حصريا

ترجة النّص الديني والقضايا المُلحّة (خطبة الجمعة أنموذجا)

د.محمد بن عبد الرحمان الحفظاوي

جامعة مولاي اسماعيل مكناس

بسم الله الرحمان الرحيم

مقدمة:

يستطيع المتأمل في حركة التاريخ اليوم،أن يلحظ انفتاح العالم المعاصر على الإسلام، وتزايد الاهتمام بالإسلام والاشتغال بقضاياه، نتيجة جملة من العوامل والمؤثرات الداخلية والخارجية.

ومن هذه العوامل كون الإسلام كدين حضاري يعترف بالغير، ويقر قيما ومبادىء للتعامل مع هذا الغير ؛بناء على ماقرره القرآن من أن مشيئة الله اقتضت خلق الناس مختلفين، فأكد على قيمة التعارف على القيم الإنسانية والعالمية التي يقرها العقل وجميع الرسالات والدساتير؛كالمساواة والأخوة والحرية والعدالة.

قال تعالى:﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ {يونس/99}﴾

وقال سبحانه:﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {هود/118}﴾

وقال سبحانه:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {الحجرات/13}﴾.

وقد كان لأسلوب الحوار في القرآن والسنة أثره في تقريب غير المسلمين، وترغيبهم في الدخول في دين الإسلام.مع عدم إغفال الاتجاهات المغرضة التي حرصت على ترجمة النص الديني الإسلامي لفضول معرفي ودافع إيديولوجي، تجسد في الإنجازات الاستشراقية في ترجمة القرآن الكريم ونصوص أخرى، وما تلاها من حملات صليبية واستعمارية على العالم الإسلامي.

ومن الدلائل على حرص الإسلام على الانفتاح على الغير بقيمه ومبادئه السمحة، جهودترجمة القرآن الكريم، لإفهام غير المسلمين الخطاب الإسلامي.  وكذا الموقف الفقهي من ترجمة خطبة الجمعة(كنص ديني تعبدي) لمخاطبة غير المتحدثين بالعربية سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، خاصة مع ماأصبح عليه الواقع  العالمي من استخدام وسائل الاتصال الحديثة من قنوات وانترنت في إبلاغ الخطاب إلى كل العالم، ولم يعد الأمر متعلقا بحدود المسجد وأسواره.

وأمام الواقع الذي يعيشه المسلمون في ديار الغرب، ومايميز هذا الغرب من مواقف تجاه الإسلام بين النظرة المنصفة والمحايدة والعدوانية بالخصوص. فإن الحاجة تدعو إلى إثارة موضوع ترجمة النص الديني وتحرير القول في القضايا التي يجب أن يتناولها الخطاب والنص المترجم؛ بمعنى استحضار الآخر عند صياغة النص/الخطبة.

من هنا ستتناول هذه الورقة مناقشة إشكال الترجمة للنص الديني/الخطبة، ومايحفه من مسائل فقهية وأصولية وأبعاد حضارية؛ واقتراح القضايا التي يجب أن يتعرض لها النص المترجم بالنسبة للمخاطبين؛ونخص بالذكر الواقع الغربي، في سياق مد جسور التواصل مع الآخر. وقد جعلت هذا العمل في محاور هي:

 

  • أولا:تعريف الخطبة/النص الديني موضوع الترجمة.
  • ثانيا:مركزية اللغة العربية في الخطاب الديني.
  • ثالثا:النص الديني( خطبة الجمعة)والموقف الفقهي من ترجمته.
  • رابعا:النص الديني(خطبة الجمعة)وقضايا الوقت المعاصر.

 

أولا:تعريف الخطبة/النص الديني موضوع الترجمة

جاء في لسان العرب:”الخطبة اسم للكلام الذي يتكلم به الخطيب”[2]، فالخطبة بضم الخاء هي في أصلها كلام، والكلام خطاب جعل لمعنى، والمعنى هنا هو الوعظ، والتوعية، وهي ترجع إلى فن الخطابة بماهو صفة راسخة في النفس وقدرة على التأثير في ميول المخاطبين،يقول أبو زهرة:”الخطابة مصدر خطب يخطب أي صار خطيبا، وهي على هذا صفة راسخة في نفس المتكلم، يقتدر بها على التصرف في فنون القول، لمحاولة التأثير في نفوس السامعين، وحملهم على مايراد منهم بترغيبهم، وإقناعهم، فالخطابة مرماها التأثير في نفس السامع، ومخاطبة وجدانه، وإثارة إحساسه للأمر الذي يراد منه، ليذعن للحكم إذعانا، ويسلم به تسليما”[3]. وقد كانت الخطابة معروفة لدى الأمم السابقة، كما قال الجاحظ:”والخطابة شيء في جميع الأمم”[4].

وعند المسلمين تعتبر الخطبة اللسان الناطق باسم الشرع، لبيان حكم الله وهدي نبيه في النوازل والمستجدات التي تنزل بالناس اليوم. وهي خطاب أسبوعي يتناول قضايا الساعة لتوعية الناس بالموقف الشرعي منها،لذلك حض الشرع على حضورها:

قال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {الجمعة/9} فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {الجمعة/10} وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ {الجمعة/11}).

ومن منطلق عالمية الإسلام، وإرادة الشارع في نشر قيم الخير في الحياة الدنيا؛ أولى الإسلام الكلمة اهتماما بالغا، فجعلها وسيلة لهداية الناس، وتربية الأمة، وتوعية المجتمع، وجعل لها مناصب وفنونا، كفن الخطابة ليستمر دورها بأبلغ القول وأروع الكلام،فكانت خطبة الجمعة التي تسبق صلاة الجمعة المفروضة كل أسبوع كشعيرة ثابتة، قال ابن جزي:”وأما الخطبة:فواجبة، خلافا لابن الماجشون. وهي شرط في صحة الجمعة، على الأصح. وأقلها مايسمى خطبة عند العرب، وقيل:حمد وتصلية، ووعظ وقرآن. ويستحب اختصارها”[5]. فكانت الخطبة واجبا شرعيا، لأجل التواصي بالحق، والتناهي عن الشر، وجعلت من شعائر الدين ومظاهره القويمة، مما يدل على رقي حضاري وسمو عظيم.

ثانيا:مركزية اللغة العربية في الخطاب الديني

إن مركزية اللغة العربية في الخطاب الديني أمر لا يختلف فيه العارفون بطبيعة النص الديني وخصوصيات اللغات، والعالمون بالمكانة التشريعية للغة العربية كلغة للوحي، ولغة يتعبد بها في كثير من الأذكار الشعائرية.

إن الخطاب الشرعي خطاب عربي، وصل إلينا باللغة العربية، فلا سبيل إلى تفهمه إلا من جهة لغته، قال تعالى:

﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ {يوسف/2}﴾.

﴿ قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ {الزمر/28}﴾.

﴿ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ {الرعد/37}﴾.

وهذا الوضع يقتضي من الأمم التي لاتنطق العربية أن تتعلم العربية، وتجعل تعلم العربية من المشاريع السياسية في بلادها، قال الشافعي:”فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لايفهمه بعضهم عن بعض، فلابد أن يكون بعضهم تبعا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع، وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي، ولايجوز-والله أعلم-أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تبع للسانه، وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه”[6].

لكن في ظل واقع الانحطاط الحضاري والتبعية الثقافية، وغياب المشاريع التعريبية من منطلق الوعي بالحاجة إلى الدين والأجوبة الروحية عن إشكالات وأزمات الحضارة المادية،لاسبيل لإبلاغ الدعوة/الرحمة-ضرورة- إلا بنقل مضامين الخطاب الديني إلى لغة الآخر. من هنا نضع هذه الورقة في سياقها الحضاري حتى لايظن أن الترجمة هي الأصل، إذ الأصل أن تحتل العربية مكانتها السامية في العالم، ويتم السفر إليها وليس مغادرتها، وتهجير معانيها إلى لغات أخرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بالنص الديني، أو بالخصوص النص القرآني. وكما قال الشاطبي:” فكما أن لسان بعض الأعاجم لا يمكن أن يفهم من جهة لسان العرب، كذلك لا يمكن أن يفهم لسان العرب من جهة فهم لسان العجم لاختلاف الأوضاع والأساليب “[7]. ولذلك نجد أن من مقاصد الشارع في تشريعه أن يفهم عنه ماأراده من تشريع، ولما كانت الرسالة في العرب اقتضى الحال إنزال التشريع بلغة المنزل إليهم، لأن القصد إفهامهم والإفهام لايكون بغير لغتهم، ولغتهم بهذا صارت مطلوبة التعلم من غير العرب؛ لإدراك أسرار الدين وحكمة التشريع.

ثالثا:النص الديني( خطبة الجمعة)والموقف الفقهي من ترجمته

لقد كان العرب سباقون إلى ترجمة النصوص العلمية والدينية لإثراء الثقافات ودعم حوار الحضارات. فقد تمت ترجمة التوراة عن اليونانية إلى اللغة العربية إلى جانب النصوص العلمية الطبية وغيرها[8].

واليوم نشاهد حاجة العالم للخطاب الديني بعمقه الروحي، ممايقتضي ترجمته، لتبليغ الرسالة لغير الناطقين بالعربية، وكذا عرض قيم الإسلام لغير المسلمين لتصحيح النظرة إلى الإسلام، ومد جسور التواصل بالثقافات والحضارات الأخرى التي قد تتوجس خيفة من الإسلام وأهله. نتيجة الحملات الإعلامية والثقافية المشوهة لصورة الإسلام في العالم[9].

فاللغة أداة من أقوى أدوات نقل المعرفة والقيم إلى الآخر وبقدر ماتكون مفردات اللغة مألوفة  للمخاطب وموصولة بحياته يكون التبليغ أفضل والتأثير أشد.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {إبراهيم/4}﴾.قال القرطبي في بيان هذه :”أي بلغتهم،ليبينوا لهم أمر دينهم؛ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم لأن المراد اللغة؛فهي اسم جنس يقع على القليل والكثير؛ولاحجة للعجم وغيرهم في هذه الآية؛لأن كل من ترجم له ماجاء به النبيترجمة يفهمها لزمته الحجة؛وقد قال تعالى:”وماأرسلناك إلاكافة للناس بشيرا ونذيرا”،وقال:”أرسل كل نبي إلى أمته بلسانها وأرسلني الله إلى كل أحمر وأسود من خلقه””[10].

ومن الناحية الفقهية فقد قال جمهور المالكية والشافعية والحنابلة بأداء خطبة الجمعة باللغة العربية، وذهب أبوحنيفة إلى القول بصحة الخطبة بغير العربية؛ وتفصيل ذلك: فأما المالكية فقالوا باشتراط اللغة العربية في الخطبة،ولو كان القوم عجما لايعرفونها،فإن لم يوجد فيهم من يحسن اللغة العربية بحيث يؤدي الخطبة بها،سقطت عنهم الجمعة. وأما الشافعية فقالوا يشترط أن تكون أركان الخطبتين باللغة العربية ،فلايكفي غير العربية متى أمكن تعلمها،فإن لم يمكن خطب بغيرها،هذا إذا كان القوم عربا،أما إن كانوا عجما فإنه لايشترط أداء أركانها بالعربية مطلقا،ولوأمكنه تعلمها ماعدا الآية،فإنه لابد أن ينطق بها بالعربية،إلا إذا عجز عن ذلك، فإنه يأتي بدلها بذكر أودعاء عربي،فإن عجز عن هذا أيضا فعليه أن يقف بقدر قراءة الآية،ولايترجم،وأما غير أركان الخطبة فلايشترط لها العربية بل ذلك سنة.وأما الحنابلة فقالوا:لاتصح الخطبة بغير العربية إن كان قادرا عليها، فإن عجز عن الاتيان بها أتى بغيرها مما يحسنه،سواء كان القوم عربا أو غيرهم، لكن الآية التي هي ركن من أركان الخطبتين لايجوز له أن ينطق بها بغير العربية،فيأتي بدلها بأي ذكر شاء بالعربية،فإن عجز سكت بقدر قراءة الآية. وأما الحنفية فقالو:تجوز الخطبة بغير العربية،ولو لقادر عليها،سواء كان القوم عربا أو غيرهم[11]. وهذا الرأي هو المعقول بالنسبة لغير المتكلمين بالعربية تلقى عليهم الخطبة بالعربية أولا ثم تترجم إلى لغتهم. وللإمام مالك رأي في ترجمة الفتوى،قال ابن القصار:””[12].

وقد أتى الفقيه المغربي أحمدغازي الحسيني بتفصيل في الموضوع قال فيه:”من شروط صحة الخطب للجمعة إلقاء الخطيب لها باللغة العربية كلاما وشكلا.فكلماتها عربية الوضع أو معربة، وشكل حروفها مطابق لمعطيات قواعد اللغة العربية نحوا وصرفا. فإذا ألقاها الخطيب بلغة أجنبية أو بلهجة غير عربية أو بالدارجة العامية للعربية، فهل تكون باطلة شرعا؟ هي ثلاث حالات:

الحالة الأولى:أن يكون سكان البلد ناطقين كلهم باللغة العربية ولو كان جلهم يتكلم بالدارجة. وفي هاته الحالة تكون خطبة الجمعة الملقاة كلها بغير اللغة العربية باطلة.

الحالة الثانية:أن يكون بعض سكان البلد ينطقون بالعربية ولو دارجة وبعضهم الآخر ينطق بلغة أجنبية أو بلهجة غير عربية ولامعرفة له بالعربية ولودارجة وحضر مسجد الجمعة جماعة من كل واحد من الفريقين. وفي هاته الحالة أيضا تعتبر الخطبة بغير اللغة العربية باطلة إذا حضر في المسجد من الفريق الناطق بالعربية ولو دارجة إثنا عشر رجلا على الأقل.

الحالة الثالثة:أن يكون سكان بلد الجمعة ناطقين كلهم بلغة أجنبية أو بلهجة بربرية ولايفهمون معنى كلام عربي سمعوه ولو كان بالدارجة، والحاضرون في مسجد الجمعة جماعة منهم، وفي هاته الحالة إذاوجد معهم من هو متأهل لإلقاء خطبة الجمعة والإمامة بهم في صلاتها ويعرف اللغة العربية واللغة أو اللهجة المحلية فهل يلقي عليهم خطبة الجمعة بلغتهم أو بلهجتهم المحلية وتكون صحيحة من الناحية الشرعية، أو إنما تصح شرعا إذا ألقاها باللغة العربية رغم أنهم لايفهمونها؟ للفقهاء ثلاثة أقوال في هذا الموضوع:

القول الأول:للمتقدمين منهم، وهو وجوب إلقاء الجمعة على هاته الجماعة بخصوص اللغة العربية، رغم أنهم لايستفيدون منها شيئا …

القول الثاني:لبعض الفقهاء المتأخرين، وهو جواز خطبة الجمعة على تلك الجماعة التي لاتعرف اللغة العربية ولو دارجية بلغتها الوطنية أو بلهجتها المحلية…

القول الثالث:…وهو أن يلقي الخطيب على تلك الجماعة خطبة الجمعة باللغة العربية أولا ثم يترجمها إلى لغتهم أو لهجتهم المحلية فيلقي عليهم ثانيا ترجمتها قبل أن يصلي بهم صلاة الجمعة…”[13]. ومن الفقهاء من فضل تقديم الترجمة على النص العربي لعدم الفصل بين الخطبة المعتبرة شرعا والصلاة لأن من شروط صحة صلاة الجمعة وصلها بخطبتها.

نلاحظ أن المانعين للترجمة انطلقوا من اعتبارها عملا تعبديا لايجوز التصرف فيه، لأن الواجب بشأنه التوقف والتقيد بالقيود الشرعية، أما المجيزون فنظروا إلى معقولية هذا العمل باعتباره دعوة المقصود منها إبلاغ معان محددة إلى السامع، وحيث إن اللغة وسيلة لذلك وجب التوسل بما يحقق مقصد الإفهام للسامع.

 

رابعا:النص الديني(خطبة الجمعة)وقضايا الوقت المعاصر

لكن مانشهده اليوم من محاولات للترويج لمركزية الغرب حضاريا، وادعاء الكونية الثقافية باسم الحداثة، يشكل تحديا للخطاب الإسلامي لابد أن يستجيب له بالطريقة التي تجعله يحافظ على خصوصيته الثقافية، وذلك بقبول الآخر ورفض هيمنته الثقافية، مع التبشير بقيم التعارف والحوار التي تعتبر المشترك الحضاري بين الأمم.لسد منافذ الصراع الحضاري، وتمكين الذات من الاستفادة من الغير، وتمكين هذا الغير من الاستفادة من الذات، في إطار التلاقح الحضاري بين الثقافات الذي تمليه سنة الله في الكون.

إن إثارة موضوع ترجمة النص الديني يجعلنا نفكر في طبيعة العلاقة الحاصلة بين الذات والآخر، وعدم الاقتصار على الاجراءات التقنية لعملية الترجمة، رغم أهميتها؛ لأن موضوع الخطاب ومضامينه الثقافية أشد خطورة من مجرد ترجمة كلمات. إن الترجمة بهذا المعنى جسر نعبر منه إلى عقل الآخر، لإحداث نوع من التعارف البناء،”إن معرفة الآخر والتواصل مع ثقافته بشتى الوسائل وفي طليعتها الترجمة…هو الخطوة الأساسية لللإقرار بالتعددية والاختلاف والابتعاد عن مفهوم النفس السواء(le meme) الذي كان يلغي “الآخر”قديما، ويسعى إلى فرض”توحيد”يعتمد على النظرة والفهم الخاصين للأشياء لتأسيس امبراطوريات تنصب نفسها مركزا موحدا للعالم، على غرار مافعلت الإمبراطوريتان الهيلينية والصينية ثم أوروبا المسيحية، باسم مبادىء فلسفية أو تعاليم دينية تسعى إلى “توحيد” الشعوب المتناثرة ضمن وحدة إنسانية تؤمن لها السيطرة والنفوذ”[14].

وأمام شيوع ثقافة التعدد، واندحار فكر الكونية الإقصائي. تضطلع الترجمة بدور كبير في تكريس التعددية، وإبراز خصوصيات الذات، وإرساء مرتكزات للحوار بين الحضارات والاتجاهات الفكرية والفلسفية، لدعم حضور القيم الإنسانية المشتركة في عالم تتهدده المغالبة الاقتصادية والصراعات السياسية والطائفية.

من هنا نرى أهمية إدراج موضوعات بعينها في خطاب الخطبة الشرعية، نظرا لأنها تخاطب جمهورا عريضا من المتلقين، يقول ابن رشد ناقلا عن أرسطو:”ليس كل صنف من أصناف الناس ينبغي أن يستعمل معه البرهان في الأشياء النظرية التي يراد منهم اعتقادها، وذلك إما لأن الإنسان قد نشأ على مشهورات تخالف الحق، فإذا سلك نحو الأشياء التي نشأ عليها، سهل إقناعه، وإما لأن فطرته ليست معدة لقبول البرهان أصلا، وإما لأنه لايمكن بيانه له في ذلك الزمان اليسير الذي يراد منه وقوع التصديق فيه، فهذا الصنف الذي يراد منه وقوع التصديق فيه، فهذا الصنف الذي لا يجدي معه الاستدلال المنطقي، تهديه الخطابة إلى الحق الذي يراد اعتناقه، لأنها تسلك من المناهج، مالايسلك المنطق”[15].

إن الكلام عن موضوع الخطبة والقضايا التي يجب أن تتعرض لها نابع من طبيعة توجه الخطبة لتلبية احتياجات الناس الذين هم اليوم أعم من مجرد جمهور المسجد، لتمتد إلى المسلمين في كل بقاع الأرض وتصل إلى غير المسلمين أيضا، مما يجعل الخطبة لدى جهات كثيرة موضوعا لدراسة مواقف المسلمين من قضايا كثيرة كالإرهاب والمرأة وغير ذلك. لذلك نرى أن من أهم القضايا التي يجب أن يعالجها النص الديني اليوم على منبر الجمعة،هي:

  • التعريف بالإسلام بلغة الآخر.
  • تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام.
  • عرض قيم الحرية والعلم والعدالة التي يقصدها الإسلام.

 

خاتمة:

حضرت لخطبة جمعة بالعاصمة الماليزية كوالالمبور وكان الخطيب يعرض الآيات القرآنية بالعربية ويبين المعاني باللغة المالاوية، وأدركت ساعتها أهمية عرض الإسلام بلغة ولهجة القوم. لأن من المشاكل الحقيقية اليوم الجهل بالإسلام الذي يحرم أمما وشعوبا من نعمة عقيدةالتوحيد ومنهج التحرر من الخرافة والعبودية لغير الله. من هنا تأتي قضية ترجمة النص الديني،خاصة خطبة الجمعة، في سياق واقع عالمي يشهد تقدما لإرادة الشعوب الإسلامية في إظهار هويتها الحضارية الجميلة في مقابل التشويه المقصود لصورة الإسلام وسط الرأي العام الغربي،لذلك”تندرج أهمية التعريف بالإسلام باللغات الأجنبية في سياق ضرورة تحسين صورة الإسلام في الغرب. إذ من المعلوم أنه لايوجد في الغرب من صورة للإسلام غير الصورة الكاريكاتورية العنصرية واللقطات الإعلامية السلبية الموظفة لأبشع أساليب التشويه والتمويه والإثارة، أمام هذا الوضع بات من واجب الدول والمنظمات الإسلامية العمل على إنتاج وتقديم برامج دينية بمختلف اللغات تعبر عن الصورة الحقيقية للإسلام، وتقوم بتعديل وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي مافتئ الغرب يروج لها، وفي ظل وجود قنوات فضائية عربية أصبحت الفرصة متاحة أكثر من ذي قبل”[16].

وختام القول:

  1. إن الخطبة هي اللسان الناطق باسم الشرع، لترسيخ القيم الإسلامية في نفوس أفراد الجمهور المتلقي من المسلمين، ولبيان حكم الله وهدي نبيه في النوازل والمستجدات التي تنزل بالناس اليوم. وهي خطاب أسبوعي يتناول قضايا الساعة لتوعية الناس بالموقف الشرعي منها، وقد صارت اليوم نتيجة الامتداد الإعلامي وسيلة لهداية الناس من غير المسلمين.
  2. إن الخطاب الشرعي(قرآنا/وسنة) خطاب عربي، وصل إلينا باللغة العربية، فلا سبيل إلى تفهمه إلا من جهة لغته. وإن مركزية اللغة العربية في الخطاب الشرعي أمر لا يختلف فيه العارفون بطبيعة هذا النص وخصوصيات اللغات، والعالمون بالمكانة التشريعية للغة العربية كلغة للوحي، ولغة يتعبد بها في كثير من الشعائر التعبدية والأذكار والأدعية.
  3. واليوم نشاهد حاجة العالم لأجوبة الشريعة في كثير من القضايا المصيرية، ممايقتضي لإبلاغها ترجمة الخطاب الشرعي، لتبليغ الرسالة لغير الناطقين بالعربية، وكذا عرض قيم الإسلام لغير المسلمين لتصحيح النظرة إلى الإسلام، ومد جسور التواصل بالثقافات والحضارات الأخرى التي قد تتوجس خيفة من الإسلام وأهله. نتيجة الحملات الإعلامية والثقافية المشوهة لصورة الإسلام في العالم. فاللغة أداة من أقوى أدوات نقل المعرفة والقيم إلى الآخر وبقدر ماتكون مفردات اللغة مألوفة للمخاطب وموصولة بحياته يكون التبليغ أفضل والتأثير أشد.
  4. من أهم القضايا التي يجب أن تعالجها الخطبة الشرعية على منبر الجمعة؛التعريف بالإسلام بلغة الآخر،تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام،عرض قيم الحرية والعلم والعدالة التي يقصدها الإسلام.

وتم الفراغ منه بحمد الله بعد ظهر يوم الأربعاء 23ربيع الثاني1435هـ الموافق ل23فبراير2014م،على يد الراجي عفو ربه محمد بن عبد الرحمان الحفظاوي غفر الله  ولوالديه آمين،وحرربالرشيدية جوار الكلية المتعددة التخصصات،المملكة المغربية.

 

فهرس المصادر والمراجع

 

  • الأحكام الفقهية المرتبطة بخطبة الجمعة للأستاذ أحمد الغازي الحسيني، بحث منشور ضمن أعمال الدورة التدريبية لخطباء الجمعة الأفارقة،وزارة الأوقاف،الدارالبيضاء:23.24.25رجب1418هـ26.25.24نونبر1997م،(ص:35.133).
  • الإسلام والغرب:قضايا ومواقف للدكتور حسن عزوزي، أنفوبرايت،فاس، طبعة ثانية:1420هـ-1999م.
  • البيان والتبيين للجاحظ ،المكتبة العصرية،بيروت،2011م-1432هـ.
  • الترجمة أفقا لمعرفة الآخر معرفة الذات لمحمد برادة،مقال منشور ضمن أعمال ندوة الترجمة في المغرب ماي 2002،منشورات وزارة الثقافة.
  • الجامع لأحكام القرآن لأبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي(ت671هـ) .دارإحياء التراث العربي، بيروت،طبعة أولى:1416هـ-1995م.
  • الخطابة أصولها تاريخها في أزهر عصورها عند العرب، لأبي زهرة،دار الفكر العربي،القاهرة،1433هـ-2012م.
  • الرسالة للإمام محمد بن إدريس الشافعي،تحقيق أحمد محمد شاكر،دار العقيدة،طبعة أولى:1430هـ-2009م.
  • شمس العرب تسطع على الغرب،لزيغريد هونكة،دار الجيل،بيروت،دار الآفاق الجديدة،بيروت،طبعة ثامنة:1413هـ-1993م.
  • القوانين الفقهية لمحمد بن أحمد بن جزي الغرناطي، تحقيق عبد الكريم الفضيلي. طبع دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، طبعة أولى/1420هـ1999م.
  • كتاب الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمان الجزيري.دار الفكر،بيروت.الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي.دار الفكر،دمشق،طبعة رابعة:1418ه-1997م.
  • لسان العرب للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، مادة طبق :10/213. طبع دار صادر، بيروت.
  • الموافقات لأبي اسحاق ابراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي الشاطبي المتوفى سنة 790 هـ. طبع المكتبة العصرية، بيروت . طبعة أولى :1423 هـ – 2002 م.

 

فهرس الموضوعات

إهداء……………………………………………2

مقدمة…………………………………………..3

أولا:تعريف الخطبة/النص الديني موضوع الترجمة…………………………………………5

ثانيا:مركزية اللغة العربية في الخطاب الديني………………………………………….5

ثالثا:النص الديني( خطبة الجمعة)والموقف الفقهي من ترجمته……………………………………….6

رابعا:النص الديني(خطبة الجمعة)وقضايا الوقت المعاصر………………………………………..9

خاتمة………………………………………..10

فهرس المصادر والمراجع………………………………………12

فهرس الموضوعات……………………………….13

 

[1] -أستاذ الدراسات الإسلامية بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية،جامعة مولاي اسماعيل.مكناس.

[2] -لسان العرب:مادة خطب.

[3] -الخطابة أصولها تاريخها في أزهر عصورها عند العرب، لأبي زهرة،دار الفكر العربي،القاهرة،1433هـ-2012م،ص:15.

[4] -البيان والتبيين للجاحظ:2/417،المكتبة العصرية،بيروت،2011م-1432هـ.

[5] -القوانين الفقهية:104.

[6] -الرسالة للإمام محمد بن إدريس الشافعي،تحقيق أحمد محمد شاكر،دار العقيدة،طبعة أولى:1430هـ-2009م،ص:107.

[7] -الموافقات للشاطبي:2/48.

[8] -شمس العرب تسطع على الغرب،لزيغريد هونكة:383.

[9] -انظر الإسلام والغرب:قضايا ومواقف للدكتور حسن عزوزي،فصل:لماذايخوفون من الإسلام ص61،أنفوبرانت،فاس،طبعة ثانية:1999م.

[10] – الجامع لأحكام القرآن لأبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي(ت671هـ) :9/340.دارإحياء التراث العربي، بيروت،طبعة أولى:1416هـ-1995م.

[11] -كتاب الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمان الجزيري:1/392،391.دار الفكر،بيروت.الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي:1/1311،1303.دار الفكر،دمشق،طبعة رابعة:1418ه-1997م.

[12] -المقدمة في الأصول لابن القصار:38.

[13] -الأحكام الفقهية المرتبطة بخطبة الجمعة للأستاذ أحمد الغازي الحسيني، بحث منشور ضمن أعمال الدورة التدريبية لخطباء الجمعة الأفارقة،وزارة الأوقاف،الدارالبيضاء:23.24.25رجب1418هـ-26.25.24نونبر1997م،(ص:35.133).

[14] -الترجمة أفقا لمعرفة الآخر معرفة الذات لمحمد برادة،مقال منشور ضمن أعمال ندوة الترجمة في المغرب ماي 2002،منشورات وزارة الثقافة.ص:29.

[15] – الخطابة أصولها تاريخها في أزهر عصورها عند العرب، لأبي زهرة:17.

[16] -الإسلام والغرب:قضايا ومواقف للدكتور حسن عزوزي، أنفوبرايت،فاس، طبعة ثانية:1420هـ-1999م،ص:40.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.