حصريا

تفسير سورة العصر – الأستاذ العيد بن عُلَيَّة

بسم الله الرحمان الرحيم

تفسير سورة العصر:سورة مكية وآياتها ثلاث

القول في “والعصرِ إنَّ الإنسانَ لفي خسْرٍ”:العصر اسم للزمن كله ،أو جزء منه ،ولذا اختلف في المراد منه إلي أقوال كثيرة فقيل:هو الدهر كله أقسم الله به لما فيه من العجائب ،أمُة تذهب وأمُة تأتي ،وقدَرٌ ينفد وآية ٌتظهرُ وهو هو لا يتغير ليلٌ يعقبه نهارٌ ونهارٌ يطردهُ ليلٌ فهو في نفسه ِعجبٌ وهو في نفسه آية ٌسواء في ماضيه ِلا يعلم متى أو في حاضره لا يعلم كيف ينقضي أو في مستقبله وجاء في تفسير الطبري:على أنَّ العصر كل ما يلزمه هذا الاسم فداخل فيما أقسم به جلَّ ثناؤه .قال ابن عطية :قال أبّي ابن كعب سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن العصر فقال:أقسم ربكم بآخر النهار.

جاء في التحرير والتنوير :أقسم الله تعالى بالعصر قسما يراد به تأكيد الخبر كما هو شأن أقسام القرآن والمقسم به من مظاهر بديع التكوين الرباني الدال على عظيم قدرته وسعة علمه قال الزمخشري:أقسم بصلاة العصر لفضلها كما قال الله تعالى:”والصلاة الوسطى “وقوله صلى الله عليه وسلم:”من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله”.

ولعلى المراد بالعصر في هذه السورة العموم لشموله الجميع فيشمل الوقت و صلاة العصر وحياة الإنسان أو الدهر كله أو عصر النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها.

وتعريف الإنسان تعريف الجنس مراد به الاستغراق وهو استغراق عرفي لأنه يستغرق أفراد النوع الإنساني  الموجودين في زمن نزول لآية .

والخسرُ:مصدر وهو ضد الربح في التجارة واستعير هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبة حسنة وتلك هي العاقبة الدائمة وهي عاقبة الإنسان في آخرته من نعيم أو عذاب 

القول في “إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات قال مجاهد:”إن الإنسان لفي خسر”إلا من آمن إلا الذين صدقوا الله ووحدوه وأقروا له بالوحدانية والطاعة وعملوا الصالحات وأدوا ما لزمهم من فرائضه واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه واستثنى الذين آمنوا من الإنسان لأن الإنسان بمعنى الجمع لا بمعنى الواحد

جاء في أضواء البيان :هذا المستثنى من الإنسان المتقدم مما دل على العموم والإيمان لغة :التصديق وشرعا :الاعتقاد الجازم بأركان الإيمان الستة المذكورة في حديث جبريل المشهور “وعملوا الصالحات “العطف يقتضي المغايرة لذا قال البعض الناس أن الأعمال ليست داخلة في الإيمان ومقالاتهم معروفة وما عليه الجمهور أن الإيمان اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالجوارح فالعمل داخل فيه –والجمهور على أن مجرد الاعتقاد لا ينفع صاحبه كما كان يعتقد عم النبي صلى الله عليه وسلم صحة رسالته ولكن لم يقل كلمة يحاج له صلى الله عليه وسلم بها وكذلك لو أعتقد ونطق بالشهادتين ولم يعمل كان مناقضا لقوله  جاء في ظلال القرآن:”إن الإيمان دليل على صحة الفطرة وسلامة التكوين الإنساني وتناسقه مع فطرة الكون كله ودليل التجاوب بين الإنسان والكون من حوله فهو يعيش في هذا الكون وحين يصح كيانه لا بد أن يقع بينه وبين هذا الكون التجاوب ولا بد أن ينتهي هذا التجاوب إلي الإيمان بحكم ما في الكون ذاته من دلائل وإيحاءات عن القدرة المطلقة التي أبدعته على هذا النسق فإذا فقد هذا التجاوب  أو تعطل  كان هذا بذاته دليلا على خلل ونقص في الجهاز الذي يتلقى وهو هذا الكيان الإنساني وكان هذا دليل فساد لا يكون معه إلا الخسران ولا يصح معه عمل ولو كان ظاهره مسحة من الصلاح.

إن هذه السورة تضمنت أربعة أمور هي :

الأول:الإيمان بالله

الثاني:العمل الصالح بمقتضى هذا الإيمان

الثالث:التواصي بالحق

الرابع:التواصي بالصبر

فبالأمرين الأولين يكمل الإنسان نفسه وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره وبتكميل الأمور الأربعة يكون الإنسان قد سلم من الخسران وفاز بالربح العظيم .

 

اللهم فقهني في الدين وعلمني التأويل

آمين

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.