حصريا

مراجعة نقدية لكتاب (تطوير التعليم في المجتمعات المسلمة: خطاب الأمل) – د. صالح نصيرات -الأردن-

0 75

تطوير التعليم في المجتمعات المسلمة: خطاب الأمل

تحرير: إلهام ناصر
ترجمة حسام صبري
الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي
2026

مراجعة نقدية

د. صالح نصيرات

الكتاب الذي بين أيدينا هو جزء من مبادرة الارتقاء بالتعليم في المجتمعات المسلمة ، وهي مبادرة تضمت مجموعة من الدراسات التجريبية، وكذلك إنشاء مجلة الأرتقاء بالتعليم في المجتمعات المسلمة بعد عقود من التنظير الفكري النظري. تقول المحررة إلهام ناصر

” ويعدّ ُالتعليم في المجتمعات المسلمة مسعى طموحا، وهدفا بعيد المدى للمعهد العالمي للفكر الإسلامي. ويأتي هذا في إطارجهد أكبر لإصلاح التعليم بوجه عام، ومشاركة الدروس المستفادة مع الآخرين، لا سيما دول الجنوب العالمي، أو ما تسميه المنظمات الدولية :البلدان منخفضة الدخل”. (ص11).

لماذا هذا الكتاب؟

“يأتي هذا الكتاب المحرر، تلبية لضرورة إحداث تحول في الخطاب التعليمي والتربوي في المجتمعات المسلمة، لينتقل مع التركيز على مواطن النقص إلى توجه عام يركز على مكامن القوة بأسلوب يكفل دمج الشباب ومعارفهم السابقة، ومشاعرهم وإيمانهم، وتحقيق التكامل بين هذه النواحي. ولا ريب أن الإفادة من التجارب الأصيلة والابتكارات الحقيقية المتجذرة في الواقع المحلي ستعود بالخير على المجتمعات المسلمة، وتقدم معرفة جديدة ومستقبلية لجمهور أكبر من الخبراء التربويين، وصنّاع السياسات، ومسؤولي الحكومات وغيرهم” “ص15

وتضيف المحررة

” ويضيف هذا الإصدار إلى رصيد أوسع من المعرفة المتراكمة بشأن البرامج التعليمية المبتكرة والفريدة من نوعها، و إلى البحوث المستقاة من سياقات متنوعة حول العالم. وليست هناك سوى فئة قليلة من الكتب التي تعنى بالتعليم الإسلامي مع التركيز على المصادر الإسلامية للفكر والتطبيق، بينما يتوسع الكتاب الذي بين ايدينا بهذا الصدد ليقدم دراسة معمقة من عدة مناظيرتربوية، وموظِفا التعليم الإسلامية تارة، ومعنيا تارة أخرى بسياقات التعليم والتعلم بداية من مرحلة رياض الأطفال حتى التعليم العالي ..” ص16.

إن قضية التربية والتعليم هي قضية كل مسلم ينشد تقدما وتطورا حقيقيا في بنية المجتمعات المسلمة التي مازالت تعاني من تراجع خطير في هذا الميدان. وهذا أمر لا تنكره العين. فالإحصائيات الدولية والمحلية تنبىء عن عدم قدرة حقيقة على تطوير تعليم مناسب للقرن الحادي والعشرين، رغم وجود مبادرات وجهود للتطوير. حيث رأينا عددا من تلك المبادرات لتطوير المناهج، والارتقاء بالمعلم ، وصياغة سياسات تحديث، وتطوير قدرات القيادات التربوية، والتي لم تحقق الكثير من أهدافها رغم الأموال الطائلة التي تنفق على التعليم في عدد من الدول الإسلامية الغنية، والمساعدات التي تتلقاها دول أخرى من منظمات ودول ومؤسسات عالمية.

يتكوّن الكتاب الذي شارك في بحوثه إثنا عشر باحثا وباحثة من دول مختلفة ومن ذوي الخبرات المميزة في هذا الميدان من خمسة فصول تضمت عشر دراسات متنوعة موزعة على عدد من المحاور، ولكنها تصب جميعها في تحقيق أهداف الكتاب. ولعل المنحى التجريبي للدراسات يقدم للقارئ فرصة للتعرف على ما يتم القيام به في تجمعات ومجتمعات إسلامية متنوعة في الظروف ومختلفة في السياقات. ووجود باحثَين غير مسلمين في هذه المجموعة يعطي المهتم دليلا على أهمية الإفادة من رؤى أخرى تشترك مع المسلمين في الهم الإنساني الذي يؤرق العقلاء والمهتمين بوجود عالم خال من الاضطرابات والمشكلات، ومفعم بأمل السلم والسلام العالميين.

في الفصل الأول والمعنون ب “الارتقاء بالتعليم في المجتمعات المسلمة عبر خطاب الأمل”

تروي إلهام ناصر قصة قصيرة تلخص حال كثيرين من الشباب المسلم ورؤيته للحياة، هذه القصة لفتاة عربية تجلس أمامها، وعيونها مسمرة على هاتفها، دون التفات، فبادرتها بسؤال

” مالذي تطمحين إليه في المستقبل؟ فرفعت بصرها وأجابت”أن أهاجر وأعيش في الغرب. فقلت لماذا؟ فكان جوابها بلا تردد “حتى أحظى بمستقبل سعيد”.

ربما لا تمثل هذه الفتاة الشباب العربي المسلم جميعه، ولكنها تعطي القارىء فكرة مهمة عما يجول في خاطر نسبة لا بأس بها من الشباب العربي الذي يعيش حالة من اليأس والإحباط والتشتت والاغتراب. تقول ناصر

“كثيرا ما تتحطم أمواج الفضيلة و لاسيما الكرامة والإبداع على صخرة المواقف العصيبة، وحينها تتلاشى نظرة الناس الإيجابية ورؤيتهم لأنفسهم، ولمستقبل مجتمعهم، وقد أصبح هذا الوضع المحزن عنوان حياة لكثير من المسلمين والمجتمعات الإسلامية في شتى أنحاء العالم، ونتيجة لذلك صرنا اليوم نرى الأمم تسعى بلا رؤية منطقية جامعة إلى التحرر من الضوابط” وأصبح اهتمامها بالبقاء، وكأن الثقافات والمجتمعات ما وجدت إلا لتحاول “البقاء لا الازدهار” كما يرى تيفلين (2007).

وفي تناولها لمعنى الأمل عند الفلاسفة وعلماء النفس تستعرض ناصر تعريفات كثيرة لمعنى الأمل لدى فلاسفة ومربين وعلماء نفس بل وسياسيين، ومختصر ذلك أن الأمل يشمل الرؤى والتوجهات الثقافية، والروحية، والاجتماعية والفلسفية كما عند كرافت (2018)، وعند كيتي و واينجارتن نجد الأمل لا يتعلق بالمثالية و الكمال فقط، وإنما يشمل أيضاالأحلام والرؤى والأمنيات وقيم الإنسان” (ص30).

وفي الرؤية الإسلامية لهذا المفهوم نجد ناصر تقول

” أما في الإسلام، فإن الأمل ضارب بجذوره في فعل الخيرات، والبحث عن معنى ومغزى يسمو فوق الحياة المادية، وللأمل دلالات معرفية وفاعلة ومتأصلة في الإيمان بالسمو الروحي، الذي نجده في سائر الإديان”.

في المحور الثاني من الفصل الأول تتناول نوران ديفيدزفي مقالتها المعنونة بتجاوز التمزقات البشرية من خلال تعليم إسلامي مفعم بالأمل

التجربة التعليمية و التربوية لمسلمي جنوب أفريقيا التي عاشت فترة طويلة تحت الحكم العنصري حتى تحررت منه في بداية التسعينيات من القرن الماضي. وتقدم ديفيدز رؤية للتعليم الإسلامي، يقوم من وجهة نظرها على ثلاث ممارسات أخلاقية متمايزة ولكنها مترابطة، ففي لممارسة الأولى

“تكمن في أن المسلمين حيث ينشأون في مجتمعهم على عقائد الإسلام وتقاليده وما يتصل به، إنما يتعلمون فرادى وجماعات أن يجسّدوا الذات مقابل الآخر، بمعنى أن يتجلى الإسلام وهو الدين السماوي، في واقع العلاقات الاجتماعية، وثانيها أن التعليم عند المسلمين يرتبط بالعمل، و الممارسة الفعلية في المجتمع، وهذا معناه التأمل والتدبر فيما يجري في المجتمع ويُشغل اهتمامهم، أما الممارسة الثالثة من خلال التأديب الذي يؤكد جوهر التعليم الإسلام، يتعلم المسلمون من خلال الإيمان والصلاة و الزكاة والصوم والتحلي بالأخلاق، وأن تكون أفعالهم تلبية لاحتياجات مجتمعهم ” ص 46.

وهذه الممارسات مهمة وضرورية وصحيحة، فالتعليم الإسلامي ليس مجرد نقل معلومات،

ونرى ملحظا مهما في رؤية ديفيدز وهي أن الإسلام لا يقسم العلم إلى ديني ودنيوي بل قسمها المسلمون على أساس العقل والنقل، فهناك علوم عقلية وأخرى نقلية مبنية على فهم القرآن الكريم و السنّة المطهرة. فالعلوم الشرعية مطلب للمسلم ولكنها لا تتناقض مع أهمية المطلب الآخر ألا وهو طلب العلوم الأخرى التي تتعامل مع الحياة بشكل مباشر. وتؤكد دوما على ضرورة أن تكون العلوم الشرعية والعبادات سببا في بناء شخصية متوازنة صالح ومحبة للخير

وعند استعراض تاريخ التعليم عند مسلمي جنوب أفريقا تختار مقاطعة الكاب، فمسلمو مقاطعة الكاب كانوامتشبثين بدينهم، واستغلوا العزلة المفروضة عليهم لبناء مجتمعهم المسلم، والمحافظة على دينهم والذي شكل ذلك نوعا من المقاومة ضد الاستعمار الهولندي. وتضرب مثالا على ذلك الصمود، والمقاومة ما تفعله المسلمات في المجتمعات الأوروبية الديمقراطية من تشبث بالحجاب حيث الذي يشكل نوعا من المقاومة لما تريد فرضه تلك الدول على المسلمات من قمع، وفرض الوصاية عليهم في لباسهن الذي هو تعبير عن الهوية الإسلامية لهن.

وتنتقل ديفيدز للحديث عن التعليم الإسلامي في جنوب أفريقيا الديمقراطية أي ما بعد التحرر من نظام الفصل العنصري. حيث ازدادت أعداد المدارس الإسلامية كاملة الدوام تمييزا لها عن المدارس التي تعلم القرآن الكريم وبعض العلوم الإسلامية بشكل جزئي. وتناقش بالتفصيل الآثار التي ترتبت على زوال نظام الفصل العنصري، والذي مكّن المسلمين من بناء مدارسهم وتأسيسها ضمن المنظومة التعليمية للدولة، ولكنها تقر أيضا بأن المدارس الإسلامية لاتزال تواجه تحديات كبيرة في ظل ظروف جديدة. فالمسلمون لم يستطيعوا الخروج من العزلة التي فرضها عليهم النظام العنصري. والمطلوب منهم أن يكونوا أكثر تفاعلا مع المجتمع المحيط والانخراط في الحياة العامة كما يرى شهيد فاودا، وفي نهاية الدراسة تقدم ديفيدز رؤية إسلامية ناضجة للتعامل مع الفضاء العام، والإنسانية انطلاقا من رؤية القرآن الكريم للعلاقات الإنسانية. فالتعارف والكرامة الإنسانية لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض، إذ أن الاختلافات التي أودعها الله في البشر لايجب أن تكون عوامل تفرقة من خلال رؤية “استكبارية” نحو الآخر، بل الوعي الحقيقي بأهمية التعارف وبناء العلاقات على أسس تحترم الإنسان دون اعتبار لخلفياته الإثنية، والدينية والعرقية.

في الفصل الثاني سياقات الأمل في مجال التعليم العالي نجد دراسة معلا سلجوق وعنوانها

قوّة الأمل والتعليم القادر على التغيير: كيف تصوغ رؤية تعليمية من خلال أسماء الله الحسنى

وتبدأ دراستها بسرد شيء من حياتها وأثر الأم على صياغة شخصيتها، فمن خلال قصة علاقتها بأمها شبه الأمية أنموذج المراة المسلمة التي تقوم على رعاية ابنائها من خلال الاستماع إلى قصصهم اليومية فتكون بذلك سبيلا لبث الأمل في النفوس. فهي بحكمتها الفطرية ترى العلاقة مع الله سبحانه وتعالى من خلال ترداد اسم “الفتاح” في مواجهة معضلات الحياة، فإنها وبطريقة غير مباشرة تكون قد غرست في نفوس أبنائها الأمل بالله. فهو سبحانه مفتاح كل خير، وسبب كل سعادة، وهو من يذلل الصعاب، وينفث في روع المؤمن ما يحتاجه للثبات في مواجهة الحياة ومشكلاتها الكثيرة.

هذه العلاقة الحميمية مع الله سبحانه وتعالى، جعل الباحثة ترى الأمل من خلال الوعي الحقيقي بدورها كمعلمة وباحثة، وقبل ذلك طالبة معنية بالأدوار الكبرى للمسلم في الحياة. فهي لا تنفك تعيد البوصلة للتعليم والتربية إلى مصدره الأساس، وهو التصور الإسلامي الصحيح للحياة ودور المسلم فيها. وهي بذلك تطوّر رؤية وفلسفة تعتمد القرآن الكريم، و السنة النبوية الشريفة، وسيرة المصطفى منطلقا لتلك الفلسفة، وترى في المعلم المؤمن برؤية قرآنية نبوية، أملا في تعليم، وتربية توصل الفرد إلى تحقيق أمنيات الشخصية، وأهداف الأمة. فالمعلم الذي يعايش يوميا مشكلات، ويواجه تحديات يحتاج إلى من يقف معه. فالإحباط و التراجع، والانسحابية واردة. ولكنها تقدم للمعلم ومن خلال قراءة جميلة وشاملة لحياة النبي العظيم إبراهيم عليه السلام، الأمل في البقاء والتشبث بالأمل.

ولا تغفل الباحثة دور المعلم في تطوير المناهج، فهي ومن خلال التدريب الذي تمارسه كجزء من متطلبات الدراسة في جامعة أنقرة، تريد أن ترى معلما متمكنا من المهارات الأساسية، قادرا على أن يستلهم من رؤيته للعالم دوره في تطوير قدراته ومواهبه. ولذلك تطرح سؤالا مهم وهو

” ماهو الأثر المحتمل لأي تحول في المنظومة التربية الدينية، بحيث يكفل تزويد المعلمين المتدربين بالقدرة، والمعرفة اللازمة للتعاطي بصورة تامة مع رسالة القرآن بحثا عن الهداية، الرشاد في سعيهم لصياغة حياة هادفة ذات مغزى لهم ولطلابهم”ص79.

وقيمة هذه السؤال كبيرة جدا لمن عمل في ميدان التربية وتدريب المعلمين، فهذه الأهداف الكبرى لصياغة شخصية معلم متجاوز لحدود مفروضة عليه من المؤسسات الرسمية ليكون مجرد ناقل للمعلومة، أو منمذجا للمهارة، إلى تقديم تدريب وتعليم يرتقي بالمعلم ليكون هاديا، ومرشدا من أجل حياة ذات غايات عظيمة تنسجم مع الغاية العظمى من خلق الله سبحانه للإنسان.

قدمت الباحثة نموذجا أسمته نموذج الوضوح المفاهيمي ويقوم على خمس مراحل هي: التأمل في الوضع الراهن، واستكشاف العلاقة بين النص والسياق، والتأمل في مستوى التطورالشخصي، والتأمل في الصالح العام، ودمج المحتوى مع التربية الفاعلة. وناقشت الباحثة كل مرحلة من المراحل التي تمثل منظورا متكاملا يصل بالطالب إلى مجموعة من النتائج المهمة. حيث قدمت تحليلا لكل مرحلة من خلال نموذجها القائم على استخدام اسم ” الفتّاح” من أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين المعروفة للمسلم.

هذا النموذج يمثل حالة تطورية لدى الطالب من حيث علاقته بما سيتعلم. فهو ينطلق مما لديه من مفاهيم، ومشاعر، وخبرات تخص ما ستتم مناقشته، ثم يتطور الأمر إلى الوعي بالعلاقة بين النص والسياق. المقصود هنا بالسياق تلك الظروف التاريخية التي جاء خلالها النص، وكذكل السياق الداخلي أي علاقة النص بغيره، بحث يتفهم الطالب تغير الدلالات بسبب السياق. ومن خلال الحوار يتم تصنيف العقائد والممارسات التي خضعت للظروف التاريخية. و ترى أن “إدراك النص يجسّد الخلفية والأفق للخروج بمنظور أعم عن المعرفة الدينية وقيمها، بما في ذلك الأسس الأخلاقية، وإدراك الارتباط بين الماضي والحاضر والمستقبل عند التعاطي مع النص وتعليمه” ص 82. أما في المرحلة الثالثة وهي التأمل على المستوى الشخصي، حيث يطرح الطالب على نفسه سؤلا ذا دلالة مهمة وهو ماذا يعني هذا كله لي على المستوى الشخصي؟ فهو بذلك السؤال يربط بين الذات والمعنى، وذلك الفعل مهم جدا لأن التربية الدينية ليست مجرد معلومات، بل معاني لها قيمة مهمة في حياة المسلم. أجمعين.

تنتقل الباحثة للحديث عن الدراسة التي تقوم على منهج دراسة الحالة. إذ اختارت الباحثة اسم ” الفتّاح” وعلاقة ذلك بالأمل لتطبق ما تحدثت عنه آنفا في المراحل الخمس المذكورة أعلاه. وكان للطلاب دور أساس في تلك العملية من خلال تقديم عروض، وفتح أبواب النقاش الجماعي. ولأن المرحلة الأولى تبدأ بالفرد وعلاقته باسم “الفتّاح”، فقد تم عقد جلسات تأمل وقراءات جماعية ، وتلا ذلك عقد ورشتين لاستكشاف قوة الأمل بحضور ضيفين من ذوي الخبرة الطويلة، والتمرس في التعليم أحدهما مسلم والآخر مسيحي. لموضوع الأمل الذي لا يقل أهمية عن مفهومي الحب والإيمان في المنظور المسيحي. وفي المرحلة الثانية التي تتعلق بالسياق وعلاقته بالنص، تم الكشف عن علاقة مهمة بين النص القرآني والسياق العام، فطرحت خلال النقاش أسئلة من مثل: ما الذي عني به القرآن الكريم عناية خاصة في قضية الأمل؟ وما الأسس التي يقوم عليها فهمنا للأمل في سياق القرآن؟ تعلّق الباحثة على تلك الحوارات مع الطلاب فتقول ” ونتعلم من القرآن الكريم أن هناك دائما بصيص أمل حتى في أحلك اللحظات، وفي وقت الشدة والألم، وانطلاقا من هذه الرؤية القرآنية، استطاع الطلاب التدبر في النص والسياق من عدة زوايا. وتنقل بعض ماقاله الطلاب حول هذا الموضوع، وهي مقولات تشير بوضوح إلى عدة أمور منها أن الأمل هو استسلام الروح لله، والأمل ليس مجرد توقع بسيط بل ارتقاب مفعم بالإيمان والصبر… (ص87-88).

 

إن دمج المحتوى مع التربية الفاعلة أمر بالغ الأهمية كما تقول الباحثة لأنه يترك أثرا مهما ومستداما على حياة الطالب ومن ثم المجتمع، “من المفترض أن يكون لدى المتدربين من معلمي التربية الإسلامية إلتزام صارم تجاه الإسلام، ويؤكده منظور أخلاقي وروحي صارم” (ص95).

أما في الجزء الثاني نجد دراسة بعنوان انصهار الآفاق: دراسة حالة لنموذجتربية الأمل القادر على التغييرلتمكين مسلمات ماليزيات للباحثة سهيلة حسن

في هذه الدراسة نجد توظيفا لمفهوم الأمل من أجل التمكين، وهذا النموذج مخالف لكل النماذج التي يقدمها الفكر النسوي الذي يزعم أنه يقدم روئ “حداثية ” لتمكين المرأة. ففي مقدمة الدراسة تتناول حسن موضوعا مهما عن علاقة العولمة بالنهوض والتحديث، وهي أن للعولمة مثالب تقلل من أن يكون لها دور حقيقي في فتح آفاق حقيقية للتمكين والتطوير في المجتمعات المسلمة. ولذلك فهي تدعو إلى اتخاذ النموذج النبوي للتطوير، والابتعاد عن الجمود الفكري

وعندما نقارن بين أوضاع المسلمين اليوم وأوضاعهم في بدايات الإسلام، نجدها تقدم صورة لواقع أليم، وتقدّم التعليم نموذجا واضحا على الفرق بين المرحلتين. حيث نجد اليوم ومنذ بداية عصور الاستعمار تعليما متأثرا بالعولمة التي تهدم الهوية، وتخلخل البنى الثقافية للمجتمعات المسلمة، “فالمسلمون المعاصرون يتعلمون في المدرسة ومع ذلك، فإن طريقة التعليم و التعلّم مشوبة بأوجه قصورفي عدد من النواحي، وتقوم للأسف على التلقين بدلا من البحث والاستقصاء النقدي واكتساب مهارات التفكير المنطقي في سياق المعرفة الدينية..” ص102. كما أن دور الاستعمار في خلق نظم تعليمية تقوم على الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي جعل المتعلم المسلم يعيش حالة من “الانفصام” في تعاطيه مع التعلم والتعليم.

دراسة حالة

تقدم الباحثة دراسة حالة لخمس فتيات مسلمات قامت بها كباحث رئيس مع طالبة في الدراسات العليا. وهدف الدراسة إمكانية تفعيل تربية الأمل القادر على التغيير في أحد صفوف الدراسات العليا. حيث قامت الطالبة بتدريس مدة سبعة أسابيع من مقرر تدرسه الباحثة الرئيسة و مدته أربعة عشر اسبوعا. واختارت الأسبوع الخامس ليكون موضوع الدراسة. قام منهج الدراسة على إجراء حوارات صفية لإبراز التطورات والتغيرات التي حدثت من وجهة نظر الطلاب، وجرى تفعيل فكر فريري عن الحوار داخل القاعة الصفية. كما قامت الطالبة الباحثة بإشراك الطلبة في عملية التوعية، واستخدمت منهج الملاحظة، وتحليل الخطاب ورصد الملاحظات ثم تحليلها وفق منهج “التثليث” وهي طريقة تستخدم مناهج متعددة والتحليل المتقاطع للبيانات والاستنتاجات. (ص117). واختارت الطالبة موضوع حقوق المرأة لدراستها. ورصدت الباحثة أراء الطالبات المشاركات من خلال مناقشة موضوعي الأمل القادر على التغيير ودور المربي الناقد. وخلصت الباحثة من خلال آراء الطالبات إلى أن ثقافة المجتمع وتقاليده هي التي تحدد أدوار المرأة، كما أن المجتمع يحدد للمرأة ممارساتها الاجتماعية حتى اصبحت تلك التقاليد الثقافات أمورا بدهية في المجتمع. ورغم الاختلاف بين الطالبات حول بعض ما تم طرحه، إلا أن الباحثة الميسرة استطاعت التقليل من آثار تلك الاختلافات من خلال الحوار، والتواصل وتفهم تلك الاختلافات. وضربت مثالا على موضوع حواري وهو التبرج والاحتشام، وكيف تم الاتفاق على أن فكرة مهمة وهي احترام وجهات النظر المختلفة دون تحيز ثقافي أو تحيز معزز حتى لا يكون ذلك معوقا لفهم مقبول.

 

وفي الفصل الثالث هناك دراستان أولهما: التطوير المهني في فلسطين: الأمل رغم كل شيء. إلهام ناصر وبسام أبو حمد وسليمان مليحات.

قدّم الباحثون مراجعة لدراسات حول علاقة الأمل بالعمل وعلاقة ذلك بمعدلات الرضا الوظيفي وتحقيق النتائج الإيجابية. ومن تلك الدراسات دراسة يوسف ولوثانز (2004). حيث وجد الباحثان أن “الأمل حالة تحفيزية يحددها التفاعل بين عوامل ثلاثة هي: الأهداف، و القدرة على التصرف باستقلالية، وتحديد المسارات المناسبة” (ص 132). .

ويرتبط الأمل كذلك بعملية تدريب المعلمين، حيث يرى الباحثون أن ذلك يساعد في تحسين الممارسة المهنية للمعلمين، وتحسين حياتهم ورفاهيتهم بشكل عام. كما أن الأمل عنصر مهم في التغيير كما رأينا في دراسات تقدم ذكرها في الفصول السابقة. ولأن الدراسة تم تنفيذها في فلسطين (غزة والضفة الغربية)، فإن لظروف هاتين المنطقتين في فلسطين أثرا كبيرا على نتائج الدراسة، حيث نجد أن الاحتلال ومممارساته اليومية تتدخل بشكل مباشر في سير الحياة اليومية للفلسطينيين، فضلا عن ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة.

والدراسة التي بين أيدينا أتت لتقييم برنامج لتدريب معلمي الروضة قامت عليه مجموعة المنظمات الأهلية المحلية والأجنبية. وهدفت الدراسة التي بين أيدينا إلى “تبادل المعرفة المكتسبة من برنامج تطوير مهني شامل وضعته إحدى المنظمات الأهلية، واشتمل على إعادة تأهيل مدرسين وتجديد المدارس إلى جانب برنامج التدريب المهني و الإشراف باستخدام نموذج محدد، وهو نموذج متفرد يختلف عن غيره من النماذج المعمول بها في المنطقة، إذ هو برنامج طويل المدى يستثمر في القرى المهمشة، والمجتمعات النائية البعيدة عن الاحياء الكبرى في غزة و الضفة الغربية” ص 135.

أما منهج الدراسة فهو مزيج من المنهجين الكمي والنوعي، باستخدام عدد من الأدوات لجمع المعلومات مثل لائحة فحص للملاحظات القبلية والبعدية باستخدام مكونات مقياس تقييم الفصول المطوّر في أمريكا بشكل يناسب السياق الفلسطيني، وتم التركيز على مجالات وهي التفاعل مع الأطفال، الاستراتيجيات التعليمية والبيئات الصفية. وهذا الاختيار حكيم وذكي نظرا لطبيعة الاختلافات بين السياقين الامريكي والفلسطيني. ومن تلك الأدوات أيضا النقاشات الجماعية المركزة واستبانة ذاتية.

شملت الدراسة عشرين معلما من الضفة الغربية وواحد وعشرين من قطاع غزة من إجمالي مائة معلم شاركوا في البرنامج التدريبي، وقام اثنان من الباحثين بتسجيل الملاحظات قبل التدريب وبعده، وهما من قاما بنتفيذ مجموعات التركيز أيضا. وتم إجراء نقاش مستفيض لتحديد عناصر الدراسة والاتفاق عليها. وتبين أن الباحثين اتفقا بنسبة تصل إلى 95% مما سجلاه. وبعد ذلك تم إجراء تحليل كمي لمقارنة النتائج القبلية والبعدية، وكذلك تحليل لنتائج مقاس تقييم الفصول الدراسية في ثلاثة مجالات هي: التفاعل مع الأطفال، واستراتيجيات التعليم، والبيئات التعليمية. وكانت نتائج ثبات الاستبانة مرتفعة جدا.

أما في المجال الثاني وهو الاستراتيجيات التعليمية، فقد كانت نسبة التحسن في غزة أقل منها في الضفة الغربية. ولم يقدم الباحثون تعليلا لهذه الفروقات. أما في مجال الاستراتيجيات التعليمية فقد ظهرتحسن في العلاقة بين المعلمين والأطفال، وتغييرا في أساليب التربية لدى المعلمين بشكل إيجابي. وفي نهاية الدراسة قدم الباحثون مجموعة من النتائج والتوصيات المناسبة. منها أن التدريب يحدث فرقا ملموسا لدى المعلمين والمعلمات في التعامل مع الأطفال، وأوصت الدراسة بمواصلة توثيق الاثر وإبرازه من خلال دراسات المتابعة و التوسع في استيعاب مدارس أخرى.

في الدراسة الثانية من الفصل الثالث تقدم نور الببلاوي موضوعا مهما عن الثقافة التعليمية في المدارس الحكومية: الإصلاح سبيل لإقامة العدل في التعليم.

في مقدمة دراستها تناولت الباحثة الخطة الاستراتيجية القومية والتي جاء تطوير التعليم في مصر جزءا منها. وهذه الخطة التي بدأت عام (2007) تقوم على تمكين الطلاب من المهارات التعليمية القائمة على منهج جديد تأسس على الذكاءات المتعددة بهدف ” التحول إلى منهج يقوم على دمج التفكير رفيع المستوى في الممارسات التعليمية، والتركيز على الطالب تركيزا شاملا يُعنى به من كل الجوانب” (ص 163). ونظرا لعدم تحقق فرص التكافؤ في التعليم بين طلاب المدارس الحكومية والخاصة، فقد كانت الاستراتيجية تنشد العدل وإصلاح المنظومة التعليمة أملا في تطوير قدرات المعلمين من خلال التدريب والتطوير المهني. لكن كما تذكر الباحثة فقد فشلت الخطة لأسباب منها البطء في التنفيذ، ووجود معارضة مجتمعية وكذلك معارضة المعلمين للتغيير. ولعل من المفيد تذكير القارىء هنا بأن المحاولات الإصلاحية للتعليم في عدد من البلاد العربية قد توجهت إلى الإصلاح لتحقيق نفس الأهداف ( تزويد الطالب بمهارات القرن العشرين، التركيز على التفكير الناقد وتشجيع الحوار والتفاوض و نشر التسامح). ويمكن العودة إلى تجارب كل من قطر والاردن ومصر وعدد من دول الخليج ليرى أن تلك الأهداف هي المحرك و المحفّز لتطوير المناهج ووضع معايير التعلم وتدريب المعلمين، ورفع مستوى المهارات الأساسية في القراءة والكتابة. وفي ذات الوقت أدعو القارىء لمراجعة تلك التجارب التي مضى على بعضها أكثر من عقدين من الزمن، وتلك التي مضى عليها سنوات أيضا، ليرى نتائج تلك الإصلاحات على أرض الواقع، وليتعرف على آراء الباحثين في تلك الخطط الإصلاحية. ولكوني كنت شاهدا على ثلاث تجارب في دول عربية، أقول بأمانة أن الجهوذ التي بذلت، والأموال التي أنفقت لم تؤد إلى النتائج المرغوبة، بل إن بعض الدول تراجعت عن تلك الخطط ، وعادت أدراجها إلى نظمها التقليدية. ولست في مقام تقييم تلك التجارب، ولكن هو رأي أقوله استنادا إلى خبرتي في هذا المجال.

منهج الدراسة

استخدمت الباحثة بروتوكول المقابلات الشخصية لأنه ” يتيح إجراء نقاش مفتوح بين الباحث و المشارك”. وقامت بتعديل البروتوكول ليناسب البيئة المصرية، فحذفت بعض الأسئلة واضافت أخرى. وقامت بتقسيم المقابلات إلى مرحلتين حيث تم تدوين الملاحظات، وفي الخطوة الثانية قامت بتسجيل تصورات المعلمين مباشرة عقب زيارتها للفصول الدراسية. وقامت بعد ذلك بتحليل البيانات التي جمعتها، ووصلت إلى نتائج أهمها ان “هناك عقبات في وجه تفعيل الذكاءات المتعددة بسبب ثقافتهم التعليمية الراسخة وكذلك الطباع والعادات العقلية. إضافة إلى أن أنظمة التواصل الخاصة بالمعلمين و البيئة داخل القاعات الدراسية، اعتمدت على طريقة تقليدية في التعليم و التعلم تتمحور حول المعلم، وقد اسفر عن هذا بيئة من المتعلمين السلبيين الذين يفتقرون إلى المبادرة والثقة في قدراتهم التعليمية” ص (170).

قامت الباحثة بتقسيم نتائج التحليل حسب ثلاثة محاور هي العادات العقلية التلقينية مقابل طرق التدريس التفاعلية، و توقعات الآباء، و الإدارة الذاتية للطلاب.

وفي مناقشتها للبيانات رأت الباحثة أن لدى المعلمين رغبة في تطوير قدراتهم أملا في تحقيق أهداف التعليم والتعلم. ولذلك فهي توصي بتطوير برامج التطوير المهني للمعلمين ليشمل الطرق الحديثة في التعلم، وتصحيح تصوراتهم الثقافية. وكذلك الحال بالنسبة للآباء فإن إشراكهم في مناقشات حول الطرق الحديثة في التعليم والتقييم ضرورية لتغيير نهجهم القائم على التفكير المحدد الذي يضع الدرجات و”المجموع” في مستوى أهم من المعرفة والمهارة.

أما في دراسة بث الأمل في المراحل التعليمية من الروضة حتى المرحلة الثانوية: نجد دراسة لأندرياس كرافت بعنوان المستقبل الإيجابي والأمل في حياة فضلى: نهج متداخل التخصصات لتصور عالم مزدهر مستدام.

يبدأ الكاتب بتقديم خلفية عن رؤى الشباب وآمالهم، ويقوم بمراجعة لبعض الدراسات التي تناولت أحلام الشباب من الأجيال الجديدة. ووجد الباحث أن الرؤية العامة للشباب تتسم بالسلبية تجاه المستقبل. فهم في ذلك قَدريون ومستسلمون يرون الحياة تسير بهم دون أن يكون لهم قدرة على التغيير. وهناك تباين في تلك الرؤى، فمنها ما يخص الحياة الشخصية التي تتركز على بعض الرغبات في حياة مستقرة وسلام داخلي، ورغبة في رؤية عالم أكثر أمنا وسلاما. أما على المستوى العام، فإنهم يأملون ببيئة مستقرة، ورفاه اجتماعي ومزيد من الشعور بالانتماء. وعندما يتعلق الأمر بأحلامهم فإن اهتمامهم ينصب على التماسك الاجتماعي، والترابط الأسري، والبيئة (ص 184).

يقدم هذا المحور منهجية للطلاب في المدارس الثانوية تقوم على وضع سيناريوهات إيجابية للمستقبل لهم وللعالم من حولهم. ويرى أن الدراسات المستقبلية وعلم النفس الإيجابي يمكن أن يقدما للطلاب الكثير لبناء الأمل. وجعل الباحث العنوان الرئيس لمنهاجه المقترح يقوم على فكرة “المستقبل الإيجابي”، وسماه ” الأمل في حياة فضلى”.

وعن دور المدارس والتعليم في إيجاد مستقبل أفضل يتحدث الكاتب عن مهمة شباب اليوم الذين سيكونون رجال الغد، ويرى أن مدارس اليوم تهتم بالماضي والحاضر ولكنها لا تهتم بالمستقبل، ويقرر أننا لن نستطيع تغيير الماضي، ولكن بإمكاننا بناء مستقبل أفضل. ويشدد على أهمية الدراسات الاستشرافية والمستقبلية.

ولتحقيق غايات التعليم، يرى الباحث أن علم النفس الإيجابي يمكن أن يقوم بدور مهم في تطوير تعليم إيجابي، لذلك يسعى لجعل التعليم للمستقبل مبنيا على بناء حالة من التفاؤل الذي يوفره علم النفس الإيجابي. فبرأيه فإن هذا العلم “تخصص يدرس بصورة علمية الحياة الجيدة، ويستند في هذه الدراسة على علم النفس الإنساني، ويتناول النظرية، والبحوث، والممارسات المتعلقة بالسؤال عما يجعل الحياة جديرة بالعيش، ولا ينفي وجود مشكلات في هذه الحياة… ويركز على الجوانب الإيجابية في الحياة، وعلى التجارب الرائعة، وعلى النواحي التي تستحق الامتنان، وعلى الخير الذي ينزل بنا كل يوم” (ص 193).

وللأسرة دور مهم في إعداد الطالب من خلال تنشئة سليمة تنسجم مع ماتريده المدرسة، وكذلك الحال بالنسبة للبرامج المعدة بعناية للتوعية والتنمية الإيجابية.

وللتعلم من أجل المستقبل عند روجر وألن توف (1996) عدة أبعاد منها: (1)البعد المعرفي و(2)البعد العاطفي و(3)البعد الوجداني و (4) التمكين و(5)التحرك والعمل. هذه الأبعاد تتسق مع مفاهيم الأمل التي تتسم بأبعادها المتعددة أيضا. فالأمل يتضمن مفاهيم معرفية، وعاطفية ووجدانية، واجتماعية، وثقافية ،وروحية.

ونرى أن هذه الدراسة وما تقدمه من مقترحات علمية لتوظيف علم المستقبليات وعلم النفس الإيجابي في التعليم، فرصة لتطوير ما قدمه الباحث من قبل الدوائر والمؤسسات التعليمية المهتمة بتطوير التعليم الذي لايتوقف عن اللحظة الحاضرة، بل ينطلق بالطلاب وينقلهم إلى التفكير بالمستقبل بشكل علمي مخطط ومدروس.

في الدراسة الثانية يتناول شير افغان نارين موضوع الأمل ودوره في بناء علاقات تعاطف في التعامل مع البشر والآلات: الإدراك الوجداني والتعليم الإسلامي في أمريكا الشمالية.حيث يدرس العلاقة بين التكنولوجيا والتعليم الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية. ويبدأ الباحث بمقدمة مهمة تتناول فيها قصة أم تترك عملها في قطاع التكنولوجيا لتدريس أبنائها في البيت، بسبب ما تراه من عنصرية تجاه أبناء المسلمين في المدارس الحكومية. حيث تم رفض ابنها الذي تقدم للإلتحاق ببرنامج الموهوبين في منطقة تعليمية كبيرة تضم ما يقرب من 46% من الطلاب الذي يأتون من أقليات عرقية.

وعرض الباحث من خلال دراسات سابقة لوضع المدارس الإسلامية التي تعلم المنهاج الرسمي بالإضافة إلى تعليم الدين، واللغة العربية، وكذلك وجود أنشطة إسلامية كوجود مصلى في المدارس للصلاة، وتعلم القرآن الكريم. ويعتقد الباحث بأن المراهقين المسلمين يتعرضون إلى حصار من خلال برنامج خفي غير مرئي. ويطرح سؤالين مهمين هما: ما الذي يجعل الكمبيوتر، وهو تقنية يُفترض بها أن تربط بين الناس من شتى أنحاء العالم، أحد عوامل التمييز العنصري؟ و كيف يستعيد النموذج الإسلامي للتعليم الأمل من جديد في بناء مجتمع شامل لا يقصي أحدا؟ (ص 222-223).

 

ينتقل الباحث للحديث عن دراسته فيقول ” ودراسة الحالة التي بين أيدينا هي عبارة عن مدرسة إسلامية للمرحلة الابتدائية حتى الصف الثامن، تديرها النساء في الأغلب. و تعتمد على عمل ميداني جرى في فصلي الخريف والربيع من العام الدراسي 2019-2020. حيث تجمعت البيانات من ملاحظات المشاركين، و مقابلات شخصية غير مهيكلة مع الإداريين وأعضاء هيئة التدريس” (ص223).

تربية الرحمة

من القضايا المهمة التي يطرحها التعليم الإسلامي في أمريكا، استناده إلى تراث الإسلام في بناء العلاقات الاجتماعية من خلال التعليم. فالتعليم ليس منعزلا عن المجتمع. ومن خلال ملاحظاته، رأى الباحث كيف توظّف المعلمات المهنية والذكاء العاطفي في الصف. فمن خلال تجاوز التعليم من التلقين وتنفيذ الفروض الصفية، ووجد أن الحوار والتساؤل لهما علاقة مباشرة بالمشاعر الإنسانية، حيث يتقبل الطلاب بعضهم بعضا رغم الاختلافات الطبيعية بينهم. ولأن هناك قوى معينة تحاول فرض العزلة التهميش على المسلمين، فإن الفهم الإسلامي ومن خلال مقررات تقدمها المدرسة عن الفكر الإسلامهي وتنويعاته، واختلافاته تساعد الطلاب على دحض الافتراءات التي تنشر عن أن المسلمين ضد مظاهر التحضرأوالديمقراطية أو أنهم أنهم بطبيعتهم يميلون إلى التطرف (ص240). وهذه الرؤية لفكر وسطي إسلامي ضروري ومهم لتنشئة المسلم المنفتح على الآخر دون الابتعاد عن هويته. ويطمح الكاتب في ختام بحثه في أن يستطيع الشباب المسلم ومن خلال التعليم الإسلامي، أن يتوجه نحو إقامة علاقة ثلاثية الأبعاد، تضم العنصر البشري و غير البشري ممثلا في البرمجيات الرقمية، وإقامة علاقات قوية مع الله سبحانه وتعالى تستشعر وجوده في الحياة وبه يتغلبون على مشاعر القلق والخوف، وهذا ما شاهده الباحث.

والدراسة الثالثة جاءت بعنوان الدراسات الدينية الواعية والرامية لإيجاد هوية شاملة لدى الشباب المسلم للاستاذة عفيفة سيد مديرة أكاديمية الفاتح في شمال فرجينيا.

في هذا المحور تتناول عفيفة سيد دور الدراسات الدينية في غرس الهوية لدى الشباب المسلم. وترى سيد أن غرس الهوية يبدأ في مراحل مبكرة من التعليم المدرسي و التربية المنزلية. ولا يمكن للتعليم أن يكون ذا قيمة مالم يحمل معنى للحياة، أي أن يكون التعليم معنويا.

تتناول سيد موضوع الهوية لدى الشباب المسلم من خلال طرح مجموعة من الاسئلة وتعتبرها جوهرية من مثل: من أنا؟هل للإسلام معنى ومغزى لدي؟ كيف أصوغ رؤيتي للعالم بما يتفق مع ما جاء به الوحي؟ ما السبيل إلى التزام المنهج النبوي في الحياة والاقتداء بسنتّه؟ وكيف أجمع بين هويتي الإسلامية والأمريكية؟ وفي هذا المحور سيتم توظيف “يوظف هذه الأسئلة الجوهرية، وسبل تأثير الإيمان العميق في القلب والنفس، ليتبين لنا دور التربية القائمة على الدراسات الدينية التفاعلية و الجذابة، والمتجاوبة مع حاجات المسلمين أن تكون حافزا للأمل والتفاؤل لدى الأفراد و المجتمعات على حد سواء” (ص 246).

ولاختبار ما تفضلت به الباحثة، فإنها قامت بدراسة حالة لأكاديمية الفاتح التي أسست عام 1996 في مقاطعة لاودن في فرجينيا. وقبل أن تنطلق في دراستها، قدمت موجزا أو ما أسمته إطلالة على التعليم الإسلامي في الولايات المتحدة.

تقدم عفيفة لمحة عن أكاديمية الفاتح التي تقدم خدماتها للمسلمين في مقاطعتي فيرفاكس ولاودون في فرجينيا. وتطرح سؤالا مهما ايضا وهو: ما الذي تقدمه المدرسة الإسلامية للتعليم الديني للطلاب ولا يجدونه في المدارس الحكومية وهل يُنتظر منها أن تلبي التوقعات بشكل يفوق غيرها من المدارس المجتمعية العادية؟

وتناقش أيضا مفهوم الهوية كحالة تطورية وديناميكية. فقد يكون المفهوم واضحا لدى الهيئات التي تدير المدرسة والمعلمين، ولكنها غير مفهومة لدى الطلاب. ولذلك لابد من بذل الجهد لتحديد قسمات تلك الهوية، بحيث تحقق المدرسة أهدافها. وتدعو سيد المدارس الإسلامية إلى صياغة متطلبات بناء هوية أمريكية إسلامية.

وتقدم مقترحات لتطوير أساليب التعليم منها الاهتمام بالمكان المكان فعلاقة الفرد بالمكان ليست عابرة، ولا هامشية أيضا. فالمكان ليس مجرد جغرافيا يعيش عليها الفرد بل هي أيضا ديمغرافيا، يتعامل فيها الفرد مع الناس من حوله، لذلك تعتقد سيد أن التعليم المرتبط بالمكان “يربط الطالب بواقعه الذي يراه كل يوم، ويساعد في بناء علاقات فريدة من نوعها مع ما يحدث من حوله أو ما وقع بالفعل” (ص253).

و في الجزء الخاص بالتعليم الديني في المدارس الإسلامية من الدراسة تتناول الباحثة ما الذي يجب فعله لتطوير التعليم الديني، وترى أنه يجب أن يخرج من عباءة التعليم التقليدي إلى تعليم يهتم بالأثر ويكون من خلال إطار تكاملي إضافة إلى إيجاد خيط روحي يجمع العناصر السابقة ويضعه ضمن منظومة إسلامية، ترتقي بالموضوعات المتعلمة. وحتى ينسجم التعليم الديني مع الهوية لابد من الترابط والاتصال بمكونات مهمة مثل العلاقة بالله سبحانه وتعالى، الارتباط بالحياة اليومية، النظر إلى الشعائر الدينية على أنها أدوات تكفل السلامة العقلية والبدنية والروحية، واكتساب المرونة والتحمل.

أما في موضوع الثقافة المدرسية وأهميتها في تشكيل الهوية/ التربية الدينية فتدعو إلى استخدام

المنهج التكاملي لأنه قائم على أساس متين في التعامل مع قضية التعليم الديني يجب أن يكون مدعوما بثقافة مدرسية محيطة به. وتشير إلى تبلور تلك القيم في المدرسة محل الدراسة، حيث نجد وضوح قيم مثل النية، والخلق الحسن والأخوة الإسلامية، ودور الجماعة في بناء علاقات ممتدة عبر الأسر والجيران، وكذلك قيم السكينة، والسلام، والعلم والعمل، والأمانة، والخلافة. هذه القيم التي تركز عليها المدرسة ستكون عوامل مهمة في تغيير نظرة الطالب المسلم لذاته ودوره في الحياة، وتعميق علاقاته بالناس من حوله، ومعرفة الغايات العليا لوجود، وتطوير رؤية للعالم قائمة على مفاهيم إسلامية وقيم مستمدة من مصادر الإسلام.

تختم الباحثة دراستها بالتأكيد على أهمية المدارس الإسلامية في بناء الهوية الإسلامية للطلبة، من خلال وضع معايير خاصة بها تحدد غاياتها ومقاصدها وقيمها ورسالتها، وتنخرط في المجتمع المدني، وتصبح محضنا يبني الهوية وينمي التفكير ويطور العقول. ولايمكن – كما تعتقد- بناء هوية في الفراغ، أو بالتلقين والحفظ، بل لابد من وجود منهج هادف ينمي العلاقات البينية والخارجية، ويزود الطلاب بالعلم النافع

في الفصل الخامس يقدم كل من شيلي وونغ وتايرون بيتس تأملات نقدية ختامية بعنوان آفاق الأمل في تطوير التعليم في القرن الحادي والعشرين: الدفع بالحوار إلى الأمام

في مقدمة مقالتهما المشتركة يقدم هذان الباحثان المسيحيان والمقيمان في الولايات المتحدة الأمريكية مشاركة لهما وهي كما ذكر في المقال عبارة عن حوار عن آفاق الأمل مع الباحثين في هذا الكتاب ويدور حول التعليم في المجتمعات المسلمة، والمؤسسات التعليمية، وشتى مجتمعات العالم. ويستعرض الباحثان ما تعرض له المسلمون والجاليات الإسلامية في الغرب من أشكال التمييز ضدهم في الماضي والحاضر.

وعن علاقة الأمل بالتعليم الإسلامي نجد أن “أهمية التعليم في تعزيز الأمل بين المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، ترتبط ارتباطا لا ينفك بالكفاح من أجل الحرية، الذي خاضه الأفريقيون الأمريكيون وغيرهم من أصحاب البشرة الملونة..” (ص282). وفي المقالة إشادة كبيرة بدور المسلمين في الولايات المتحدة بالنضال من أجل الحرية ومقاومة الفصل العنصري في أمريكا.

ينتقل الباحثان لمناقشة البجوث الواردة في الكتاب، من خلال ما أسموه أبحاث الفضاء الثالث، وبث الأمل في التعليم. والفضاء الثالث عرّفه هومي بابا بأنه المشروع الفكري الذي “يتخيل فيه رعايا النظام الاستعماري السابقين نظاما اجتماعيا مختلفا في منعطف تاريخي فارق للإنفكاك عن أغلال العبودية، واستلاب الإنسانية التي فرضها الاستعمار (ص285). ولعل اهتمام الباحثين بموضوع الحرية، والوقوف ضد القهر والاستعمار هو ما يجعلهما يقدمان رؤية تقدمية تناهض ذلك الاستعمار والظلم. حيث إن الأبحاث المقدمة في الكتاب تقدم صوتا للمعلمين ونصحا لهم ليكونوا أكثر تفاعلا مع الواقع، والوقوف ضد سياسات القمع خاصة في فلسطين حيث يحاول المحتل الصهيوني القضاء على الأمل في نفوس الفلسطينيين.

كما يقدم الكاتبان رؤيتهما للكتاب فهو يقدم رؤية استشرافية للتعليم في المجتمعات المسلمة، وهي رؤية تقوم على بث الأمل من خلال فهم واقع المجتمعات، وبناء تلك الرؤية على فهم إسلامي صحيح لهذا العالم. وقد ربط مؤلفو الكتاب بين النظرية والتطبيق عبر التأمل و التدبر، والتكامل الشمولي والمعرفي الذي يرسّخ القيم الإسلامية، ويحض على التفكير النقدي، ويستخدام أدوات تحليل مهمة للقيام بعملية النقد الإيجابي.

ويوصي الباحثان بمزيد من البحوث، ولا سيما في النواحي التي يكون فيها المسلمون أقلية داخل المجتمع، لتبديد أوهام الخوف من الأجانب و التمييز العنصري التي تقف عائقا يحول دون الاعتراف بحق المسلمين في المواطنة الكاملة والإسهام في المجتمع إنطلاقا من تلك المواطنة الكاملة” ص 303).

 

 

 

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.