المقاصد والجسد -فلسفة الجسد عند الشاطبي-د.نورة بوحناش-الجزائر-
المقاصد والجسد – فلسفة الجسد عند الشاطبي
الملخص
بين ثنايا الاستثمار الرأسمالي للوجود، يكتسي الجسد قيمة محورية ويعد خيرا موضوعيا، حيث تجذب مكوناته العضوية والنانوية، اهتمام الاستثمارات الكبرى للتقنوعلمي. لاريب أن هذه الخلاصة شديدة الوصال، بفلسفة الجسد الحداثية تلك التي نسجها ديكارت، بفصله الروح عن الجسد، فغدى مادة تحكمها قوانين الفيزياء والميكانيكا، خاضعا للملك والسلطان، لتنتج صورة للجسد المقطع والمستثمر، في مدار الوعي الاستهلاكي للرأسمالية. يدخل المسلم في وعي الحداثة قسرا، ويسير في سبيله دون وعي المضمون الفلسفي لمخرجات فلسفة الجسد، ولعل ما حصلته هذه الفلسفة من لعب بمصير الجسد، يستدعي حتما ازاحة الصمت عن فلسفة الجسد في التصور الإسلامي، حيث يكون الجسد أمانة وليس ملكا، يقودنا المنظور التأصيلي للمقاصد عند الشاطبي، إلى فك قسط من شفرة فلسفة الجسد الإسلامية، لتكون للجسد أولوية الوجود عبر المقاصد المتراتبة من ضروريات، حاجيات وتحسينات، ففي نهاية المطاف يكون مرعيا بالحفظ في مدار الحفظ الوجودي للإنسان، فهو أداة الفعل ومقام للمحايثة مع الروح، ولن يرتقي إلى دفة القيادة، إنما يكون وسيلة للأداء، وغاية من غايات الاستقامة الموزونة بميزان الشرع.
الكلمات المفتاحية: الجسد، الشريعة، المقاصد، المباح، الحداثة، ما قبل الحداثة، البيوتكنولوجيا.
Abstract
Within the folds of capitalist investment in existence, the body acquires a central value and is considered an objective good, as its organic and Nano scale components attract the attention of major techno-scientific investments. This conclusion is undoubtedly closely linked to the modern philosophy of the body, conceived by Descartes, which separated the soul from the body, reducing it to matter governed by the laws of physics and mechanics, subject to the king and the sovereign, thus giving rise to the image of the fragmented and exploited body within the orbit of capitalist consumer consciousness. The Muslim enters into the consciousness of modernity by force, and proceeds in its path without being aware of the philosophical content of the outputs of the philosophy of the body. Perhaps what this philosophy has achieved in terms of playing with the fate of the body necessitates inevitably removing the silence on the philosophy of the body in the Islamic conception, where the body is a trust and not a possession. The foundational perspective of the Maquasids according to Al-Shatibi leads us to decipher a portion of the code of the Islamic philosophy of the body, so that the body has the priority of existence through the Maquasids that are arranged from necessities, needs and improvements. In the end, it is protected by preservation in the orbit of the existential preservation of man. It is the instrument of action and a place of immanence with the spirit, and it will not rise to the helm of leadership, but rather it is a means of performance, and an end of the goals of uprightness weighed by the scale of Sharia.
Keywords: Body, Sharia, Maqusids, Moubah, modernity, pre-modernity, biotechnology.
المقدمة-الجسد الوسيط المؤتمن به وعليه
يتموقع الجسد البشري في محور وجودي فاصل، وسيمثل في زمن غدى فيه المتغير البيوتكنولوجي فاعلا نشيطا، مادة استعمالية استهلاكية، ومجال استثمار يتسع باتساع الحاجة إليه، تطبيبا، تحسينا أو سفرا به نحو مواقع اعتبرتها العولمة، أفقا لابد من تحصيله، وأهمه الجسد المركب الذي تتخيله مابعد الإنسانية، متصرفا في ذاته خالدا بمحتوياته، يختار يوم ولادته ويوم موته وقد يخلد دون نهاية.
في السياق المادي لتأويل الوجود، ينكفئ الحضور البشري في حدود المساحة، التي يفتحها الامتداد المادي للجسد، فكان موضوعا لتطبيقات تقنية تريد حمله نحو أفق التجاوز، تدخلا، استنساخا، تحسينا، ثم وصولا إلى ما بعد الإنسانية بتدرجاتها المتتالية، فسيعتلي مدارج التغيير مستوفيا شرط الوجود الإلهي متعاليا بذاته ولذاته، من حيث الميلاد المختار، والبقاء النوعي، ثم الخلود الأبدي. يقترح الون ماسك Elon Musk))وجودا إنسانيا مفارقا للطبيعي، جامعا بين وظائف إنسانية وأخرى تتميز بها الآلة، ليقول لسان حال الحضارة الغربية، نحن على مشارف ميلاد السيبورغ، وتولي الذكاء الاصطناعي مهام التفكير. فهل بقي من وجود للإنسان؟ فماذا عن مصير الجسد، بين ثنايا التصور الذي يَعِدُ بِحذف أعطابه تحسينًا، والسير به نحو الخلود؟
في مدار التقلبات الصناعية للنيوليبرالية يكتسي الجسد القيمة، استشرافًا تقنوعلميًا وبحثًا عن فضاءات لتغيير الطبيعة البشرية، بهذا يرد التقابل بين وضع الجسد كتعبير عن الكينونة، ثم اعتباره مجرد خير موضوعي يُصَفَفُ على رفوف التسوق، يُباع ويُشترى وتُعاد صياغته حسب الرغبة الإنسانية؛ بين هذين الاعتبارين، تنزل نازلة شرعية التدخل في الجسد البشري، فما مدى القبول الأخلاقي والقانوني لهذا التدخل؟ هل الجسد ملكية ذاتية خاصة؟ أم أن أبعاده الميتافزيقية والأخلاقية تحول دون اللعب به؟ فهو حاضنة الوجود الإنساني بلا منازع وحامل كرامة الإنسان.
بين التفاؤل والتشاؤم بخلاصات التقدم التقني، تقف الإنسانية على عتبة ضبابية، تفتقد فيها سبل الترجيح بين المصالح والمفاسد، لأجل الحكم بالصلاحية من عدمها، واخراج منطوق يبرر شرعية الاستثمار المادي للجسد من لا شرعيتها، هي شرعية موصولة بالحق الطبيعي وفرضية حقوق الإنسان.
جمعت فلسفة نهاية الإنسان كل من فرنسيس فوكوياما (Francis Fukuyama)وهانس يوناس (Hans Jonas )، ففكرا في شروط النبوءة الفلسفية التي تقر بهذه النهاية، أدرك كل منهما أن مخرجات التحكم التقني تسري بسرعة فائقة، نحو غاية يشوبها عدم الوضوح والخوف من نهاية تؤدي إلى العدم (فرنسيس فوكوياما، 2002،ص 30) سيبدي فوكوياما مسحة متشائمة اتجاه مستقبل إنساني تعتريه القتامة، مقرا بأن البيوتكنولوجيا تثير التوجس والخوف، وتمد بتباشير نهاية الهوية البشرية واندثار كينونتها الوجودية والأخلاقية، أما مابعد الإنسانية بأشكالها المتتالية؛ فقد استشرفت اختلالا مركزيا للجوهر البشري (فرنسيس فوكوياما، 2002 ،ص303 ). يترجم الزحف التقني على الطبيعة والإنسان، عند هانس يوناس تباشير النهاية ليس للطبيعة، التي فارقت معايير الطبيعة بفعل التقنية، إنما بترقب اندثار الأنطولوجيا الإنسانية، ووعود استمراريتها الممتدة تجليا في الأجيال القادمة، يؤشر المسار التقدمي للتكنولوجيا إلى حتمية حلول العدمية، وتحقق نبوءة نهاية الإنسان (38P، 1995،Hans Jonas (.
بين النقاشات المحتدمة والمتعددة الاختصاصات، حول مصير الجسد بين ثنايا المتغير البيوتكنولوجي يغيب العقل الإسلامي ويصمت، بين المواقف الفلسفية والنقاشات المحورية، ينحاز هذا العقل إلى التواري لتختفي بتواريه عُدة التفكير الإجرائي، الذي أوقفه علماء أصول الفقه ومقاصد الشريعة، ونعني بها تلك الترجيحات الموزونة بالمصلحة والمفسدة، وتحقيق مناط التطبيقات البيوتكنولوجية. لا تعد هذه العُدة أداة منهجية فقط، بل تجلي بحق نمطا عقلانيا مخالفا للعقلانية الأداتية، التي جعلت من الجسد البشري موضوع استثمار، استهلاك وتسوق ثم بيع وشراء. أفلا تستفيد الإنسانية، من أنموذج عقلاني آخر يتقصى الغايات المسددة بالأخلاقية، تنبني على تكريم الإنسان كذات متكاملة، تلتحم فيها الروح بالجسد؟ ألا يعلو الإنسان في هذا التصور، لأنه مستأمن على الوجود عبر جسده؟ ألا يتخذ الجسد بعدا تكريميا لأنه أمانة ترعاها الروح؟
في زمن التوسعة التقنية التي احتلت مساحات الوجود البشري، يفتقد العقل الإسلامي فلسفة التفكير في خلاصات التقدم البيوتكنولوجي والذكاء الاصطناعي، نعني بها فلسفة تناقش وتحلل وتتجاوز المنظور العقدي، الذي يغلق سبل التقصي عبر الصد الدوغمائي، في زمن لم يعد فيه هذا المنطق مجديا. يجب أن تنفتح هذه الفلسفة تفكيرا في الجسد وتفكرا في مقاصد وجوده، وتطلعا إلى تعريفه في ثنايا الفهم الإسلامي عقيدة وشريعة. فأي موقع يحتله الجسد البشري في الشريعة الإسلامية؟ هل يتراتب في درجة أدنى من الروح؟ أم هو آلة تحايث الروح تتبين فيها سمات التكريم الإلهي؟ كيف يؤدي الأفعال التي تنخرط في الواقع، فتترجح عبره المصلحة من المفسدة أو العكس؟ وباختصار، بأي معنى يعبر الجسد في التصور الإسلامي، عن كينونة إنسانية فاعلة، تؤدي ماهية الاستخلاف والائتمان؟ كيف يمثل وسيلة وغاية في آن واحد من الواجب المحافظة عليها؟
يكون الجسد هو الوعاء الذي يحضر في الزمان و المكان، مؤديا المهام الشرعية التي كلف بها الإنسان كخليفة وُجهَ إليه الخطاب، ف »لا طريق إلى الوصول إلى الله إلا بالعلم والعمل، ولا يمكن المواظبة عليها إلا بسلامة البدن « . (الغزالي، 2003،ج 2،ص 3 ) فعلى الرغم من الخلاصة الصوفية التي حصلها الغزالي، إلا أن إصراره على دور الجسد في الممارسة العبادية، يعد محوريا نظرا لموقعه في الأعمال، المعاملات والعبادات. فهل يستطيع الإنسان الترقي، في مدارج الروح دون حضور الجسد، كفاعل أصلي في الممارسة العبادية؟ ما هو دوره في الأداء المثمر لعبادة تُصلح الوجود بشمول معناه؟
في فحص للدرس الصوفيِّ الغزالِّي، يتجلى الاهتمام بالجسد كآلة، تؤدي المهام الشرعية بغية تحصيل المقامات. وعليه يحرص حجة الإسلام على مفهومٍ أخلاقيٍ مُمَيزٍ، ترتفع به الروح فيترقى الجسد، ويحتد بالمهام التي تريدها هذه الروح، بهذا لن يتجاوز ما كُلف به حدا لهواه، سيحرص الغزالي على هذه الوظيفة مذكرا بآداب وأخلاق تنعش الروح وتروض الجسد، بهذا لم يكن الغزالي الصوفي لينهم بالجسد كأداة لتغيير الواقع، بل تنحصر الغاية الأخيرة في تطويعه وتهذيبه، لنيل الثمار عبر خلوة، انقطاع وتحصيل زاد المعاد. فما هي مهام الجسد في التصور الإسلامي عقيدة وشريعة؟ هل تنكفئ مهمته في مجرد أداء رياضة الروح في الخلوة والانقطاع؟ أم أن وسع دلالة العبادة في التصور الإسلامي، توسع مهامه ليكون محايثا للروح يمتلك حق الاشباع والترقي؟ فهو الفاعل الفعال في نقل حركة الإنسان إلى الوجود، وتجسيد نوايا الروح.
سيبدي حجة الإسلام مقته للفقه والفقهاء، ذلك أنهم لذلك الزمان تركوا باطن الحق، واتجهوا إلى ظاهره، فكانوا بذلك و في كثير من الأحيان فقهاء للأبدان ورسوم الأفعال (الغزالي، 2003، ج2، ص 23 ) فأية صلة تقوم بين الأحوال القلبية و الأفعال البدنية، في أداء مقاصد الشارع تبليغا للخطاب الشرعي؟ هل ينفصلان؟ أم يلتحمان تحقيقا للمقاصد المبينة في الخطاب الشرعي؟
لا ريب أن الناظر في طبيعة الفقه الإسلامي، سيخلص إلى نتيجة تعزز المكان الذي يحتله الجسد في التشريع الإسلامي، فالوظيفة التي أنيط بها الفقه، كدلالة مستحدثة في الملة تهدف إلى » معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين، بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة « ( ابن خلدون، 1993 ،ص353 ) هي وظيفة تنظم دائرة العلاقات التي يؤديها الفاعل المكلف منخرطا في الواقع، وبيان لضوابط الأفعال التي في الغالب يؤيدها الجسد، خاصة أن الفقه هو » العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية « ( الجرجاني، 1996 ، ص216 ) بهذا يظهر أن الضبط الشرعي كثيرا ما يهتم بالجسد، فهو أداة الفعل وبه يجب أن تترجح المصالح على المفاسد، فبالجسد يتجلى الإنسان فاعلا مكلفا.
بين تنظيم العلاقات وضبط الأحكام، المنوطة بالإحكام القانوني للأفعال، يكون الجسد -بوصفه آلة الأداء-فاعلا ومنفعلا، فاعلا لأنه القائم بالأفعال ممارسةً وانخراطًا في الواقع، ثم منفعلاً، فلأجله تدور الكثير من الأحكام، ضبطًا وتنظيمًا وارغامًا على الطاعة، لكن ما هي غاية النظر الفقهي في الجسد ضبطًا له، هل هي مجرد القيام بمهام زاد المعاد؟ أم الجسد آلة لأداء أفعال الصلاح؟ أفعال تنصهر بها كل من الدنيا والآخرة والعكس، في حضور جامع بينهما يقصد صلاح المكلف روحا وجسدا، فكانت العناية بالجسد علامة أساسية على الهوية الإنسانية، ليس باعتباره جوهرا إنما تابعا وآية من الآيات. فكيف يتولى الجسد مهمة التزكية في الإسلام ليَتزكى ويزُكي؟
تعد موافقات الشاطبي بيان عن أزمة النظر التي اعترت الاجتهاد الإسلامي، في زمان مغادرة المسلمين للتاريخ، توضحت في فرقة مذهبية، وانزياح عن الموضوع الأسنى للتشريع الإسلامي، الذي بدا مفارقا لما نصت عليه الشريعة الإسلامية من صلاح في الدارين، ولعل وقوع المكلف بين خطابي التهوين والتشديد، يستدعي إعادة التفكير في أدوات ضبط الفعل الإسلامي، الأمر الذي يمد بمبررات التفكير وصياغة الوضع الإجرائي لأصول الفقه، لينضبط مستوفيا لمهمة تنظيم تجربة العمل الإنسانية، فتُحَقِقُ مقاصدها وغاياتها المنصوصة في الأصول.
تواطأ الشاطبي على وجود نوعين من المقاصد: مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، تدلل مقاصد المكلف على محورية الإنسان عند الفقيه الغرناطي، فكان اعتبارها من نتائج التأويل الأصولي المؤسس على قراءة الغايات، خاصة أن الخطاب الصوفي لذلك الزمن الأندلسي، قد مكن من نفسه نبذا لحق الإنسان في التقلب في العيش، مسيبا لحق الجسد في التمتع بما مكنت منه حدود الشرع، قاهرا إياه إلى درجة تتقوض معها مقاصد الشارع، بل أخرجه عن مقاصده التي لا تتناقض فيها الغايات الشرعية والأخرى الإنسانية، فهما متكاملان تؤديان معا غاية الصلاح.
على غير عادة الأصوليين، سَبَّق الشاطبي اهتمامه بحكم المباح، دون الأحكام الأخرى، ويبدو هذا الاجراء دليل رعاية الإنسان كمكلف فاعل، علينا أن نعتبر جسده قيمة، فهو القائم على أداء المقاصد الأخيرة للشريعة، فحكم المباح يعني إمكان التقلب في العيش، دون ورود ترجيح لمصلحة أو مفسدة، ومن ثم ضبط التوسعة على الإنسان، تكون فيها حظوظ الجسد قائمة حسب مساحة الرخص المتاحة، بشرط عدم خروجها عن مقاصد الشريعة، لينضبط التقلب في العيش طبقا لمنظور التزكية.
بين ثنايا التنظيم المنطقي لحكم المباح، يتجلى سؤال وجودي محمل بالأبعاد الأخلاقية، سؤال يقُضُ روح المسلم في كل زمان ومكان، كيف أستطيع التقلب في العيش، دون أن يعود هذا التقلب حكما بالمنع قد يؤدي إلى مكروه أو حرام؟ سيجيب الشاطبي عن هذا السؤال في إطار الكوني الإسلامي، ويعقد في سبيل ذلك التقاطعات المنطقية بين أنواع الأحكام ف، »الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال « ( الشاطبي، 2003، ج2،ص 209 ) ذلك أن الفقيه الغرناطي يدرك أن قهر الجسد، يؤدي إلى التخلي التدريجي عن التكليف، لأنه ضرب من التعسير الذي حذر منه الخطاب الشرعي، دليله الرخص التي تعقبها التوسعة، تدريبا وتكييفا له مع الممارسة وعدم الخروج عن التكليف، إنها شريعة إنسانية تراعي قدرة الإنسان على التكليف.
في تدبر مراتب المقاصد، ينزل وجود الإنسان منزلة الضروري به تتم هذه المراتب، فإذا كان الدين هو الجامع الأول وأول المقاصد، فإن المتواليات المقصدية الباقية تمثل الغايات الكلية، التي تمكن للإنسان الوجود، فالنفس، العقل، النسل، والمال والعرض، هي إحاطة وجودية بالمكلف وترتيب لأولياته التي ترعى الوجود الحيوي وبها تُحفظ الحياة.
تلتحم بالوجود الإنساني قيم أخلاقية، ترفع من قدر الإنسان ليتزكى، فيرتقي الوجود الحيوي من مجرد الكتلة المادية، التي تبغي البقاء في مستوى الاشباع المادي، إلى التمظهر التزكوي الذي يعني الترقي في درجات الإنسانية. فالنفس كناية عن الحضور الزمكاني للإنسان داخل وعاء الجسد، والنسل امتداد لهذا الجسد، و عقله مُسَيَّرٌ سديد لوجوده به يدرك المصلحة من المفسدة ويفصل بينهما، أما المال فهو القيام الاقتصادي بأود هذا الوجود، هنا ينزل الاهتمام بالإنسان و وجوده منزلة الضروري الأول، أفلا يكون الجسد باعتباره وعاء الوجود الإنساني، حلقة مركزية في التأسيس المقاصدي؟ ذلك أن الوجود البشري في التصور الإسلامي يَخْتَصِرُ المحايثة بين الروح والجسد والحضور التكاملي بينهما، أداء لأفعال الصلاح، عبر الإرادة وبوسيلة الجسد، لأن إحياؤه حياة للشريعة ومقصد لها.
تثير دائرة التحسينات و وقوعها في الدرجة الأخيرة من نظام المقاصد- بما أنها ترعى الحضور الأخلاقي والجمالي للجسد- أكثر من سؤال عن طبيعة التقسيم المقاصدي، جدارته، وآلياته، إذ هي » الأخذ بما يليق من محاسن العادات و تجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات « ( الشاطبي،2003 ،ج 2 ،ص ص 9 -10 ) بهذا فهي تزيد عن الحاجة كونها زينة الجسد أخلاقيا وجماليا، بين التحسينات والضروريات يقع الجسد في أحوال، لأنه فاعل أول داخل الدوائر المتقاطعة لمقاصد الشريعة، يتقلب في مدارج العيش، فيُمَكِّنُ للضروري والتحسيني تكليفا وبيانا تزكويا تترقى عبره الروح.
تبدو أصالة التأسيس المقاصدي عند الشاطبي، في بيان العلاقة بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، لنركز على طبيعة المكلف باعتباره إنسانا، يُوجد بالجسد أنزلت الحدود والأحكام باعتبارها صياغات كلية تسيره نحو الغايات الأخيرة للمعنى الإنساني، فتحدث التوازن والتمكين من الوسطية. فماهي علاقة الجسد بالضوابط الشرعية؟ كيف يسلك عبرها الجسد ليُحَصِّل الغاية الأخلاقية من وجوده؟ بحيث تُهذب الغاية الجسدية، لينزل منزلة الوسيط القام بالمقاصد الشرعية، فتتعزز مكانة المكلف باعتباره مستخلفا ومؤتمنا على الوجود بفعل الجسد.
عموما يستدعي الاهتمام الذي أولاه الشاطبي للإنسان كمكلف، البحث عن موقع الجسد باعتباره آلة أداء المصالح والمفاسد. فكيف أولى الشاطبي للإنسان الدور في تنظيم الواقع، ترجيحا للمصلحة على المفسدة، من خلال أفعال الجسد التي تخلص إلى تحقيق المقاصد في الواقع؟ وكيف تضمن المقاصد الوسطية محورا لحياة الجسد لينزل قائما بين الإفراط والتفريط؟
تتبين الصلة بين الجسد والمقاصد، في فكرة تأصيلية شاطبية بينها الفقيه الغرناطي عبر آليات مالكية ارتهنت بوضع تاريخي عاشته الأندلس في نهايتها، فقد اختلطت المصالح بالمفاسد و ظهرت بوادر اندراس الشريعة، في سياق إسلامي شامل بدا في حالة مغادرة للتاريخ، فما هو موقع الجسد في المنظومة الأصولية والفقهية الشاطبية؟ كيف يكون الجسد فاعلا شرعيا تحصيلا لمقصد الصلاح؟ كيف يتزكى الجسد فتتزكى الروح والوجود جملة؟
أولا –فلسفة الجسد في التشريع الإسلامي: يقابل الاهتمام بالجسد في الفقه الإسلامي، خلو ساحة الفكر الإسلامي من فلسفة التشريع التي تتناوله بالنظر والفهم، بينما يُحدث الفقه الاستثناء بين جملة العلوم الشرعية في قيامه بتحديد رسوم التي ينضبط وبها وفيها الجسد. تجدر الإشارة بأن اهتمام علم الفقه بالجسد جرى وفقا لدلالات:
-الدلالة الغيبية: الجسد عابر من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ثم يعود القهقرى ليحيا وينال جزاء القول والفعل الذي أداهما في الدنيا، وهو مدار الحساب الأخروي ألما ولذة، وموضعا للسعادة أو الشقاء في رحلة من الدنيا إلى الآخرة، موعودا بالجزاء نعيما أو عذابا. انطلاقا من هذ التصور تنبني فلسفة لحساب اللذات والآلام الخاصة بعالم الغيب، ويكون الجسد هو عامل التواصل، وهو بالتالي عامل هام في الإقبال والإدبار على العمل الشرعي وطبيعته الحساسة هي التي يمارس عليها الترغيب والترهيب، إنه الفاعل في الدنيا وهو المٌنعم او المُعذب في الآخرة، ومن ثم فهو موضع شديد الأهمية في العملية الأخلاقية، ولأجل ذلك يكون الفقه علم الإحاطة بحركة الجسد، في سياق القواعد والضوابط العملية المنوطة بالشرع.
-الدلالة الآلية: الجسد هو آلة الأفعال الشرعية وأداة الانخراط في الواقع، ووسيطٌ مركزيٌ تحقيقًا للمقاصد النهائية التي يحصلها الإنسان. وبالنسبة للعقيدة فهو العارف والمعترف، بالميثاق والمستأمن على الوجود. وعليه فإن تنظيم الأفعال البشرية، يعد مهمة تشريعية رئيسة في الخطاب الشرعي، حيث يجري صقل المهام التي يؤديها الجسد عبر ضوابط شرعية تتقصى تسييره، نحو غاية تنضبط بثمار التزكية رفعًا له من الوقوع في الاندثار في العدمية. وإذن يتميز الجسد في الشريعة الإسلامية بخصوصية، فهو حامل القيمة الأخلاقية، انطلاقا من أصول عقدية وتشريعية تنضبط بحدود قانونية تمنع الجسد من الوقوع في التفكك، وتعمل على رفعه في درجات التزكية.
يبدو جليا أن الأحكام الشرعية، هي ضوابط تنظيمية تتحكم في السلوك ليتناسب مع الفطرة فتؤدي الغاية الأخلاقية التي كلف بها الإنسان باعتباره مكلفا مسؤولا، وفي هذا السياق ينبني الاهتمام بالجسد بوصفه الوسيط بين الأمر الشرعي وتحصيل المقاصد، وفي الوقت نفسه يقوم في وسط أعدل حتى لا يقع في التسيب تشديدا وتهوينا، يتضح ذلك في التشريع الرباني لحالات التوسعة والضيق، فيؤخذ الجسد وفقا لإمكاناته، لينسجم فيه المكون الحيوي مع الأمر الأخلاقي.
-الدلالة الأخلاقية: حظي الجسد في الشريعة الإسلامية، بأهمية قصوى رعاية له في حالات الحياة والموت، الصحة والمرض. كما مكنت له أنواع الإشباع وفقا لوسطية تنتهي إلى تقدير ماهية الذات الإنسانية، تلك التي اعتبرها علماء التخلق كالراغب الأصفهاني،( الأصفهاني، 1987، ص94 ) وعلماء المقاصد كالغزالي والشاطبي، فهي إنسانية و ليست بهيمية بمعنى أنها أخلاقية( طه عبد الرحمن،2002 ،ص59) ففي الوضع الإسلامي تختفي عن الجسد حالات العدمية، التي سقطت فيها حضارة تقنية وَسَّلت الإنسان وأعدمت روحه.
الحاصل في التشريع الإسلامي تُرَشَدُ الغايات الإنسانية، روحية وجسدية في السياق العام للصلاح، بيانا للماهية الإنسانية على الأصالة، بهذا تصدر قيمة الجسد في المسار الكلي لتقدير الفطرة، تحقيقا لإنسانية تنصهر فيها الروح بالمادة. ويعد خطاب الرخص والتيسير، دليل على التكفل الموضوعي بالإنسان واعتراف كامل بحقوق الإشباع الجسدي في العبادات، العادات والمعاملات، وهو ما يضبط أحوال تقلبه تحت سلطة التقنية بفعل التحديث القسري، فيمنع عنه التشتت في دروب التغيير الموزون بالهوى.
ثانيا-الإنسان في فلسفة التشريع الشاطبية: اتخذ الكوني الغربي فوقيته المؤسسة انطلاقا من خصائص ميز ذاته بها، فقد اُعتبر أنموذجًا إنسانيًا عقلانيا شاملا، به تتقدم البشرية نحو الانفتاح الحضاري؛ أما النماذج الأخرى التي توصف بأنها ما قبل حداثية فتفتقد لهذه الخصائص، وسيكون الأنموذج الإسلامي عينة عن الوضع ما قبل الحداثي باعتبار مكونه الجوهري، وهو الصلة بين الإنسان والله، فيكون من ثم أنموذجا لاإنسانيا، فالتصور الإسلامي يتخذ ركيزته على مسلمة، هي أن الله هو مركز الكون، بينما يعد الإنسان خلق من مخلوقاته، بالنسبة لعقلانية غربية مؤسسة على تعالي الإنسان فإن هذه العلاقة، تعد نقيصة لا يرتقي بها هذا الأنموذج، إلى مصاف البديل الحضاري.
تمثل الحرية قيمة مركزية في الأنموذج العقلاني الإنساني الغربي، فمنها تنسل القيم الأخرى، وتتكفل بتقديم إطارها الكلي الموجه، يبقى إدراك ماهية الحرية كقيمة مؤسسة مفصليا، في وعي فلسفة التشريع الحداثية، ذلك أن الحرية تنبني على فلسفة مخصوصة، تسلم بفرادة الإنسان وفقدانه المعالم المحيطة بوجوده، فهو من يكونها ويؤسسها، ومن هنا يمكن وعي المنظور البراديغمي للحداثة الغربية بالكلية، ثم إدراك مساراتها وخواتمها التي وصلت إلى مرحلة جندرية، تريد تغيير الطبيعة البشرية معتبرة التحول الجنسي -مثلا -حقا من حقوق الإنسان يناله اعتبارا من حقه الطبيعي، وقد وسمه بالحرية الأصلية، هنا تنفتح البدائل المتاحة منها التغيير الكلي للجسد، والتحول الجندري الذي ينفي الطبيعة البشرية بالكلية، نافية وجود الذكورة والأنوثة، معتبرا الإنسان خلق واحد وإليه يعود اختيار الجنس.
بين الإنسان الحر حقا طبيعيا مرسوما في الطبيعة البشرية، والإنسان كمكلف من الله بعلاقة تضبط حريته مرجعية مؤسسة، تكمن المفارقة بين الأنموذج الحداثي الغربي والأنموذج الإسلامي ما قبل الحداثي ذلك» إن الله وفقا للقرآن […] هو الموجود الوحيد الذي يستحق أن يسمى موجودا بكل ما في الكلمة من معنى « (توشيهيكو إيزوتسو، 2007، ص127 )
تبدو مشروعية التأصيل الفقهي والأصولي في الحضارة الإسلامية في مراقبة الحرية وتنظيمها، حفاظا على الإنسان من التسرب إلى مناطق تخلو من الحراسة المرجعية للذات، حيث يتسيب مندثرا في شعاب البهيمية بل والأضل سبيل، منحدرا إلى جرف الفساد الذي يقود إلى عدمية، تبينت في وعود تقنية تتنبأ بها البيوتكنولوجيا ودعاة ذكاء اصطناعي، يحلمون بتغيير الظرف الإنساني، بتحميل الوعي في رقاقات خوارزمية.
كان تقسيم الشاطبي للمقاصد إلى مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، ملفتا للنظر مثيرا في بيانه، إنها التفاتة صميمية في مجال النظر في حق الإنسان، فاعلا بالأمر الشرعي منخرطا فيه، بهذا تؤدي مقاصد المكلف تأويلا شاملا، لكيف تكون علاقة الإنسان بالله، فهمًا للخطاب الشرعي وعملاً به، ومن ثم تحقيقا للمقاصد المنصوصة في الشريعة الإسلامية، ليحضر المكلف بثقله الإنساني فتُوصَل مجموع مكوناته جسدية وروحية ببعضها البعض. فما هي طبيعة المكلف؟ وكيف ينخرط في العمل الشرعي، تحصيلا للمقاصد المنصوصة؟
1-البنية النفسية للمكلف وإمكان التكليف: تستند الركيزة الاستدلالية لعلم أصول الفقه عند الشاطبي على مقولة ضرورية وفاصلة » وهي أن وضع الشرائع إنما هي لمصالح العباد في العاجل و الآجل معًا « ( الشاطبي 2003، ج2، ص4 ) بهذا تتحرك الشريعة وفقا لموازنة تكفلها حدود موصولة بين المصلحة والمفسدة، ترجيحا لمواقع الوجود الإنساني، كما تُفسر الشريعة عبر منطق غائي، يبين رجاحتها ولماذا أنزلت للتكليف بموجبها.
يُبين المنطق الغائي للشريعة صفة موضوعية، تستبعد الذاتية التي تتجلى عبرها المصلحة رغبة تعلي الحظوظ العاجلة، وعليه يصر الشاطبي على إسقاط الحظ من الفعل الشرعي، فيكون الفعل الصالح محددا بالموضوعية، التي يفرضها الحكم الشرعي فرضًا عموديًا، دون ورود حظوظ الذات حيث يتسرب الهوى منظما للغايات الإنسانية الذاتية.
عالج الشاطبي مفهوم المصلحة معالجة منطقية، مبينا وظيفتها السلوكية، فالصلاح قيمة أخلاقية تقترن بالسلوك باعتباره جهدا مبذولا يكون الجسد محركا له، كما أنه تتخلل الحياة الإنسانية لتجعل منها سيرة الصالحة، أما الشخص الإنساني فيكون مُمَكَناً من الأداء، فلا يُكلف بما لا يطيق، لتتاح للجسد هنا كل الإمكانات باعتبارها حالة نسبية وحدود إمكانية.
إتماما للغاية الصالحة يحيط الشاطبي البنية النفسية للإنسان بالعناية، فلا تتناقض التكاليف الشرعية مع الطاقة الإنسانية، ليحضر الجسد فاعلا بوصفه موقع الإمكان السلوكي، ذلك أن المصلحة الشرعية لها مرتبة وجودية، تعود إلى طبيعة الحساسية الإنسانية وأوضاعها المحاطة بالزمان والمكان، في هذا السياق يحدد الشاطبي الصلة بين إدراك المصلحة والمفسدة من جهة، وثنائية اللذة والألم بوصفهما قانون طبيعي تتكيف وفقه الذات مع الواقع يكون محله الجسد. ففي هذا المستوى، يلاحظ أبو إسحاق الطبيعة النسبية لقيمة الصلاح، فالمصالح والمفاسد مزيج يحيل كل واحد منهما إلى الآخر، فما هي إذن علاقة الفعل البشري، بهذا المزيج كعنصر مكون لواقع يندمج فيه الجسد فاعلا؟
يحدد الشاطبي طبيعة المصلحة بالنسبة للوضع الإنساني، الذي ينزل فيها الحظ منزلة أولى فتختلط فيها المعايير، وعليه لا وجود لقطيعة في هذا المستوى، بين الحساسية الإنسانية ومقصود الشارع. يجب الإشارة إلى أن المصالح الشرعية، صيغت صياغة عقدية وتشريعية لتكون مدركة من قبل المكلف، بحيث يوجد اتساق بين مقاصد الشارع والقوانين الطبيعية التي جبل عليها الإنسان، من جهة البنية النفسية الفيزيولوجية والبيولوجية، ليتمكن المكلف من أداء العمل طبقا للتكليف الممكن، هو اتساق يعني إصلاح الأولى للثانية » فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة شرعا […] ليكون حصولها أتم و أقرب و أولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية في الدنيا « ( الشاطبي،2003، ج2 ،ص ص 26-27 )، أكثر هذه العادات تتعلق بعادات الجسد، الذي لا بد أن يتمكن من أداء الأفعال الشرعية، بحيث تعود عليه ضبطا وتنظيما يُخرج الإنسان من داعية الهوى، ويُشبع الغايات وفق المقاصد المنصوصة، فتستبعد ماهيته الإنسانية النزول في الدرجات، ولعل مطالب البيوتكنولوجيا في راهن مابعد حداثي الداعية إلى التحسين ومابعد الإنسانية، تمثل بحق أنموذجا لهذا الانحراف بالجسد، نحو الدرجات التي تخرجه من حال الإنسانية إلى افق الاندثار العدمي، بسبب نزل الحظوظ العاجلة منزلة الآمر.
وإذن تحرك التعليل بالمصلحة، ليكون أداة أصول الفقه في المنظومة المقاصدية عند الشاطبي، فقد اُستشكلت فلسفة التشريع انطلاقا من المقصد الشرعي، الذي يعني إعادة الفقه إلى وظيفته الأساسية تلك التي تتبين في تحقيق الاستقامة في السلوك كحمولة باطنة، تتجلى في الفعل الذي يؤديه الجسد، هي استقامة جامعة بين أحوال الباطن والظاهر، وعليه فإن الناظر في طبيعة المقصد بصياغته الشاطبية، يلقاه مشحونا بالمضمون الإرادي و القيمي، وامتزاجا بين التجربة الوجدانية الإنسانية والغاية السلوكية التي تتجلى عيانا في أفعال الجسد، ذلك أن » دقائق فروع الأخلاق الظاهرة و الباطنة […] ترجع إلى أصول شرعية « ( الشاطبي، الاعتصام، 1993 ،ج1 ،ص ص150 -151) ليكون الجسد قائما بالأمر الشرعي مؤديه في حدود المقاصد المنصوصة، محققا للفعل الأخلاقي كثمرة تنظيمية وتزكوية، أما خلاف ذلك فإن الجسد يهيم في مفاسد تحيده عن الطريق المستقيم والغاية من وجود الإنسان.
هكذا أدرك الشاطبي صفة التشريع المحقق للمقاصد، فقد بدت جلية في اهتمامه بالإنسان و بالكيفية التي يُؤُوِّلَ بها الأحكام الشرعية في سلوكه، و هو ما يدل عليه حصره لموضوع علم أصول الفقه، في العمل بوصفه عمل القلب والجوارح ( الشاطبي،2003 ،ج 1، ص 31)، باعتبارها تركيبة تجمل مظهرا الوجود البشري، الوجداني والجسدي بحيث لن يكون الجسد مهملا تفريطا فيه، كما روج الخطاب الصوفي مكلفا الإنسان ما لا يطيق، أو بتوسيع لمباحاته بحيث ينزل الهوى منزلة الفاعل المٌفرط، ليقوض بذلك ركن الاتزان في السلوك الإنساني فتنعدم على إثره القيمة الأخيرة المنشودة من الحياة، وهي سعادة الإنسان في الدارين.
وإذن لن يتأتى التوازن بين التشديد والتهوين والإقرار بالوسطية، إلا عند الاعتراف بحقيقة الذات الإنسانية، وقدرتها على التكليف، ليتخذ الجسد قيمة مركزية بوصفه وسيطا، وأداة الفعل التكليفي الذي يمكن من انخراط مقصدي في الواقع، فلا يعلو مسيرا للإرادة ولا يُسْتَبْعَدُ فَتُوهن الإرادة، وعليه فلن يهيم الإنسان على وجهه في دروب مظلمة مضلة، لتكون الغاية من وجوده هي عبادة الجسد.
2 -راحة الجسد في التكليف المعقول-لا إفراط ولا تفريط-: ينطلق التعليل المقاصدي عند الشاطبي، من دعوة مؤسسة يكون التكليف، بموجبها تكليفا بما يطيقه الإنسان، هي القدرة التي يتمكن عبرها من أداء الفعل، بوصفه قدرة جسدية معلقة بالإرادة.
لقد حد التصوف من قدرة الجسد، فأخرج الشريعة عن مسارها المنوط بتحقيق المقاصد، لم تعد تعتد بها فقد ضَيق الخطاب الصوفي، من فساحة الأمر الشرعي وممكناته المتاحة. وتعد خلافة الإنسان على الوجود-باعتبارها انخراطا في الواقع تغييرا وإصلاحا-أكمل الغايات التي يحملها التكريم الإنساني كرسالة بين ثناياه، وعند التفريط في حق تقلب الإنسان في العيش، لم يعد يمتلك قدرة أداء، ما أبيح له من النعم وندب إليها، فكانت نتائج التفريط في حقوق الجسد، منعرجًا خطيرًا في بنية الحياة. نظرا لهذه النتيجة، فما هو المدى الذي يتمكن به المكلف، من أداء العبادات، العادات، والمعاملات، بغية حمل الوجود على التمكين الشرعي، كمقصد ضروري أول يتجلى في الدين؟
بالموازاة مع الخطاب الصوفي الذي قوض التجربة الفطرية، هناك الخطاب الفقهي الذي الغى المقصد من الشريعة، بتركيزه على رسوم السلوك فأبعد الشريعة عن مراميها وغاياتها المقصودة ، حينئذ تمنى الشاطبي الردى في حرب مواجهة بينه وبين فقهاء وقفوا عند رسوم الأفعال فأفسدوا الشريعة ومن خلقه السلوك،( الشاطبي، الإفادات والإنشادات، 1986،ص109 ) فقد تساوق فقهاء الظاهر مع نزعة اللهو والمجون، التي ميزت البنى المجتمعية في الأندلس، تبريرا لأفعال مالت إلى الإفراط، لتتعثر المقاصد ويغلب البهيمي على الأخلاقي، والبهيمي يعني اعتلاء اللذة والحظوظ العاجلة، فيقود الجسد مرامي الذات بعيد عن التكليف الشرعي، لتنتشر المفسدة وتتقوض المصلحة.
عموما جر الخطاب الديني في القرن الثامن الهجري، انفصالا بين طبيعة الجسد وحقوقه من جهة، والأحكام الموزونة بالشرع من جهة أخرى، وبخاصة في الخطاب الصوفي الذي نبذ الجسد، وأفقده حقه في التمتع بالنعم التي منحها الشارع للمكلفين، حقا في التقلب في العيش تحقيقا، لمقصد الخلافة الأخلاقية والسياسية التي تكتمل غاياتها بحسن تسيير الجسد، فيكون وسيلة وغاية للمقاصد.
من بين نتائج التعليل المقصدي، الإقرار بالوسطية التي تعني أيضا إشباع حقوق الجسد، الذي يمثل في حد ذاته مصلحة ممكنة لمصالح أخرى، الأمر الذي جعل الشاطبي يركز على التيسير، الرحمة والعفو كدلالات محيطة بالأحكام الشرعية، وهي أحوال تحيط بالجسد و تمكن له التكليف المعقول، باعتباره حدا دون الوقوع في البهيمية التي قد يسقط فيها الإنسان إذا عانى تجربتين: التشدد أو التهوين، يؤدي التشديد في نهاية المطاف إلى انفصال المكلف عن أمر التكليف، حيث ستتناقض آليات العمل البشري تناقضا كليا، مع القدرة الفيزيولوجية للإنسان، من حيث الإمكان الذي يمثله الجسد، حينئذ ينقلب على الحالة النفسية رفضا للتكليف. في حين تعود القيادة إلى الجسد في حالة التهوين، هنا يسقط عن المكلف التكليف ويغدو الهوى آمرا، إنهما حالتين تعمل الشريعة على استبعادهما.
ثانيا -أية مقاصد شرعية تتكفل بالجسد ؟: لقد سار الفقيه الغرناطي في نظره الاجتهادي إلى اعتبار العمل هو موضوع النظر الأصولي، فلا تكمن الغاية من علم أصول الفقه في تخريج القواعد النظرية، إنما تكون بإنزال الغايات المنصوصة في الخطاب الشرعي على الواقع إصلاحا وصلاحا، يكون الفاعل في هذا الإنزال هو المكلف بوصفه من أُنزلَ إليه الخطاب تكليفا، وإقرارا بقيمة الصلاح وتفعيلا لها في الواقع.
تختص الشريعة الإسلامية بخاصية فريدة، تتجلى في مراعاتها للوجود النسبي للإنسان، يظهر ذلك في الأحكام التي أحاطت بأحواله، في ساعات التوسعة وساعات الضيق. يكشف الشاطبي عن المقصد الأسنى لمثل هذه الإحاطة، إنه التيسير والتوسعة على المكلف لتحيط الشريعة بطبيعة أفعاله، ذلك أن التضييق لن يجر إلا التسيب و اندراس الشريعة وفقدان السلطة على السلوك، لأنه يتناقض مع الطاقة البشرية، وخاصة الجسدية منها، إذ ذاك يفقد الجسد تدريجيا، القدرة على التحمل مما يؤدي إلى ترك التكليف، باعتباره مجلبة للتعسير وهو ما لم يكن البتة مقصودا للشارع.
تترتب المقاصد ترتيبا تصاعديا عبر دوائر متتالية، وهي الضروريات، الحاجيات والتحسينات، استشكالا لدور الجسد في تحقيق المقاصد، سيتم التركيز على مقامه بين هذه المقاصد بوصفه غاية ووسيلة، فأية مقاصد تهتم بالجسد، وتُمكن له إشباع متطلباته وفقا لماهية الإنسان؟ بحيث يعود هذا الإشباع بالصلاح على المكلف في دنياه وآخرته.
1 -المقاصد السطحية و المقاصد العميقة: ينزل تقسيم المقاصد تدرجا من الأعلى إلى الأدنى، بحيث تكون التحسينات، بما أنها هي » الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات […]ففي العبادات كإزالة النجاسة -و بالجملة الطهارات كلها-وستر العورة، وأخذ الزينة، والتقرب بنوافل الخيرات من الصدقات والقربات، وأشباه ذلك. وفي العادات كآداب الأكل و الشرب، ومجانبة المآكل النجسات، والمشارب المستحدثات والإسراف والإقتار في المتناولات « ( الشاطبي ،2003، ج 2، ص ص 9- 10 )، تكون هذه الأحوال الإنسانية العملية- التي حصرها الشاطبي في مرتبة المقاصد التحسينية -شديدة الصلة بسلامة الجسد من الناحية الصحية، الجمالية، حيث تضفي عليه محاسن العادات الأخلاقية والجمالية، التي تعود عليه بالتوازن النفسي والاستقامة الحياتية، بل تلزم حصرا عن وجوده، فهل اعتبر الشاطبي التأسيس المقاصدي للجسد، في دائرة المقاصد التحسينية، التي قد يتم تجاوزها عند الاقتضاء، دون أن تُحْدث خللا في الممارسة الشرعية؟
تجدر الإشارة إلى أن حصر التأسيس المقاصدي للجسد، فيما يمكن الاستغناء عنه أي التحسينات، تقوض مواقف سابقة للفقيه الغرناطي، تتبين في إيلائه الأهمية المركزية للإنسان كموضوع للتشريع، ففي الشريعة التي ما أنزلت إلا لصالح العباد، يمثل الجسد استقطابا مركزيا فلأجل استقامته وجه خطاب التكليف للمكلف حسب القدرة والطاقة البشريتين، وهما من مكونات الجسد، فيُعَوَلُ عليه للقيام بالأفعال. ركز الشاطبي على الوسطية والتيسير، ويعد الجسد موضعها لأنه هو الوسيط وأداة الفعل وفي الوقت نفسه غاية مرجوة بقاء وصلاحا. فهل يستوفي التأسيس المقاصدي حق الجسد، في تقاطع الدوائر المقاصدية من ضروريات إلى حاجيات ثم تحسينات؟
تبدو المقاصد التحسينية سطحية، وكأنها عمل زائد وكمالي، يعني أن الأفعال الداخلة تحت جنسها، عبارة عن ممارسة سطحية سلطتها ضئيلة ومنفصلة، عن التجربة الدينية العميقة المنوطة بالمقاصد الضرورية التي بتجاوزها يكون تجاوز الدين، حري بنا هنا أن نبحث عن علاقة الجسد بالضروريات، فهل يقع الاهتمام بالجسد خارج دائرة الضروري؟ خاصة أنه تم التأكيد بأن الشريعة أنزلت لمصالح العباد في الدارين؟
تكون المصالح بمراتبها الثلاث تكليفا موصولا بالمكلف، أما حصول أثره فمرتبط بتجربة العبودية، بمعنى أن وعي الخطاب الشرعي والعمل بمقتضاه، ينطلق من التجربة العميقة للممارسة الشرعية، حيث يكون الخضوع و التجلي طاعة، فيغتني الإخلاص بإصلاح الباطن، والانقياد إلى العمل بالأوامر، وهي عينها العبودية المحققة لصلاح المكلف في العاجل والآجل، تلك هي المنطقة التي ينطلق منها التأسيس المقاصدي للجسد، هي التجربة الوجودية التي تسيره، بوصفه وسيطا هاما في الموازنة الشرعية، بدونه لا يكتمل المراد من التبليغ لأنه أداة الأداء والعمل، فبصلاحه وإصلاحه يكون التبليغ قد أدى المقاصد المنوطة به.
2 -الجسد بين الضروريات، الحاجيات و التحسينات: جعل الشاطبي أول مسلماته وضع الشريعة لمصالح العباد ابتداء، وأول مقاصد الشارع ( الشاطبي،2003 ،ج2 ، ص4 )كما جعلها بالقصد الأول، في الدرجة الأولى على الإطلاق، و كل ما عداها تفصيل لها، كما أقر بأن الشريعة هي نظام يحمل المكلف صوب صلاحه حملا اعتبارا لكلياتها وجزئياتها، وعليه تركز المصالح الضرورية على الصلاح قيمة مهيمنة تفسر مراميها وغاياتها.
فقبل أن يتجسد الصلاح في حفظ الدين، النفس، العقل، المال، النسل، والعرض، فإنه يعتمد على عقيدة راسخة تتجلى في إدراك باطني يتعمق بالانقياد، الطاعة ووجوب الالتزام بالأمر. اعتبارا لهذا الفحوى يكون » معنى الشريعة لأنها تجد للمكلفين حدودا في أفعالهم، وأقوالهم و اعتقاداتهم، وهو جملة ما تضمنته « .( الشاطبي 2003،ج 2، ص3 ) من ثم سيسير الجسد في سياق انضباط أخلاقي يتحقق من خلاله الكلي المقصدي، فعليه يتم التعويل على نقل الأمر الشرعي من الخطاب إلى التحقق به تتجلى الممارسة الشرعية في الواقع ويكون الجسد فاعلها.
تعبر وحدات المقاصد الضرورية، عن حرص كلي على الوجود البشري العيني المحقق، فالنفس، العقل، المال، النسل، والعرض، هي مقاصد إنسانية خاصة تعتني بالوجود البشري مقابل اللاوجود و العدم، و إن كان الدين هو المقصد الأول لأنه الضامن لتسيير صالح لهذه المقاصد، فهو الذي يمدها بالعقيدة المؤسسة التي تبين أن ملكية الجسد، لا تعود إلى الإنسان فلا يتصرف فيه كما يشاء، فالجسد مكرم بالخلق الأول عبر التقويم الحسن، مرعي برعاية ربانية، زاد علوه بالنفخ الروحاني من قبل خالقه ومصممه، ولذلك فهو يسري في سبيل تحقيق المقاصد.
في تدبر الترتيب المنطقي للمقاصد الضرورية، تتبين إحاطتها بالإنسان إحاطة تصاعدية، حسب الأولويات، لذلك يكون الوجود الإنساني العيني أول أولويات المقاصد، وهو ما تعبر عنه المقاصد الضرورية، النفس، العقل، النسل، المال، والعرض، فهي تعتني بالوجود العيني المتحقق وتحرص عليه، ولاريب أن تمظهره المتحقق يكون عبر الجسد، حيث يرتهن الوجود جملة بالوجود الجسدي للإنسان ضرورة، ليبقى –مثلا- عبر مقصد النفس ثم النسل، أما رعايته من ناحية الاقتصادية فيكفله مقصد المال ويكون العقل وسيلة ترشيد الوجود، وتمكين للتكليف وإقامة لأود الإنسان، ليتمظهر العقل عبر الأفعال التي يؤديها المكلف، فتتجلى في حركاته المسددة، وفق غائية إرادية يؤديها الجسد بوصفه وسيلة وغاية التحقق العيني للوجود الإنساني، لأن الاستقامة تحدد وضعه الوجودي الأخلاقي.
هكذا تبدو المقاصد الضرورية التي تلي مقصد الدين، إحاطة كلية بالوجود الإنساني، تمكن له الوجود الجسدي العيني المتحقق والمتوازن، وهي تنزل تحت سلطة الدين ككلي أول، بوصفه تعبيرا عن منظومة كاملة من جهة المشروعية الغيبية، الوجودية والقيمية، من هذا الباب تُرشد الغايات الإنسانية نحو الغاية الأسنى وهي صلاح الإنسان، لترتهن مقاصد المكلف بمقاصد الشارع، وتسير في ركابها ويؤخذ الجسد في هذا الركاب فاعلا ومنفعلا، غير متعد على الوظيفة التي تكفل بها.
يكمن الإجراء الأداتي الذي يؤديه التيسير، في إخراج المكلف عن داعية الهوى، والعمل بمقتضى العبودية، لذلك يسترشد الجسد ويُرشد بواسطة الغايات الأخلاقية، مؤديا مهامه بتوجيه القيم الموضوعية التي تقتضيها مقاصد الشارع، ليحيا الوسطية، قائما بمهمة الإنسانية ليتخطى حال البهيمية، التي قد يقع فيها الجسد في حالة الإفراط في نيل الأوطار والحظوظ، فيكون الهوى هاديا، أو بالتفريط فيه فينشق عن الشرع لعسر الأداء الذي ينقلب مفسدة على المكلف، هنا مكمن الجدوى من ترشيد السلوك نحو الغايات الأخلاقية، بهذا لن يسقط الجسد في الهيدونية، فيُمَكَّن من العيش الموزون بالقيم.
بوجه عام تؤدي المقاصد الضرورية مهمة المحافظة على الوجود الإنساني، ومنه الحضور العيني المتحقق، ويشكل الجسد الوعاء المُحَقِقِ لمهام التكليف، والوسيط الضروري الذي تتحقق به المقاصد في الزمان والمكان، عبر قدرته على تخلل الواقع الذي يندمج فيه، فهو الفاعل في حركة الخلافة التي عدت منزلة غيبية، ترتهن بها ماهية الإنسانية.
الحاصل أن المقاصد الضرورية تحافظ على الوجود البشري بالكلية، ووفقا للماهية الإنسانية، أما الغاية فتتحدد في صلاح المكلف من حيث المبنى والمعنى وفي الدارين، أما عن العلاقة بين المبنى والمعنى فهي علاقة جدلية، فالجسد يشخص الأفعال، والروح هي موقع الانقياد والعبودية، فتجعل منه آلة في سبيل الصلاح، ليس قهرا بل يسرا، والحق أن هذا بيان عن موضوعية الشريعة الإسلامية، في حملها للإنسان على السير على هدي قيم الفطرة المقاسة بقياس الشرع.
ثالثا -الأحكام الشرعية وحق الجسد في التقلب في العيش: تجاوز الشاطبي طريقة التصنيف الأصولي، للأحكام تصنيفا علميا محضا، دون الانتباه إلى الوظيفة التي تناط بها، باعتبارها حاكمة وضابطة للتكليف. أما التكليف فهو صفة للانضباط القانوني الأخلاقي، وتجربة عملية للإنسان من حيث دخوله في العبودية والانقياد، كما أنه مجال الانخراط في الواقع المحكوم طبيعيا بجدلية المصلحة والمفسدة.
بالنسبة للشاطبي لن يتوقف التكليف في حد الانضباط المحكوم بالأحكام الشرعية، بل يرتقي إلى اعتبار المقاصد في توجيه الأحكام، تَؤول مرتبة التقصيد، إلى فهم عميق أولاه الشاطبي للوظيفة التي تناط بها الأحكام، كوسائل قمينة لبث المقاصد في الواقع، تحققا يرجح الصلاح، باعتباره الغاية الأخيرة للفعل الإجرائي للأحكام الشرعية، لذلك تكون، »الأحكام الخمسة إنما تتعلق بالأفعال والتروك بالمقاصد « ( الشاطبي، 2003 ،ج 1 ،ص78 ).
بصفة عامة، تكون الأحكام وعبر وصل الأحكام الشرعية بالمقاصد، وسيلة يتخذها المكلف ذريعة لتحصيل غايات الخطاب الشرعي جملة، ووسائل لحل المشاكل البشرية ــ بما فيها مشاكل الجسد ــ حلا يتموضع في الواقع حتى تسير حياة المكلف، وفق أسلوب يرجح الصلاح على الفساد. اعتبارا لهذه المنهجية الإجرائية، كان بيان الشاطبي للأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، بيانا مختلفا عن المألوف، يستوجب سؤالا محوريا، ما الذي ينبغي للمكلف أن يفعله في الواقع البشري المزيج؟ الذي تحتل فيه مطالب الجسد القسط الأوفر طلبا للإشباع والتقلب في العيش، هو واقع تختلط فيه المصالح بالمفاسد، فيسقط الجسد في فوضى المعيار إفراطا وتفريطا، ما يتبين عند مقابلة تياري الافراط والتفريط في الأندلس أثرهما على الحياة الدينية والاجتماعية اخلالا بمقصود الشارع. فما هي الأدوات الإجرائية المخولة لها تسديد هذا المسلك، احداثا للتوازن الوسطي؟
1 -خطاب الوسطية و إمكان التقلب في العيش: يكون بيان الشاطبي لمركزية المباح، ثم تعيينه حدود الدراية في ممارسة التقلب في العيش بحسب ما تستدعيه الشرعية، حلقة هامة في دراسة الطبيعة البشرية في صلتها بالشريعة، كاشفا حدود التماس بين درجتي الإنسانية، درجة الأخلاقية ودرجة البهيمية، فالاستزادة في المباح والإفراط فيه، يعني فتح منافذ المفاسد لتختلط بالمصالح، هنا تسقط الدرجة الأولى لتحل الدرجة الثانية، بين خطوط التلاقي والافتراق بين الدرجتين، حيث عقد أبو إسحاق العلاقات المنطقية بين المباح والأحكام الشرعية الأخرى، للكشف عن مناطق التشابك بين المفسدة والمصلحة، وحدود التلاقي بينهما، والتعرف على تحولات المباح من جهة الإفراط والتفريط.
بدى التفريط في حق الجسد ركنا دينيا في التصوف، فقد تم التعسير على الفاعل ليدخل المباح منطقة الحرام والمكروه، بهذا اخلطت المصالح بالمفاسد، حذف خطاب التعسير الصوفي، حق الجسد في التقلب في العيش » من ذلك الاقتصار من المأكول على أخشنه و أفظعه لمجرد التشديد لا لغرض سواه، فهو من النمط المذكور فوقه لأن الشرع لم يقصد إلى تعذيب النفس في التكليف، وهو أيضا مخالف لقول الرسول (ص ع س) “إن لنفسك عليك حقا “و قد كان النبي (ص ع س) يأكل الطيب إذا وجده، وكان يحب الحلواء والعسل، ويعجبه لحم الذراع، ويستعذب له الماء، فأين التشديد من هذا ؟ « ( الشاطبي، 2003 ،ج1 ، ص215) هو دليل على نيل الوطر من الدنيا بينته السيرة، والرسول قدوة، فحياته أنموذج للوسطية طبقا للأحكام الشرعية، بهذا يكون للجسد حقه اشباعا، فبواسطته يُفعل الصلاح، مؤتمن به وعليه، وعلى الوجود لأنه أداة الفعل الاستخلافي.
ينضبط مدار الصلة بين المباح و غيره من الأحكام، في حيازة الطاعة على الأفعال المباحة، فإذا تقرر بأن الطاعة معلقة بمطلب الفعل و الترك، فلن يقع المباح ضمن هذا المطلب، ليكون الفرق بين الطاعة و عدم الطاعة، فض للنزاع حول مقدار التفريط و الإفراط في ممارسة مكتسبات التقلب في العيش، و ليكون موقع المباح في مركز الحق في العيش بدون مآخذة، إذ »أنه لو كان تارك المباح مطبقا بتركه– ولو فرضنا أن تركه وفعله عند الشارع سواء – لكان أرفع درجة في الآخرة ممن فعله، وهذا باطل قطعا فإن القاعدة المتفق عليها أن الدرجات في الآخرة منزلة على أمور الدنيا، فإن تحقق الاستواء في الدرجات فعل المباح وتركه في نظر الشارع متساويان، فيلزم تساوي درجتي الفاعل التارك، إذ فرضنا تساويهما في الطاعات، والفرض أن التارك مطيع دون الفاعل، فيلزم أن يكون أرفع درجة منه، هذا خلف ومخالفة لما جاءت به الشريعة « ( الشاطبي 2003، ج1،ص 88) بهذا يحدد تعريف المباح التمفصل بين الأحكام الشرعية، ويبين المساحة التي يشغلها حق التقلب في العيش، و راحة الجسد للتمتع بالنعم التي تحيط به المنة الربانية على الإنسان.
يَسُدُ الشاطبي بوسيلة العقل و النقل، المنافذ أمام دعاة التشدد ودعاة التحلل، وذلك عبر البرهنة على استواء نسبة الطاعة في حال فعل أو في حال ترك المباح، ومن ثم يبقى المباح من حيث نفس الفعل لا طاعة موجبة عليه، سواء تاركه الذي ادعى كونه سبيلا نحو ما لا يجوز، فهو داخل تحت كل ما لا يجوز، أو فاعله الذي يرى فيه سبيلا نحو تقوية الطاعات، وبالتالي دخوله تحت ما يجب فعله، فتحول إلى حكمين يتراوحان بين الوجوب و الندب، ليخرج بهذا من مساحة المباح و هذا في حد ذاته تناقض، لأن الفاعل و التارك للمباح متساويان من حيث الحكم على فاعليهما، فلا طاعة في الفعل أو الترك ومن ثم لا جزاء، ذلك » أن الشرع لا قصد له من فعل المباح أو تركه، ولا في تركه دون فعله، بل قصده جعله لخير المكلف، فما كان من المكلف من فعل أو ترك، فذلك قصد الشارع « ، ( الشاطبي،2003 ، ج 1 ، ص 88)
إذن يشكل المباح مساحة واسعة للتقلب في العيش، وإجراء التوسعة فيها دون تقويض مقاصد الشارع، ويكون الجسد موضوع الإشباعات التي يطلبها و يمارسها الإنسان، فهناك بين الأحكام الشرعية ما لا يستوجب الحكم، إنه المباح الذي يجد فيه الجسد مقام التقلب في العيش، والتنعم بالنعم الممنوحة له دون السقوط فيما يناقض الشرع .
يتصف حكم المباح بطابع متغير وهلامي، فيتداخل مع الأحكام الأخرى وإذن تمتزج الأحكام وتختلط، فما السبيل إلى رسم حدود المباح و إجلاء وظيفته بالنسبة للمكلف، ونيل متعه التي يقتضيها التقلب في العيش و تنعيم الجسد؟ يعود الشاطبي إلى المقاصد لتمده بالبينة، فإن حدود تمفصل المباح عن غيره من الأحكام والتورع عن فعله، من عدم فعله، تحكمه قوانين موضوعية، تتجلى في علاقات تحددها المقاصد من حيث كونها ضروريات أو حاجيات أو تحسينات، فالمباح قد يكون خادما لدرجة من درجات المقاصد، ومن جهة أخرى ينظر إليه من حيث أدائه لوظيفة مقصدية محددة، فاللعب مباح في ذاته لكنه إذا انقلب إلى هدم لكل ضروري كإصلاح المعاش و إصلاح المعاد، فمن الواجب تركه، أما إذا كان خادما له مثل المعاشرة الزوجية التي تفيد في إصلاح المعاش، وتحقيق المحافظة على النفس والنسل، فهو مطلوب الفعل( الشاطبي،2003، ج1 ،ص ص 90 -91) »فيقال: إن الإباحة بحسب الكلية والجزئية يتجاذبها الأحكام البواقي، فالمباح يكون مباحا بالجزء، مطلوبا بالكل من جهة الندب أو الوجوب، ومباحا بالجزء، مطلوبا بالكل من جهة الندب أو الوجوب، و مباحا بالجزء، منهيا عنه بالكل على جهة الكراهة و المنع « ( الشاطبي 2003، ج1،ص 92 ) اعتبارا لهذا التداخل تتحقق القصدية، في ممارسة فعل المباح ليكون وسيلة حفظ توازن سلوك المكلف، على الوسط الأعدل، وفي علاقته بالمقاصد جملة، والأمر يعود في أصله إلى اتفاق بين ما قصده الشارع و ما قصده المكلف، و هنا يمكن التحقق من مشروعية المباح في جلبه للمصلحة و دفعه للمفسدة، وإمداد الجسد بحقه في الوجود وممارسة الإشباع إلى حد لا ينقلب فيه إلى مفسدة .
قاد البحث عن مشروعية الأفعال الإنسانية، أثناء تقلب المكلف في العيش وممارسة حقوق الله وحقوق الآخرين، إلى التعرف بدقة على حدود التمفصل بين أحكام المفاضلة من أمر ونهي وتخيير فحضرت المقاصد ليبان ذلك، أما من كان حياديا لا علاقة له بالأحكام الأخرى. فهل يمثل مجالا لممارسة حقه من نيل حظوظ العيش؟
إن المباح من حيث هو فعل خالص، لا يملك العلاقات بين الأحكام الأخرى، متساوي الطرفين في الفعل و الترك فيمثل مساحة لممارسة حظوظ المكلف، ذلك أنه يفتقد العلاقات مع مقاصد ضرورية أو حاجية أو تحسينية، ولأنه يفتقد العلاقات مع المقاصد، فإنه يعد »مجرد نيل حظ و قضاء وطر « ( الشاطبي 2003، ج1 ،ص165) ليكون المباح فسحة من العمل الإنساني، ينال من خلاله الجسد ما يرغب فيه دون إحداث اختلال بين مقاصد المكلف و مقاصد الشارع »فلهذا يقال في المباح: إنه العمل المأذون فيه و المقصود به مجرد الحظ الدنيوي خاصة « ( الشاطبي،2003 ،ج 1، ص 165) حيث يشكل حظ الإشباع الجسدي القسط الأوفر من بين حظوظ الدنيا، و لأجل هذه الغاية بَيَّنَ الشاطبي الكيفية التي يتم عبرها اشباع مطالب الجسد، ليكون أداة طاعة و ليس أداة عصيان.
2 – بين الحق والواجب -الجسد آلة الاندماج في الواقع -: اعتبارا للمكانة التي حظي بها المكلف، عند الشاطبي، فقد وقعت قدرة الاختيار موقعا تأسيسيا في سياق الاستدلال المقاصدي، لتكون المسؤولية الإنسانية على الأفعال الكسبية، هي أفعال ذات معنى لأنها تستند على التجربة القصدية، فالراجح أن الأفعال الإنسانية تتعرى من المشروعية، إذا زال عنها استبطان القصد، فهي حركة واعية اتجاه الغايات المرجوة، لأن الأفعال المجردة من القصدية، تعد مجرد حركات حسية تتطابق مع حركات العجماوات و الجمادات، فلا اعتبار لها في الأعمال الشرعية، التي تقتضي التزي بالمنطق الشرعي ،فتكون بالتالي »الأحكام الخمسة إنما تتعلق بالأفعال، والتروك بالمقاصد، فإذا عريت عن المقاصد لم تتلق بها « ( الشاطبي،2003 ،ج 1،ص 106 )سيؤدي الجسد -بوصفه وسيطا يقوم بدمج المقاصد في الواقع، وآلة التغيير والبث الفاعل –وظيفتين:
الأولى-يكون فيها الفاعل هو من يحقق المقاصد في الواقع، وهنا يأتي تأكيد الشاطبي على القدرة و الطاقة والإمكان الإنسانين،( الشاطبي،2003،ج 1، 249 ) لأن الجسد هو آلة الفعل و الأداء الشرعيين، ثم أن المقاصد الضرورية تحرس وجوده الفعلي المتحقق، إذ يقتضى مقصد المحافظة على النفس ذلك، لأنه يقوم على ضرورة الإحاطة بالجسد حفظا له من العدم، يتجلى ذلك في أحكام رعاية الحياة، والوقوع في المخمصة، حيث يتغير وضع الحكم من المنع إلى الإباحة كأكل لحم الميتة، محافظة على النفس التي تقتضي الحرص الكلي على البقاء الحيوي المنوط بالجسد باعتباره أمانة.
الثانية – القيام بتسييره بوصفه موضوع الممارسة الشرعية، فالأحكام الشرعية تتجه نحو غاية واحدة، تتجلى في ضبط السلوك، و ترشيد الغايات نحو تحقيق الماهية الإنسانية كونها أخلاقية، حتى لا ينزل الإنسان روحا وجسدا منزلة الأنعام، أو قد يكون أضل سبيلا، خاصة أن الحاجات الأولية والغرائز قد تذهب بالجسد بعيدا تحقيقا لمطالبها فتخرج عن الفطرة، ما يرى في الراهن الإنساني من التلاعب بالجسد في سبيل وطر الهوى، وعليه تكون الغاية من مقاصد الشارع، إخراج المكلف عن داعية هواه، وغالبا ما يتموقع الهوى في مطالب الجسد إشباعا زائدا وإفراطا في اللذة، بل وتشنيعا به ليتجاوز الوضع البشري مروقا نحو الوضع الإبليسي.
والحق أن الشارع طبيب أعظم كما يُذَكِّر بذبك الشاطبي، في مواضع كثيرة من الموافقات، عارف للأحوال البشرية وبإمكاناتها، فكانت الشريعة سمحاء اعتمدت التيسير، الرحمة والعفو، لكي لا يخرج المكلف من ربقة التكليف، ولا يعجز الجسد عن أداء الأعمال الشرعية كوسيط يقوم بها تحققا، كما يكون الحفاظ عليه حفاظا على الوجود البشري في حالة تزكية.
تعد الرخصة وسيلة شرعية، لها قدرة تحقيق مقاصد الشارع صلاحا لخلقه، فهي آلية فاعلة في الوصل بين ثبات المقاصد و تغيير الأحداث البشرية، حيث تُمكن من تخلل الصلاح كل الأحوال البشرية، مبينة مدى الرحمة والتيسير الذين تقتضيهما الأحكام الشرعية، و من ثم قدرتها على احتواء السيرورة الإنسانية كما تعد علامة على نزول الأحكام على الوسط الأعدل، حيث لا إفراط ولا تفريط. وتعد الرخصة مناسبة لوصف الشريعة بالاعتدال » على ما وضع هذه الأمة من التكاليف الغليظة و الأعمال الشاقة « ( الشاطبي 2003، ج1، ص228 ) عموما تدرك الرخص كعلامة على اعتراف الشريعة الإسلامية بكلية الإنسان، فهو روح لا يكون لها وجود إلا بوجود الجسد كآلة لأداء الأعمال وانخراط الإنسان في الواقع، وما أنزلت الرخص إلا لتمكين الجسد أداء للأعمال الشرعية، و استمرارها حتى في ساعة العسرة.
رابعا -الضوابط المنهجية للمقاصد -الجسد آلة الأداء -: يتميز النظر الأصولي عند الشاطبي، عن غيره من الأصوليين بتجاوزه لوظيفة الاجتهاد، من كونها مجرد استنباط الأحكام الشرعية، إلى استنباط الأحكام لغاية تطبيقها، فشكل البحث في الوسائل التي تنقل الأحكام من الفهم، إلى التطبيق آلية أصولية معتبرة، هي وسائل تبحث في الصفة العينية المطبقة على الأشخاص في الزمان والمكان، تراعي اختلاف الحال و المآل الذي يحيط بفعل المكلف وأوضاعه البشرية.
وإذن لم تكن مسلمة الصلاح لغاية نظرية، بل هي النهوض بالشريعة صوب صلاح محقق في أفعال الناس فردية ومجتمعية، لتسري الحياة بمجملها على مراد الشارع. بهذا تجاوز الشاطبي الفروض النظرية، ليكون نسقه الأصولي خاضعا لمطلب إعداد الحكم، بغاية التطبيق على فعل إنساني له قوانينه التجريبية يختص بميزتين: خضوعه لسيرورة الواقع، وتبعيته لعوائد الوجود، مما يعني إدراك فقه التنزيل الذي يراعي طبيعة الفعل، ومن بين عوائد الوجود هي طبائع الجسد، الذي قد يعتريه العجز والضعف في بعض الأحيان، من هنا يجب على فقه التنزيل، تحقيق مناط الجسد في أوضاعه المختلفة، حتى يُؤدى التكليف وفقا للطاقة الجسدية.
في فحص مقاصد الشارع التي كان تراتبها » من جهة قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء، ومن جهة قصده وضعها للإفهام، ومن جهة قصده في وضعها للتكليف بمقتضاها، ومن جهة قصده في دخول المكلف تحت حكمها « ،( الشاطبي،2003، ج 2 ، ص ص3 -4) يتبين أن المقاصد تُحصل مرتبتين: مرتبة فقه المراد، و مرتبة إنزال الفقه على الواقع، فالتكليف تحقق للصلاح في العيان الملموس، وهو يتطلب تنزيل فقه المراد الشرعي على الحوادث الجزئية، ما يعني تكيف الفهم مع هذه الحوادث، لتُلْحق الأحكام بأفعال خاضعة لملابسات الزمان والمكان، والتي تولي اهتماما بالغا بآلة الأداء وهي جسد المكلف و النظر في حدود طاقته.
لأجل بث الصلاح في أفعال المكلفين من جهة الوجود المشخص من جهة أخرى، قدم الشاطبي أدوات إجرائية مفادها تكيف الحكم الشرعي-الذي هو حكم استنباطي-ليكون حكما تنزيليا يتشاكل مع الواقع الملموس، حيث يتطلب إجراء خطوة منهجية تحقيقا لمناط الحكم في أفراده الجزئية، بغية معرفة مدى التطابق بين الحكم المستنبط، والدواعي الحالية للتطبيق في الواقع الملموس، لكي ينهض الحكم بالصلاح العيني المشخص، ولتنزيل الأحكام على الواقع، وضع الشاطبي جملة قواعد منهجية هي:
أ –تحقيق المناط: وهو آلية اختبار عيني لفعل المكلف، مطلب اختباري تفحصي، غايته تحقيق الصلاح العيني المشخص، الذي يرفع الحرج عن المكلفين، والتحقق من امتلاكهم القدرة التي تجعل الحكم الشرعي مكيفًا، بحسب النازلة التي تقع لمكلف على وجه، ولمكلف على وجه آخر، هنا تراعى أحوال الجسد في قدرة الأداء والطاقة على الفعل، يستوجب هذا ان يحقق المكلف مناط الأحكام في حاله ومنها حال الجسد.
ب -حصول المقاصد: نظر الشاطبي إلى المقاصد بطريقة تراتبية، فهي دوائر متقاطعة تنزل منزلة التدرج من الكل إلى الجزء، مراعية نسب الإضافة، لتنتهي إلى المقصد الكلي وهو الصلاح، وعليه حرص على التضمن النوعي لأنواع المقاصد، بحيث تحصل المقاصد الجزئية ضمن المقصد الكلي، من المحافظة على الدين، النفس، العقل، المال، النسل، والعرض فإن »المراتب الثلاث يخدم بعضها بعضا، فإذا كان كذلك فلا بد من اعتبار الكل في مواردها و بحسب أحوالها « ( الشاطبي ، 3، 8 ) التي تراعى فيها أحوال الجسد البشري فهو حامل الأداء العيني للتكليف ، وإليه يؤول قسط أوفر من الصلاح في الدنيا والآخرة.
ج – اعتبار مآل الفعل: ويعني تتبع سيرورة الفعل في الواقع بعدما تم تحقيق مناطه، والنظر فيما إذا تمكن من تحصيل الغاية، وهي حكمة الصلاح بحيث يتمكن الحكم، من ترجيح المصلحة على المفسدة. تقدم قواعد المقاصد آلية اختيارية تعود على المكلف بالصلاح، وتأخذ بكلية الإنسان أكان من جهة المعنى أو من جهة المبنى، وتتبع تقلباته من حيث القدرة، ليُحاط الجسد بالعناية حسب أحواله المختلفة، في حالة الضيق والحرج، وفي حالة التوسعة، في حالة الصحة والمرض، ويبدو أن الشاطبي المالكي، قد تحققت مالكيته في اعتنائه بالجانب العملي للوجود الإنساني، اعترافا بعوائد الوجود ومدى قابليتها للعمل بالأحكام الشرعية.
الخاتمة-الشريعة الإسلامية والجسد: يشكل تقسيم الشاطبي لمقاصد الشريعة، إلى مقاصد الشارع و مقاصد المكلف، ثورة معرفية في الدرس الأصولي الفقهي الإسلامي، فبهذا التقسيم يكون قد نبه إلى مكانة الإنسان في الممارسة الشرعية، والدور الذي يؤديه تكريسا للفعل في صيرورة الزمان وهو يؤدي مقاصد إلهية تتميز بالصلابة والثبات، بهذا مكن من تصور علائقي بين الفاعل -بوصفه كيان جامع بين الروح والجسد مكلفا مسؤولا -من جهة، والخطاب الشرعي باعتباره سلما للقيم، تتحدد غايته في صلاح هذا الفاعل من جهة أخرى.
أدرك الفقيه الغرناطي أن تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية، يكون عبر الإحاطة الشاملة بالإنسان، أما في حالة نكران الجسد، فتتعطل هذه المقاصد لتنقلب فسادا، وعليه ركز على مسألة التشديد والتهوين في الأداء الشرعي، هي تجربة إنسانية تؤدي إلى التناقض بين مقاصد المكلف ومقاصد الشارع، تزول معه الشريعة وتندرس ففيها يتطرف الجسد إما منعا أو شهوة مفرطة، في الحالتين تتبين حالة التوازن بين اللذة والألم، أما دور الشريعة فهو القيام بحراسة حال التقلب في العيش محدثة الوسطية، بها يكون وضع التزكية فيرتفع الجسد عن الإفراط في اللذات.
كان اهتمام الشاطبي بتجديد الاجتهاد، هدفا رئيسا من وضعه لموسوعة الموافقات، التي أجابت عن سلسلة من الأسئلة والفروض، لها صلة مباشرة بفلسفة التشريع، فماهي غاية التشريع؟ هو صلاح وإصلاح الإنسان بحسب صورته القرآنية، فهو وحدة تتحايث فيها الروح والجسد، في تبادل بينهما تحقيقا لِكُنّْهِ الوجود الإنساني، الذي يمتد في الزمن بين الفناء والخلود، في وضع مراقبة للغيب والشهادة، فتتنحى عنه أزمة العدمية، التي مثلت محورا استقطابيا في الحضارة الغربية.
أدرك الفقيه الغرناطي خطر التشدد على الشريعة وتفككها، فكانت مسألة التقلب في العيش ومضة بارزة في فلسفة التشريع الثاوية في قلب الموافقات، وعليه حرك جدل المباح في مدار الوجود البشري، فالمباح يوسع ممكنات العيش التي يكون الجسد أداتها و هو المقدم والمدبر. بهذا تبين للفقيه الغرناطي أن آلام الجسد ذات أثر سلبي، على فقدان الصلة بين المكلف والتكليف، وفي سبيل ذلك يسوق أمثلة عن أحوال الصحابة و أقوال الرسول في تعامل مع الأوامر الشرعية، العبرة منها هي بيان قدرة الجسد على أداء الأعمال أكانت عبادات أو معاملات.
في قراءة للمقاصد يكون الشاطبي قد اهتم بالجسد، من باب اهتمامه بالإنسان كموضوع للتشريع، و لأن الجسد هو الوسيط تطبيق أوامر الشرع، فإنه ينزل منزلة محورية، فهو موضع اللذات والآلام و الترغيب والترهيب، الإحجام و الإدبار، فكان التأسيس للجسد عبر تقاطع دوائر المقاصد من جوانب عدة:
أ – جانب الوجود :وهو الضروري الأول، أحاطت به المقاصد الضرورية، التي أولت الأهمية القصوى للوجود الإنساني، من النفس، العقل، النسل، المال، والعرض، يمكن الاصطلاح عليها ،مقاصد حفظ الوجود الإنساني، من الناحيتين البيولوجية، ثم الناحية النفسية، و أخيرا من الناحية الاقتصادية.
تحتل المقاصد الضرورية مكانة أولى ترتيبا للوجود، وهي وسيلة ضرورية للمعنوي الموصول بالمادي، وعليه تكون سلامة الجسد أمرا ضروريا، لاستكمال الوظيفة التي أنيطت بها الشريعة، من حيث هي قصدية صالحة، ودليل ناجز على أن الشريعة الإسلامية، لا تفصل بين جانبي الإنسان، المبنى و المعنى، أما الدين باعتباره المقصد الأول و بالكلية، فهو الضروري الأول من حيث عودته بالصلاح على المكلف، وفقا لوجوده الشامل للغيب والشهادة، فيرتهن بالسعادة في الدنيا، أما في الآخرة فالجسد يعتبر موضوع اللذة أو الألم، أما في الدنيا فيعد آلية هامة في ممارسة التكاليف، تكون خلاصتها محلا للعقاب والثواب.
ب – الجانب الأخلاقي و الجمالي :هو أمر تحسيني ينحصر في المظاهر الخارجية مثل طهارة الجسد، و إحاطته بمحاسن الأخلاق. وعلى الرغم من انزواء المقاصد التي تهتم بالظاهر ضمن المقاصد التحسينية، إلا أن تجربة التكليف بوصفها عبودية تعد مركزا لكل التكاليف، وهي آلية تسيير المقاصد بدوائرها المتتالية خدمة للمكلف.
لم يؤسس الشاطبي للمقاصد الجسد البشري بمعزل عن كلية الإنسان، بيد أنه في مدار العناية بتحديد المقاصد الكلية للشريعة، حلل طبيعة التكليف و القدرة على أدائه وإمكانات تعني الجسد قبل كل شيء، فهو إطار أداء أفعال تسيرها الأحكام الشرعية، لذلك يمثل الجسد عنصرا هاما في بناء تكليف يؤدي المقاصد التي أنزلها الشارع رفقا بالإنسان، في هذا السياق يشدد الشاطبي، على ضرورة رعاية الإمكان و القدرة وتجاوز التشديد، الذي يقطع الصلة بين الأداء والاستطاعة، لأنه يُعطل عوائد الوجود، ولذا يجب على المفتي أن يتحرى القدرة على التكليف محيطا بطبيعة الجسد.
يندرج الاهتمام بالجسد عند الشاطبي في المقاصد الضرورية، فالحضور الإنساني يقتضي أولا رعاية الجسد من حيث الوجود، و القيام بما يمكن له الوجود البيولوجي، وهو ما تعنيه كلية النفس و بعدها كلية النسل، هو حضور متحقق في إطار وجود معنوي يرتكز على مقصد الدين، فعلى المكلف العناية بجسده فمن الناحية العقدية هو مؤتمن عليه في ظهر الغيب، وليس ملكا يتصرف فيه حسب المشيئة فيدخل عليه التغيير، أما في حالة المخمصة وضامنا لوجوده فسيؤدي اليسر فعل التخفيف، أما المال فضروري لحياة الجسد المادية بقاء في عالم الشهادة، ليتحضر للانتقال إلى عالم الغيب، حيث اللذة والألم الأبديين، ويكون الجسد هو وسيط الإحساس بهما.
و لأن كلية الدين تقع في الترتيب الأول من المقاصد بوصفها كلية الكليات، فلا ينقلب الجسد على الغايات الأولى للشريعة بالتقويض، لأنه يعد آلة الأداء الشرعي و به و فيه تتحقق أوامر الشارع في الزمان و المكان، ولن يتجاوز الماهية الأخلاقية للإنسان، أما في حالة انفصال الجسد عن المقاصد، فسيعمل بالهوى خادما للبهيمية الثاوية فيه، فيخرج الإنسان عن ماهيته الأصلية الموصوفة بأنها أخلاقية.
-المصادر والمراجع.
أ-بالعربية
ابن خلدون : المقدمة ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط 1 ، 1993.
أبو الأجفان : فتاوى الإمام الشاطبي ، مطبعة الكواكب ، تونس ، ط 2، دون تاريخ.
إيزوتسو توشيهيكو: الله والإنسان في القرآن –علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم- ترجمة هلال محمد الجهاد، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، 2007 .
الجرجاني : التعريفات ، دار الكتاب العربي ، ط 1 ، 1996.
الراغب الأصفهاني : الذريعة إلى مكارم الشريعة ، دار الفوائد للطباعة و النشر ، مصر ط 2 ، 1987.
الشاطبي : الإفادات و الإشادات ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ط 1 ، 1986.
الشاطبي : الموافقات في أصول الشريعة ، دار الكتب العلمية ،ط 1 ، 2003 ، الجزئين الأول والثاني.
الشاطبي: الاعتصام، دار الكتب العلمية ، بيروت ،لبنان ، ط 2 ، 1993 جزء الأول .
عبد الرحمن طه: سؤال الأخلاق ـ مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية ـ المركز الثقافي العربي بيروت لبنان ، الدار البيضاء المغرب ، ط 1 ، 2000 .
الغزالي : إحياء علوم الدين ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، د ط ، 2003 ، الجزء الأول .
فوكوياما فرنسيس ، نهاية الإنسان عواقب الثورة البيوتكنولوجية، ترجمة أحمد مستجير، ط 1 ، 2002 .
ب-بالفرنسية
Jonas Hans: Principe De Responsabilité Une éthique Pour La Civilisation Technologique ,trad. Jean Greisch Flammarion Paris 1995.