظهرت، وذلك في أواخر المائة العاشرة؛ وأول الحادية عشر؛

وقال أبو سالم العياشي: وقد كثر خوض المتأخرين من علماء هذا القرن يعني الحادي عشر بين مبيح ومحرِّم، والأكثر على التحريم منهم علامة زمانه الشيخ إبراهيم اللقاني، وشيخه المحقق الشيخ سالم السنهوري، وممن ألف في إباحتها الشيخ أبو الحسن الأجهوري وكلامه الذي رده الشيخ الفكون[11].

 

 

 

 

المطلب الثاني:: حكم التدخين عند المعاصرين.

من خلا نقاش الأقدمين لحكم التدخين يلاحظ الباحث ان النقاش كان يدور حول نقطتين:

1 ــ هل هذه العشبة من الخبائث، وعليه فإن الله حرم الخبائث

2 ــ هل هي مسكرة أو مرقدة ومقدرة، وعلى هاتين النقطتين بني الحكم، اما في عصرنا الحاضر، وبما أن “مسألة الدخان” تكلم عنها الأطباء، وقد أثبتوا ضررها فغن الخلاف الفقهي فيها صار شبه معدوم؛ هذا إن لم يكن معدوما، لنه كما قال القائل:

وليس كل خلاف جاء معتبرا … إلا خلاف له وجه من النظر

المذهب الأول: أدلة القائلين بالجواز من المعاصرين

استدل القائلون بالجواز بأدلة منها:

1 ــــ كون الأئمة السابقين لم يتفقوا على حرمة الدخان، فإذا لم يتفق الأولون وهم أعلى كعبا في الشريعة، وأعلم بقاصدها فكيف نقول بحرمتها، فمنهم من قال بحرمتها ومنهم من قال بكراهتها، ومنهم من توقف…

2 ـــ الحرمة تحتاج إلى نص ودليل لا يتطرق له الاحتمال؛ لأن الله عز وجل قد حرم أن يقول الإنسان (هذا حلال وهذا حرام؛ إلا بدليل.

3 ـــــ أن الله تعالى إنما حرم الخبائث كالخنزير والخمر والمسكرات، والدخان شجرة لا هي بلحم خنزير، ولا هي من المسكرات، فكم رأى الناس شاربها يمشي ويتحدث، ولا يظهر عليه ما يظهر على متناول المسكر

مناقشة الأدلة:

ـــــــ مناقشة الدليل الأول:

أما كون السابقين لم يجمعوا على حرمتها، فهذا ليس دليلا على حرمتها، فحرمتها لم تأت من قبل هذا الدليل (الإجماع)، وإنما جاءت من أدلة أخرى؛ كالضرر وهدر المال، وشبهها بالمسكرات من عدة أوجه.

وإذا كنا لا نستطيع القول بحرمة ما هو حرام إلا بعد الاتفاق  من قبل الأقدمين فقد أوقفنا أدلة شرعية كثيرة؛ مثل القياس، وقد يظهر سبب لحرمة للمتأخرين، وقد غاب عن المتقدمين، ومن أمثلته “مسألة الدخان” التي بين أيدينا فالأطباء في ذاك الزمان لم يطلعوا على “الضرر” الذي ينشأ بسبب استعمال هذا الدخان، بينمها ظهر في زماننا بما لا يدع مجالا للشك.

ـــ مناقشة الدليل الثاني:

هذا أمر غير مسلم فالأدلة الشرعية كثيرة، ولم يقع النص عليها كلها، فكم من مسألة حرمت بالقياس،

ــــ مناقشة الدليل الثالث:

كون هذه الشجرة ليست من الخبائث يحتاج هو الآخر إلى دليل، فهي أقرب للخبائث منها للطيبات، فرائحتها كريهة، ومستعملوها أقرب للفسق منهم للتقوى، ومما يستأنس به في هذا المجال قصة وقعت للشيخ “المختار بن بونا” وهو علامة عصره، وسيبيه زمانه، وقد كان يميل إلى إباحتها، فسأله تلميذه الشيخ العلامة : سيدي عبد الله ابن الحاج إبراهيم عن االدخان في أي الكفات يكون يوم القيامة، هل هو في كفة الحسنات، أم في كفة السيئات فقال: قطعا ليست في كفة الحسنات.

المذهب الثاني: مذهب القائلين بحرمة التدخين: (الجمهور)

كاد العلماء المعاصرون أن يتفقوا على تحريم الدخان، منطلقين من منطلقات، ومستدلين بأدلة

أولا: المنطلقات

1 ـــــ إجماع الأمة على حفظ النفس، وذلك من الكليات الخمس، التي اتفقت الشرائع كلها على وجوب حفظها، والكليات هي  التي أشار إليها سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم في المراقي بقوله:

دين فنفس ثم عقل نسب .. مال إلى ضروروة تنتسب

ورتبن والتعطفن مساويا … عرضا على المال تكن موافيا

فحفظها حتم على الإنسان … في كل شرعة من الأديان

وهي:

ــــ الدين ــــ المالــ ـــ النفس ــ العقل ـــ النسب.

2 ـــ إجماع الأطباء على ضرر التدخينعلى النفس والمال وقد ثبت بشهادة الأطباء المختصين أن التدخين سبب إصابة تسعة من بين كل عشرة من المصابين بسرطان الرئة، وكذلك يدخل التدخين ضمن مسببات أمراض القلب والجلطة الدماغية وانتفاخ الرئة والتهاب القصبة الهوائية، وكذا هو سبب للإصابة بالعنة، أو الضعف الجنسي
وقد قال أطباء بارزون: إنه يجب التعامل مع النيكوتين الموجود في التبغ كباقي المخدرات الخطيرة مثل: الهيروين والكوكايين.

ثانيا: الأدلة

من الأدلة التي استدل بها المحرمون ما يلي:

1 ـــ قوله تعالى: {يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات … }. المائدة: 4

2 ـــ وقوله تعالى {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}. الأعراف (157).

وجه الاستلال:

أن الله أحل الطيبات، والدخان ليس من الطيبات، فينتج عن هذا أنه ليس من الأشياء التي أحلت لنا.

3 ـــ قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما

وجه الاستدلال:

أن هذه قاعدة يثبت فيها النبي صلى الله عليه وسلم حرمة الضرر وإدخال الضرر على النفس، فإذا ثبت ضرر أي شيء وجب تركه، والضرر محل إجماع من قبل الأطباء؛ كما تقدم

4 ـــ قوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}

5ــ وقوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم } النساء (29).

 

 

وجه الاستلال:

ان الله تعالى نهانا عن قتل النفس وإلقائها في التهلكة؛ أي: ما يهلكها وق\ أخبرنا الأطباء العارفون ان التدخين يؤدي إلى السرطان، وما اخطره من مرض، نسأل الله السلامة والعافية

6 ــ في التدخين ضياع للمال وإسراف، والله لا يحب المسرفين، وقد قال تعالى: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)

قال بعضهم:

ولا يحب المسرفين كاف … لكف كفك عن الإسراف.

7 ـــ وجود مادة في الدخان تتعلق بالجسم تعلق المخدر به، وقد قال أطباء بارزون: إنه يجب التعامل مع النيكوتين الموجود في التبغ كباقي المخدرات الخطيرة مثل: الهيروين والكوكايين

مناقشة أدلة المحرمين:

يمكن مناقشة أدلة المحرمين إجمالا بعدة أمور:

1 ـــ أن هذا الضرر وإن أثبته الأطباء فهو ليس دليلا على التحريم، فقد أثبتوا ضرر السكر والملح وغيرهما؛ مع أنه لا قائل يقول بحرمة هذه الأشياء؛ فإثبات الضرر وحده ليس محرما.

2 ـــ هذا الضرر وإن حصل لبعض الناس فإنه غير عام، فكم من مستعمل لهذا الدخان وقد طال عمره وسلم من الأمراض؛ فهو بهذا قد يكون حراما على بعض، ويكون جائزا لآخرين؛ لم يتضرروا به.

 

 

 

 

 

 

الخاتمة:

من خلال هذه الورقات التي أثارت أكثر مما أفادت، فقد أثارت هذه القضية، وهي “حكم التدخين” ويمكن للكلع عليها أن يخرج بعدة نتائج، من أهمها:

1 ـــ أن الخلاف في المسألة كان اتساعه عند الأقدمين أظهر؛ ومرجع ذلك لعدم الوقوف من قبلهم على موقف الطب من هذا الأمر

2 ـــ الخلاف بين الأقدمين كان يدور حول الدخان والحشيشة هل هما من المسكر أم لا، ومن هنا تباينت آراؤهم، وسالت أقلامهم، وكما يقول المناطقة، (الحكم على الشيء فرع عن تصوره

3 ــــ أما العلماء المعاصرون فقد ساعدهم بيان الأطباء لأمر الضرر في الدخان، وإجماعهم على ذلك، فسهل ذلك إصدار الحكم بالحرمة من قبل جمهور العلماء، ومجامع الإفتاء في جميع الدول الإسلامية،

والله سبحانه وتعالى أسأل أن يهدينا إلى الصواب، وأن يكفي المسلمين شر هذا الوباء، اللهم آامين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] ينظر: فنتاوى سيد عبد الله (570)

[2] ينظر: تفسير ابن كثير (3-439).

[3] القرافي، الذخيرة

[4] خليل، التوضيح. (1\22).

[5] العربدة سوء الخلق؛ عربد السكران؛ ساء خلقه، وآذى الناس في سكره. ينظر: عربد يعربد..(الجوهري، الصحاح، 3341)

[6] ينظر فتاوى سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم، تحقيق:محمد الأمين بن محمد بيب، (571)

[7] شرح السجلامسي على تكميل ميارة (73)

[8] الضمير يرجع إلى الشيخ أبي بكر السجستاني

[9] ينظر: شرح السجلماسي على تكميل ميارة، تحقيق محمد عبد الله الشواف الجزء الأول: (رسالة الماجستير (76)

[10] المصدر السابق (77)

[11] شرح السجلماسي، على تكميل ميارة الفاسي تحقيق محمد عبد الله الشواف. (75).

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.