المقاصد والجسد – فلسفة الجسد عند الشاطبي

إعداد: أ.د. نورة بوحناش

الملخص

بين ثنايا الاستثمار الرأسمالي للوجود، يكتسي الجسد قيمة محورية ويعد خيرا موضوعيا، حيث تجذب مكوناته العضوية والنانوية، اهتمام الاستثمارات الكبرى للتقنوعلمي. لاريب أن هذه الخلاصة شديدة الوصال، بفلسفة الجسد الحداثية تلك التي نسجها ديكارت، بفصله الروح عن الجسد، فغدى مادة تحكمها قوانين الفيزياء والميكانيكا، خاضعا للملك والسلطان، لتنتج صورة للجسد المقطع والمستثمر، في مدار الوعي الاستهلاكي للرأسمالية. يدخل المسلم في وعي الحداثة قسرا، ويسير في سبيله دون وعي المضمون الفلسفي لمخرجات فلسفة الجسد، ولعل ما حصلته هذه الفلسفة من لعب بمصير الجسد، يستدعي حتما ازاحة الصمت عن فلسفة الجسد في التصور الإسلامي، حيث يكون الجسد أمانة وليس ملكا، يقودنا المنظور التأصيلي للمقاصد عند الشاطبي، إلى فك قسط من شفرة فلسفة الجسد الإسلامية، لتكون للجسد أولوية الوجود عبر المقاصد المتراتبة من ضروريات، حاجيات وتحسينات، ففي نهاية المطاف يكون مرعيا بالحفظ في مدار الحفظ الوجودي للإنسان، فهو أداة الفعل ومقام للمحايثة مع الروح، ولن يرتقي إلى دفة القيادة، إنما يكون وسيلة للأداء، وغاية من غايات الاستقامة الموزونة بميزان الشرع.

الكلمات المفتاحية: الجسد، الشريعة، المقاصد، المباح، الحداثة، ما قبل الحداثة، البيوتكنولوجيا.

Abstract

Within the folds of capitalist investment in existence, the body acquires a central value and is considered an objective good, as its organic and Nano scale components attract the attention of major techno-scientific investments. This conclusion is undoubtedly closely linked to the modern philosophy of the body, conceived by Descartes, which separated the soul from the body, reducing it to matter governed by the laws of physics and mechanics, subject to the king and the sovereign, thus giving rise to the image of the fragmented and exploited body within the orbit of capitalist consumer consciousness. The Muslim enters into the consciousness of modernity by force, and proceeds in its path without being aware of the philosophical content of the outputs of the philosophy of the body. Perhaps what this philosophy has achieved in terms of playing with the fate of the body necessitates inevitably removing the silence on the philosophy of the body in the Islamic conception, where the body is a trust and not a possession. The foundational perspective of the Maquasids according to Al-Shatibi leads us to decipher a portion of the code of the Islamic philosophy of the body, so that the body has the priority of existence through the Maquasids that are arranged from necessities, needs and improvements. In the end, it is protected by preservation in the orbit of the existential preservation of man. It is the instrument of action and a place of immanence with the spirit, and it will not rise to the helm of leadership, but rather it is a means of performance, and an end of the goals of uprightness weighed by the scale of Sharia.

Keywords: Body, Sharia, Maqusids, Moubah, modernity, pre-modernity, biotechnology.

المقدمة-الجسد الوسيط المؤتمن به وعليه

يتموقع الجسد البشري في محور وجودي فاصل، وسيمثل في زمن غدى فيه المتغير البيوتكنولوجي فاعلا نشيطا، مادة استعمالية استهلاكية، ومجال استثمار يتسع باتساع الحاجة إليه، تطبيبا، تحسينا أو سفرا به نحو مواقع اعتبرتها العولمة، أفقا لابد من تحصيله، وأهمه الجسد المركب الذي تتخيله مابعد الإنسانية، متصرفا في ذاته خالدا بمحتوياته، يختار يوم ولادته ويوم موته وقد يخلد دون نهاية.

في السياق المادي لتأويل الوجود، ينكفئ الحضور البشري في حدود المساحة، التي يفتحها الامتداد المادي للجسد، فكان موضوعا لتطبيقات تقنية تريد حمله نحو أفق التجاوز، تدخلا، استنساخا، تحسينا، ثم وصولا إلى ما بعد الإنسانية بتدرجاتها المتتالية، فسيعتلي مدارج التغيير مستوفيا شرط الوجود الإلهي متعاليا بذاته ولذاته، من حيث الميلاد المختار، والبقاء النوعي، ثم الخلود الأبدي. يقترح الون ماسك Elon Musk))وجودا إنسانيا مفارقا للطبيعي، جامعا بين وظائف إنسانية وأخرى تتميز بها الآلة، ليقول لسان حال الحضارة الغربية، نحن على مشارف ميلاد السيبورغ، وتولي الذكاء الاصطناعي مهام التفكير. فهل بقي من وجود للإنسان؟ فماذا عن مصير الجسد، بين ثنايا التصور الذي يَعِدُ بِحذف أعطابه تحسينًا، والسير به نحو الخلود؟

في مدار التقلبات الصناعية للنيوليبرالية يكتسي الجسد القيمة، استشرافًا تقنوعلميًا وبحثًا عن فضاءات لتغيير الطبيعة البشرية، بهذا يرد التقابل بين وضع الجسد كتعبير عن الكينونة، ثم اعتباره مجرد خير موضوعي يُصَفَفُ على رفوف التسوق، يُباع ويُشترى وتُعاد صياغته حسب الرغبة الإنسانية؛ بين هذين الاعتبارين، تنزل نازلة شرعية التدخل في الجسد البشري، فما مدى القبول الأخلاقي والقانوني لهذا التدخل؟ هل الجسد ملكية ذاتية خاصة؟ أم أن أبعاده الميتافزيقية والأخلاقية تحول دون اللعب به؟ فهو حاضنة الوجود الإنساني بلا منازع وحامل كرامة الإنسان.

بين التفاؤل والتشاؤم بخلاصات التقدم التقني، تقف الإنسانية على عتبة ضبابية، تفتقد فيها سبل الترجيح بين المصالح والمفاسد، لأجل الحكم بالصلاحية من عدمها، واخراج منطوق يبرر شرعية الاستثمار المادي للجسد من لا شرعيتها، هي شرعية موصولة بالحق الطبيعي وفرضية حقوق الإنسان.

جمعت فلسفة نهاية الإنسان كل من فرنسيس فوكوياما (Francis Fukuyama)وهانس يوناس (Hans Jonas )، ففكرا في شروط النبوءة الفلسفية التي تقر بهذه النهاية، أدرك كل منهما أن مخرجات التحكم التقني تسري بسرعة فائقة، نحو غاية يشوبها عدم الوضوح والخوف من نهاية تؤدي إلى العدم (فرنسيس فوكوياما، 2002،ص 30) سيبدي فوكوياما مسحة متشائمة اتجاه مستقبل إنساني تعتريه القتامة، مقرا بأن البيوتكنولوجيا تثير التوجس والخوف، وتمد بتباشير نهاية الهوية البشرية واندثار كينونتها الوجودية والأخلاقية، أما مابعد الإنسانية بأشكالها المتتالية؛ فقد استشرفت اختلالا مركزيا للجوهر البشري (فرنسيس فوكوياما، 2002 ،ص303 ). يترجم الزحف التقني على الطبيعة والإنسان، عند هانس يوناس تباشير النهاية ليس للطبيعة، التي فارقت معايير الطبيعة بفعل التقنية، إنما بترقب اندثار الأنطولوجيا الإنسانية، ووعود استمراريتها الممتدة تجليا في الأجيال القادمة، يؤشر المسار التقدمي للتكنولوجيا إلى حتمية حلول العدمية، وتحقق نبوءة نهاية الإنسان (38P، 1995،Hans Jonas (.

بين النقاشات المحتدمة والمتعددة الاختصاصات، حول مصير الجسد بين ثنايا المتغير البيوتكنولوجي يغيب العقل الإسلامي ويصمت، بين المواقف الفلسفية والنقاشات المحورية، ينحاز هذا العقل إلى التواري لتختفي بتواريه عُدة التفكير الإجرائي، الذي أوقفه علماء أصول الفقه ومقاصد الشريعة، ونعني بها تلك الترجيحات الموزونة بالمصلحة والمفسدة، وتحقيق مناط التطبيقات البيوتكنولوجية. لا تعد هذه العُدة أداة منهجية فقط، بل تجلي بحق نمطا عقلانيا مخالفا للعقلانية الأداتية، التي جعلت من الجسد البشري موضوع استثمار، استهلاك وتسوق ثم بيع وشراء. أفلا تستفيد الإنسانية، من أنموذج عقلاني آخر يتقصى الغايات المسددة بالأخلاقية، تنبني على تكريم الإنسان كذات متكاملة، تلتحم فيها الروح بالجسد؟ ألا يعلو الإنسان في هذا التصور، لأنه مستأمن على الوجود عبر جسده؟ ألا يتخذ الجسد بعدا تكريميا لأنه أمانة ترعاها الروح؟

في زمن التوسعة التقنية التي احتلت مساحات الوجود البشري، يفتقد العقل الإسلامي فلسفة التفكير في خلاصات التقدم البيوتكنولوجي والذكاء الاصطناعي، نعني بها فلسفة تناقش وتحلل وتتجاوز المنظور العقدي، الذي يغلق سبل التقصي عبر الصد الدوغمائي، في زمن لم يعد فيه هذا المنطق مجديا. يجب أن تنفتح هذه الفلسفة تفكيرا في الجسد وتفكرا في مقاصد وجوده، وتطلعا إلى تعريفه في ثنايا الفهم الإسلامي عقيدة وشريعة. فأي موقع يحتله الجسد البشري في الشريعة الإسلامية؟ هل يتراتب في درجة أدنى من الروح؟ أم هو آلة تحايث الروح تتبين فيها سمات التكريم الإلهي؟ كيف يؤدي الأفعال التي تنخرط في الواقع، فتترجح عبره المصلحة من المفسدة أو العكس؟ وباختصار، بأي معنى يعبر الجسد في التصور الإسلامي، عن كينونة إنسانية فاعلة، تؤدي ماهية الاستخلاف والائتمان؟ كيف يمثل وسيلة وغاية في آن واحد من الواجب المحافظة عليها؟

يكون الجسد هو الوعاء الذي يحضر في الزمان و المكان، مؤديا المهام الشرعية التي كلف بها الإنسان كخليفة وُجهَ إليه الخطاب، ف »لا طريق إلى الوصول إلى الله إلا بالعلم والعمل، ولا يمكن المواظبة عليها إلا بسلامة البدن « . (الغزالي، 2003،ج 2،ص 3 ) فعلى الرغم من الخلاصة الصوفية التي حصلها الغزالي، إلا أن إصراره على دور الجسد في الممارسة العبادية، يعد محوريا نظرا لموقعه في الأعمال، المعاملات والعبادات. فهل يستطيع الإنسان الترقي، في مدارج الروح دون حضور الجسد، كفاعل أصلي في الممارسة العبادية؟ ما هو دوره في الأداء المثمر لعبادة تُصلح الوجود بشمول معناه؟

في فحص للدرس الصوفيِّ الغزالِّي، يتجلى الاهتمام بالجسد كآلة، تؤدي المهام الشرعية بغية تحصيل المقامات. وعليه يحرص حجة الإسلام على مفهومٍ أخلاقيٍ مُمَيزٍ، ترتفع به الروح فيترقى الجسد، ويحتد بالمهام التي تريدها هذه الروح، بهذا لن يتجاوز ما كُلف به حدا لهواه، سيحرص الغزالي على هذه الوظيفة مذكرا بآداب وأخلاق تنعش الروح وتروض الجسد، بهذا لم يكن الغزالي الصوفي لينهم بالجسد كأداة لتغيير الواقع، بل تنحصر الغاية الأخيرة في تطويعه وتهذيبه، لنيل الثمار عبر خلوة، انقطاع وتحصيل زاد المعاد. فما هي مهام الجسد في التصور الإسلامي عقيدة وشريعة؟ هل تنكفئ مهمته في مجرد أداء رياضة الروح في الخلوة والانقطاع؟ أم أن وسع دلالة العبادة في التصور الإسلامي، توسع مهامه ليكون محايثا للروح يمتلك حق الاشباع والترقي؟ فهو الفاعل الفعال في نقل حركة الإنسان إلى الوجود، وتجسيد نوايا الروح.

سيبدي حجة الإسلام مقته للفقه والفقهاء، ذلك أنهم لذلك الزمان تركوا باطن الحق، واتجهوا إلى ظاهره، فكانوا بذلك و في كثير من الأحيان فقهاء للأبدان ورسوم الأفعال (الغزالي، 2003، ج2، ص 23 ) فأية صلة تقوم بين الأحوال القلبية و الأفعال البدنية، في أداء مقاصد الشارع تبليغا للخطاب الشرعي؟ هل ينفصلان؟ أم يلتحمان تحقيقا للمقاصد المبينة في الخطاب الشرعي؟

لا ريب أن الناظر في طبيعة الفقه الإسلامي، سيخلص إلى نتيجة تعزز المكان الذي يحتله الجسد في التشريع الإسلامي، فالوظيفة التي أنيط بها الفقه، كدلالة مستحدثة في الملة تهدف إلى » معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين، بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة « ( ابن خلدون، 1993 ،ص353 ) هي وظيفة تنظم دائرة العلاقات التي يؤديها الفاعل المكلف منخرطا في الواقع، وبيان لضوابط الأفعال التي في الغالب يؤيدها الجسد، خاصة أن الفقه هو » العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية « ( الجرجاني، 1996 ، ص216 ) بهذا يظهر أن الضبط الشرعي كثيرا ما يهتم بالجسد، فهو أداة الفعل وبه يجب أن تترجح المصالح على المفاسد، فبالجسد يتجلى الإنسان فاعلا مكلفا.

بين تنظيم العلاقات وضبط الأحكام، المنوطة بالإحكام القانوني للأفعال، يكون الجسد -بوصفه آلة الأداء-فاعلا ومنفعلا، فاعلا لأنه القائم بالأفعال ممارسةً وانخراطًا في الواقع، ثم منفعلاً، فلأجله تدور الكثير من الأحكام، ضبطًا وتنظيمًا وارغامًا على الطاعة، لكن ما هي غاية النظر الفقهي في الجسد ضبطًا له، هل هي مجرد القيام بمهام زاد المعاد؟ أم الجسد آلة لأداء أفعال الصلاح؟ أفعال تنصهر بها كل من الدنيا والآخرة والعكس، في حضور جامع بينهما يقصد صلاح المكلف روحا وجسدا، فكانت العناية بالجسد علامة أساسية على الهوية الإنسانية، ليس باعتباره جوهرا إنما تابعا وآية من الآيات. فكيف يتولى الجسد مهمة التزكية في الإسلام ليَتزكى ويزُكي؟

تعد موافقات الشاطبي بيان عن أزمة النظر التي اعترت الاجتهاد الإسلامي، في زمان مغادرة المسلمين للتاريخ، توضحت في فرقة مذهبية، وانزياح عن الموضوع الأسنى للتشريع الإسلامي، الذي بدا مفارقا لما نصت عليه الشريعة الإسلامية من صلاح في الدارين، ولعل وقوع المكلف بين خطابي التهوين والتشديد، يستدعي إعادة التفكير في أدوات ضبط الفعل الإسلامي، الأمر الذي يمد بمبررات التفكير وصياغة الوضع الإجرائي لأصول الفقه، لينضبط مستوفيا لمهمة تنظيم تجربة العمل الإنسانية، فتُحَقِقُ مقاصدها وغاياتها المنصوصة في الأصول.

تواطأ الشاطبي على وجود نوعين من المقاصد: مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، تدلل مقاصد المكلف على محورية الإنسان عند الفقيه الغرناطي، فكان اعتبارها من نتائج التأويل الأصولي المؤسس على قراءة الغايات، خاصة أن الخطاب الصوفي لذلك الزمن الأندلسي، قد مكن من نفسه نبذا لحق الإنسان في التقلب في العيش، مسيبا لحق الجسد في التمتع بما مكنت منه حدود الشرع، قاهرا إياه إلى درجة تتقوض معها مقاصد الشارع، بل أخرجه عن مقاصده التي لا تتناقض فيها الغايات الشرعية والأخرى الإنسانية، فهما متكاملان تؤديان معا غاية الصلاح.