حصريا

تفسير سورة قريش: الأستاذ: العيد بن علية

تفسير سورة قريش: الأستاذ: العيد بن علية

بسم الله الرحمن الرحيم<<لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وءامنهم من خوف>>

مناسبتها لما قبلها:أن كل منهما تتضمن ذكر نعمة من النعم الله على أهل مكة’فالأولى تضمنت إهلاك عدوهم الذي جاء ليهدم بيتهم, وهو أساس مجدهم وعزهم ,والثانية ذكرت نعمة أخرى ,وهي اجتماع أمرهم ,والتئام شملهم ليتمكنوا من الارتحال صيفاً و شتاءاً ,في تجارتهم وجلب  الميزة  لهم ,ولوثيق الصلة بين السورتين كان أُبّي بن كعب يعتبرهما سورة واحدة  حتى روى عنه أنه لم يفصل بينهما ببسملة.

فهذه السورة تبدوا امتدادا لسورة ِالفيل قبلها من ناحية موضوعها وجوها وإن كانت سورة مستقلة مبدوءة بالبسملة.

أسباب نزولها :ما جاء في أسباب النزول للوا حدي أنها نزلت في قريش وذكر منّة الله تعالى عليهم ثم ساق سنده إلي  أم هاني بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت :قال النبي صلى الله عليه وسلم <<إن الله فضَّل قريشاً بسبعِ خصالٍ لم يعطها أحدهم قبلهم ولا يعطيها أحد بعدهم أن الخلافة فيهم و إن الحجابة  فيهم وإن السقاية فيهم وإن النبوة فيهم ونصروا على الفيل وعبدوا الله سبع سنين لم يعبده أحدٌ غيرهم ونزلت سورة لم يذكر فيها أحد غيرهم.>>

سبب تسميتها:سميت بهذا الاسم لأنها تعتبر السورة الوحيدة في القران الكريم التي ذكر فيها كلمة قريش و للسورة  اسم آخر حيث كان يطلقون عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم “الإيلاف قريش “.

القول في “للإيلاف قريش”قال ابن عطية :هي مكية ونقل الضحاك والكلبي أنها مدنية .تقول العرب :ألف الرجل الأمر وآلفه غيره إياه.فالله تعالى آلف قريشاً أي  جعلهم يألفون رحلتين في العام واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف ويقال ألف بمعنى آلف وأنشد أبو زيد:من المؤلفات الرمل أدماء حرة شعاع الضحى في جيدها يتوضح.

وإيلاف مصدر آلف قال بعض الناس :سفرين سنّهما له ولغيره سفر الشتاء ورحلة الأصياف.

واللام بعضهم قال:أن هذه اللام للتعجب يعني أعجبوا الإيلاف قريش وبعضهم يقول :أنها بمعنى إلي فبهذا يتضح المعنى قال ابن جرير :والصواب أن اللام لام تعجب وهذا سبقه إليه الكسائي والأخفش وقال  به  بعض المعاصرين ويعلل ابن جرير هذا القول بقاعدة وهي أن العرب إذا جاءت بهذه اللام فأدخلوها في الكلام للتعجب أكتفوا بها دليلا على التعجب يغني عن التصريح بالفعل الذي يجلبها.

وقريش لقب الجد وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وهو على الصحيح تصغير قرش بفتح القاف اسم نوع من الحوت قوي يعدو على الحيتان وعلى السفن .

القول في “ا~لفهم رحلة الشتاء و الصيف “إنَّ منّة إيلا فهم رحلتيْ الشتاء والصيف هي المنَّة التي يذكرهم الله بها ,ومنّة الرزق الذي أفاضهُ عليهم بهاتين الرحلتين وبلادهم قفرة جفرة ,وهم طاعمون هانئون من فضل الله ومنّه أمنهم الخوف سواء في عقر دارهم بجوار البيت الحرام أم في أسفارهم و ترحلهم  في رعاية حرمة البيت التي فرضها الله من كل اعتداء . 

فيذكرهم بهذه  المِنن ليستحوا مما هم فيه من عبادة غير الله وهو رَبُّ هذا البيت الذي يعيشون في جواره أمنيين  طاعمين ويسيرون باسمه مرعيين ويعودون سالمين وهو تذكير يستحي الحياء في النفوس ويثير الخجل في القلوب ولكن انحراف الجاهلية لا يقف عند منطق ولا يتوب إلي حق ولا يرجع إلي معقول .  

جاء في التحرير والتنوير :وكان الذي سنَّ لهم هاتين الرحلتين “هاشم بن عبد مناف “وسبب ذلك أنه يعتريهم خصاصة ,فإذا لم يجد أهل بيت طعاماً لقوتهم ,حمل ربُ البيت عياله علي موضع معروف ,فضرب عليهم خباء و بقوا فيه حتى يموتوا جوعاً ,ويسمى ذلك الأعتفار.

فبلغ خبرهم هاشما فحثهم على الرحلة وإعطاء الغني الفقير وفيه انشد مطرود الخزاعي قائلاً:

يا أيها الرجل المحول رحله  *    *  هلا نزلت بآل عبد المناف

الآخذون العهد من آفاقها      *     *  والراحلون لرحلة الإيلاف

والخالطون غنيهم بفقير هم    *    *  حتى يصيروا فقير هم  كالكافي

القول في “فليعبدوا ربَّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف “:قال في الكشاف :دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى إما فليعبدوه لإيلافهم أي أن نعم الله عليهم كثيرة لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوا لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة .     

أي فلتعبد قريشاً ربّها شكراً له على أن جعلهم قوما تجاراً ذوي أسفار, في بلاد غير ذات زرع ولا ضرع ,لهم رحلتان رحلة إلي اليمن شتاءاً ,وأخرى في  الصيف إلي بلاد الشام لجلب الحاصلات الزراعية إلي بلادهم المحرومة منها ,وقد كان العرب يحترمونهم في أسفارهم لأنهم جيران بيت الله ,وسكان حرمة ,وولاة الكعبة ,فيذهبون آمنين ويعودون سالمين, لا يمسهم أحد بسوء على كثرة ما كان بين العرب من السلب والنهب والغارات التي لا تنقطع فكان البيت ضربا من القوة المعنوية التي تحتمي بها  قريش في الأسفار ولهذا ألفتها نفوسهم ,وتعلقت بالرحيل استدراراً  للرزق.

قال الخليل ابن أحمد :فمعنى الآية :لأن الله تعالى فعل بقريش هذا ومكّنهم من إلفهم هذه النعمة ليعبدوا رب هذا البيت .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.