حصريا

القراءة الوحيدة لموقف الذهبي من ابن تيمية- عمر ماجد السنوي -العراق-

0 132

القراءة الوحيدة
لموقف الذهبي من ابن تيمية

عمر ماجد السنوي

إنَّ مُصطلَح “القراءة” في الفلسفات الحديثة أصبح أكثر عمقًا من ذي قبل، وهو -قَطعًا- لا يُرادف مفهومَه القديم الساذَج، فقد صار اليوم يشمل: الإدراك والتذكُّر والاستنتاج والربْط، ثم التحليل والمُناقَشة([1]).

ومن المتوقَّع أن يُستخدَم اليوم علىٰ هذا النحو المتطوِّر، ولا سيَّما عند أصحاب الشهادات الأكاديمية العليا، لأن المفترض بهم أن يكونوا مارسوها قبل التخرج علىٰ الأقل.

أما مقومات القراءة فهي كثيرة، وتتبع مناهج عدة، ولكنها تشترك جميعها في أدوات لا بد منها لضمان سلامة النتائج البحثية.

من هذه الأدوات: الاستقراء، ثم الوصف.

فأما الاستقراء فهو الذي يعطي التصور الكامل لدىٰ القارئ للمسألة المراد بحثها، فقد يجد في نصٍّ أو موقفٍ ما لا يجده في غيره، فيبيّن له إشكالًا، أو يؤكّد له احتمالًا.

ثم تجيء مرحلة الوصف، وهي مُهمّة لِمَعرفة حقيقة فَهْم القارئ للنصوص والمَواقف الّتي اسْتقْرَأها.

ولكَ أن تتخيل بعد ذلك إن كان القارئ قد أخفق في الاستقراء والوصف معًا، فإنّ ما سينتجه من معرفة لا يصلح أن يُروىٰ إلّا علىٰ سبيل النمذجة للإخلال بمناهج القراءة الناقدة.

ومن هذا القَبيل مقالةٌ أوقفَني عليها أحد الأصحاب طالبًا رأيي، وهي بعنوان: (قراءة وتحليل لنصَّي الحافظ الذهبي في ذِكره لشيخه ابن تيمية والتنويه به في كتابه “بيان زغل العلم”)، وهي مقالة كتبها أستاذنا الفاضل الدكتور رياض حسين الطائي تعقيبًا علىٰ منشورٍ كتبتُه قبله بيومَين، تضمَّن أحد نصوص الحافظ الذهبي في الكلام علىٰ الإمام ابن تيمية -رحمهما الله-، وكان هذا النصُّ مجرّد مثال، وهو مثال مقصود بذاته، ولكنه ليس جوهر المقال، لأن المقال يتكلّم عن بعض طرائق أهل التقليد والجهالة في العيب علىٰ أهل الاجتهاد والبحث والمثابرة. وكان من المتوقّع أن ينشغل المطّلع علىٰ المنشور بهذا الجوهر، ويُبقي الأمثلة في الدرجات الثانوية، لا سيما وأنّ بعض المنشغلين بالمثال هم في الواقع ممن يناصرون جوهر المقال، ويعيبون علىٰ أهل الجمود جمودَهم وتعصّبَهم وغلوَّهم، وينكرون علىٰ أهل الجهالة جهالتَهم في حقِّ إخوانِهم من سائر المشتغلين بالعلْم. ولكنْ كان ما كان، والله المستعان.

كتاب الذهبي:

لقد كان الحافظ الذهبي من أهل الاحتياط لنفسه، يخشىٰ التصادم مع الناس، لا سيما الجهلة المقلدين، وأصحاب السطوة والسلطان، والأتباع الرعاع، فكان يُخفي بعض كتبه التي لا يريد أن يَطَّلِع عليها الناس، إلا مَن ارتضىٰ([2]). وهذا الأمر هو الذي جعل عددًا ممن ترجم له لا يَذكُر هذه الرسالة في قائمة مؤلفاته، لعدم علمه بها.

أمّا عن صحّة نسبتها إلىٰ الذهبي، فلم يتعرّض الدكتور رياض الطائي للجدل الدائر اليوم حول ذلك، فقد حسم الأمر بأن نسب الكتاب إليه نسبة جازمة، وهذا هو الظن به، لأنه من خيرة المحققين المشتغلين بالتراث الإسلامي، فهو يعلم يقينًا صحة نسبة الكتاب إلىٰ الذهبي بخلاف ما قاله نوع من الناس من المشكّكين بصحّة نسبته، إمّا وهمًا أو تقليدًا أو عن هوىٰ!

والكتاب رواه عن الذهبي تلميذُه الحافظُ العلائيُّ، وقرأه عليه، ونَسَخه بيده عن نُسخةِ الذهبي. ونُسخةُ الذهبي بقيت أيضًا بضعة قرون، فيَذكُر ابنُ طولون بأنه رأىٰ الكتاب بخط الحافظ الذهبي نفسه([3]) .

ولهذا لجأ نوعٌ آخر من الناس إلىٰ الزعم بأن في الكتاب ألفاظًا دُسّت فيه ليست منه، ويَعنون بذلك: المواضع التي ذَكَر فيها شيخَه ابن تيمية. وقولهم هذا في الوهاء كسابقِه، ويردّه ما ردّ سابقَه.

ولكن الدكتور رياض في مقالته التحليلية الّتي عقّب بها علىٰ مِثالي، كان من النوع الثالث الّذين لم ينكروا صحة الكتاب، ولم يزعموا أن بعض عباراته مدسوسة، ولكنهم أوّلوا العبارات، ولووا أعناق الكلمات.

بل إن الدكتور أعطىٰ حكمًا مسبقًا في عنوان مقالته قبل أن يترك القارئ يقرأ تحليله ويطالع قراءته! فقال: (والتنويه به)، والتنويه هو ذِكر الشيء أو الشخص بالثناء والإشادة والإجلال. فهل اقتصر كلام الذهبي علىٰ التنويه بابن تيمية؟ أمّ أنّ التنويه جاءَ تبعًا في مَوضِع الذمَّ والمَلام؟ هذا ما سنَتبيَّنُه هنا -إن شاء الله تعالىٰ-.

الذهبي والنقد:

لا بدّ من الإشارة إلىٰ أنّ الثناء علىٰ أحد لا يستلزم عدم الردّ عليه في أمور يستنكرها الرادّ علىٰ المردود عليه، وهذا أمر معروف، لكن بعض الممارسات تُشعِر الناظر إليها بأن أصحابها تغيب عن أذهانهم مثل هذه أمور البديهية.

بل لا أُبعِد إنْ قلتُ إنّ الثناء والإشادة والإجلال والتقدير (=التنويه)، كلها لا تمنع من الذمّ والقدح والإعابة للشخص الواحد، وهذا يسري مع حال غالب الناس، ففي كل واحد منهم ما يُمدَح وما يُذمّ؛ فلا غرابة إذن، ولا موجب للاستنكار.

ولهذا قال الحافظ الذهبي في كتابه هذا نفسه: (في كلّ طائفة من علماء الأمة ما يُذمّ ويُعاب)، وهي عبارة دالة علىٰ فحوىٰ كتابه، حتىٰ جعلَها ناسخ المخطوطة كالعنوان علىٰ رأس طرّتها([4]).

وهذا هو منهج الحافظ الذهبي في كثير من تراجمه للرجال والأعلام وتقييماته لهم في سائر مصنفاته، ولو أوْردتُ الأمثلة لجاءت في كتاب مفرد، ولكن يمكن الرجوع إلىٰ موسوعته: “سير أعلام النبلاء” علىٰ سبيل المثال، للنظر في ترجمة بعض الرجال، الذين أثنىٰ عليهم بعظيم الثناء ثم يردفه بعبارة (علىٰ الرغم من بدعته) ونحوها. كما يمكن مراجعة ترجمة عمران بن حطان الخارجيّ، وترجمة أبي العلاء المعري، وترجمة الغزالي، والرازي، وكثير غيرهم، ولكنَّ أظهرَ هذه التراجِمِ شَبَهًا بمَوقفهِ مِن ابنِ تيميةَ ما سطَّره في ترجمةِ الإمام ابنِ حزمٍ الأندَلسيّ، فانظر إليه وهو يثني عليه ثناءً بالغًا في جوانب عدّة ويذمّه في جوانب أخرىٰ، فيقول:

(الإِمَامُ الأَوْحَدُ البَحْرُ ذُو الفُنُوْنِ وَالمعَارِفِ… وَكَانَ قَدْ مَهر أَوَّلًا فِي الأَدب وَالأَخْبَار وَالشّعر، وَفِي الْمنطق وَأَجزَاءِ الفلسفَة فَأَثَّرت فِيْهِ تَأْثيرًا لَيْتَهُ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَقَدْ وَقفتُ لَهُ عَلَىٰ تَأَلِيفٍ يَحضُّ فِيْهِ عَلَىٰ الاعتنَاء بِالمنطق وَيُقَدِّمه عَلَىٰ العلُوْم فَتَأَلَّمت لَهُ فَإِنَّهُ رَأْسٌ فِي علُوْم الإِسْلاَم مُتَبَحِّر فِي النَّقْلِ عَديمُ النّظيرِ، عَلَىٰ يُبْسٍ فِيْهِ وَفَرْطِ ظَاهِرِيَّةٍ فِي الْفُرُوع لا الأُصُوْل(!)… وَبسَط لِسَانَه وَقلمَه وَلَمْ يَتَأَدَّبْ مَعَ الأَئِمَّة فِي الخِطابِ، بَلْ فَجَّجَ العبَارَةَ وَسبَّ وَجَدَّعَ، فَكَانَ جزَاؤُه مِنْ جِنس فِعلهِ بِحَيْثُ إِنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ تَصَانِيْفهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَئِمَّةِ وَهَجَرُوهَا وَنفَرُوا مِنْهَا وَأُحرِقَتْ فِي وَقتٍ، وَاعْتَنَىٰ بِهَا آخرُوْنَ مِنَ العُلَمَاءِ وَفَتَّشوهَا انتقَادًا وَاسْتفَادَةً وَأَخذًا وَمُؤَاخذَةً وَرَأَوا فِيْهَا الدُّرَّ الثّمِينَ مَمزوجًا فِي الرَّصْفِ بِالخَرَزِ المَهين، فَتَارَةٌ يَطربُونَ وَمرَّةً يَعجبُونَ وَمِنْ تَفَرُّدِهِ يَهزؤُون… وَكَانَ يَنهضُ بعلُوْمٍ جَمَّة وَيُجيد النَّقل وَيُحْسِنُ النَّظم وَالنَّثر. وَفِيْهِ دِينٌ وَخيرٌ، وَمقَاصدُهُ جمِيْلَة وَمُصَنّفَاتُهُ مُفِيدَة، وَقَدْ زَهد فِي الرِّئَاسَة وَلَزِمَ مَنْزِله مُكِبًّا عَلَىٰ العِلْم فَلاَ نَغلو فِيْهِ(!) وَلاَ نَجْفو عَنْهُ(!)، وَقَدْ أَثْنَىٰ عَلَيْهِ قَبْلنَا الكِبَارُ).

ومِثل هذا المنهج انتهجه الذهبيُّ مع الجماعات أيضًا، وليس مع الأفراد فحسْب، فها هو في كتابه نفسه “زغل العلم” يَذكُر الطوائفَ ويُعمِلُ فيهم تقييمه ونقده مدحًا وذمًا ونصحًا؛ فذكَرَ القُرّاء والمحدّثين والنحاة والمناطقة والحكماء وغيرهم وأفرد لكل مدرسة فقهية فصلًا، وبالغَ في ذمّ بعضهم بِما لا يُذمّ، وأنكَر ما لا يُنكَر.

فهذا منهج الذهبي في تراجمه وتقييمه للأشخاص والجماعات، فليُدّكَر، ولا يُغَضّ عنه الطرْف في أعلامٍ دونَ أعلامٍ، وهو منهجٌ صوابٌ إن الْتزمَ صاحبُه التحرّي الدقيق، والتحليل السليم، ولم يتعدَّ لا مدحًا ولا قدحًا، والله يسامحه فيما أخطأ فيه اجتهاده.

الذهبي وابن تيمية:

لا يستطيع عاقل لديه ذرة إدراك أن ينفي ثناء الذهبي علىٰ شيخه ابن تيمية، وإنّه لَثناءٌ عظيم، حتىٰ قال الذهبي نفسُه في ترجمته المفردة لابن تيمية: (ومَن نابذَه وخالفَه ينسبني إلىٰ التغالي فيه)، ولكنه مع ذلك يعي أنّ مِن أصحاب ابن تيمية مَن يرميه بالتقصير في وصفه، لأنهم يعلمون مخالفته له، وبعضُهم لأنهم ممن يغالون في شيخهم فلا يُستغرَب موقفهم هذا، وهو شنيع.

وبادئ القول في هذا أنّ ابن تيمية تربع علىٰ عرش قلب الذهبي، وشغلَ بالَه وفكرَه، حتىٰ أفردَ الذهبيُّ له سيرةً مستقلة في رسالة مفردة، كما أطال النفَس في ترجمته له في “ذيل تاريخ الإسلام”، كما ترجم له في: “تذكرة الحفاظ” و”المعجم المختص” و”معجم الشيوخ” و”العِبَر” و”طبقات المحدّثين” و”دول الإسلام” و”الإعلام بوفيات الأعلام”، وغيرها، فضلًا عن رثائه له، وذِكره وذِكر بعض مواقفه ومسائله في مصنفاته الأخرىٰ.

وهذا يدل دلالة قاطعة -قبل أن ننظر في محتواها- علىٰ أنّ الذهبيَّ شديدُ التعظيم لشيخه ابن تيمية، ولكنْ عندما نقرأ كل هذه التراجم والنصوص، لا يخالجنا شك فيما حوته من أحكام وأوصاف أطلقها الذهبي علىٰ شيخه تندرج تحت باب الذَّمِّ والمَلام. ولا إشكال في هذا ولا تناقض فيهِ إنْ كانَ ما يذمُّه يستحقُّ الذمَّ، وكان ما يلومُه عليه يسْتأهِل المَلام، فإبراز هذه النصوص ليس من قَبيل ضرب كلام العلماء بعضه بالآخَر، فالذهبي هنا غير متناقض الموقِف، وإنْ كان التناقضُ واردًا علىٰ العلماء كسائر البشر.

وإنّ من غرائب الأمور أن تختلف الأنظار في نصّ طويل، بل أكثر من نصّ، بل له ما يشهد له ويعضده في الكتب الأخرىٰ للقائل نفسه؛ فالنص الطويل مظنّة التراكيب المتنوعة من جُمَل فعلية واسمية وضمائر وحروف، لا يمكن أن تُشارِك كلُّها في عملية الاشتباه، بل لا بد أن يوجَد فيها حاسِم، بل حاكِم يُحكِم الفهم ويوحّده، وينفي عنه الشُّبَه والظنون.

وقد ذَكر الذهبيُّ ابنَ تيمية في كتابه “زغل العلم” في موضعَين وهو كتابٌ أجرىٰ عليه الذهبي بعض التعديلات عندما أبرزه الإبرازة الثانية، وهي التي أخذها عنه الحافظ العلائي، وطُبعَت بتحقيق محمد عبد الله القونوي. وأما الإبرازة الأولىٰ التي لا تختلف عنها في شيء ذي بال إلا بعض التهذيب في العبارات في الثانية وإعادة ترتيب بعض الفقرات، فقد حقّقها ابتداءً: محمد زاهد الكوثري، ثم محمد ناصر العجمي.

وسأُورِد النصوصَ مرتّبة بحسب ورودها في الكتاب، مقارنًا ما بين الإبرازة الثانية والأولىٰ:

النص الأول:

قال الحافظ الذهبي: ((احْذَر المِراء في البَحث وإنْ كنتَ مُحقًّا، ولا تنازِع في مسألةٍ لا تعتقدُها، واحْذَر الكِبرَ، والعُجبَ بعِلمك، فيا سعادَتَك إنْ نَجوتَ منه كَفافًا لا عليك ولا لك؛ فوَالله ما رمقتُ بعيني أوسَعَ علمًا ولا أقوىٰ ذكاءً من الشيخ تقيِّ الدينِ ابنِ تيمية رحمه الله تعالىٰ، وقد تَعِبتُ في وَزْنه، وفَتَّشْتُه في سنينَ متطاوِلة، حتىٰ مَلِلْتُ، وقد رأيتَ([5]) ما آلَ إليه أمرُه من المَقْتِ له والازدراء به والتكفير، وذلك كلُّهُ نتيجةَ العُجب، وفَرْط الغرام في رئاسة المشيخة، والازدراء بالأئمة الكِبار، وما دفعَ اللهُ عنه وعن أمثالِه أكثَرَ؛ فلا تكُنْ في رَيبٍ من ذلكَ)) [طبعة القونوي (ص81-82)].

وهذا كلامٌ عربيٌّ مستقيمٌ واضحٌ؛ فالمؤلف يحذِّر صاحبَه من (المراء والمنازعة) ومن (الكِبر والعُجب)، وضرَب له مثالًا طالما عابه علىٰ شيخه ابنِ تيمية، في طريقة المراء والمنازعة، التي هي عنده من دلائل الكِبر والعُجب.

والأوصاف المذكورة تعود علىٰ الضمير المذكور: (هو)، وليس علىٰ المَصدَر الذي لَمْ يُشِر إلىٰ أصحابه لا بإظهار ولا بإضمار، فهو لم يَذكُر مَن هُم أصحاب (المقت والازدراء والتكفير)، لا باسْمٍ ظاهر ولا بضمير، فالكلام كله عن بطَل المثال، وهو ابن تيمية، فالذهبي يرىٰ أنّ هذا المقت والازدراء والتكفير الذي جرىٰ علىٰ ابن تيمية هو نتيجة ما فيه من كِبر وعُجب، ولهذا كان هذا جزاؤه، ولكنه ليس جزاءً متساويًا، بل إنّ ما دفعَهُ الله عنه وعن أصحابه أكثرَ مما جرىٰ عليهم، فإنّ الذي جرىٰ عليهم هو بعضُ ما يستحقّونه.

هكذا يُفهَم كلام الذهبي، ولا سبيل إلىٰ فهمٍ آخَر له. وقد كنتُ عجبتُ مِن قبلُ حين طالعتُ بعض كلام روّاد المنتديات الإلكترونية القديمة، وما قاله بعضُهم من أنّ المقصود بذلك خصومُ ابن تيمية، وأن النص هذا كلَّه ثناءٌ علىٰ ابن تيمية، وهذا فهمٌ سقيمٌ منهم، ما كنتُ أحسِب أنْ يَهِمَ فضيلةُ الدكتور رياض الطائي ويُتابِعَهُم عليه؛ فما دام أنّه فعَل، فلا بدّ من زيادة بيانٍ لعلّه يُراجع ما وَهِمَ فيه، ولعلّ مَن قرأَ كلامَه تتضح له الصورة ولا يغترّ بذلك التأويل والتحليل! وحينها يُدرِكُ بعضُهُم وَبالَ اتّهاماتهِم لي بالعُجمَة أو الهَوىٰ! علىٰ مَرأىٰ الدكتور وإعجابِه!

والسبيلُ الأول لِحَلّ هذا النزاع، أن نُراجِع النصَّ نفسَه في الإبرازة الأولىٰ، فقد جاء علىٰ هذا النحو([6]): ((احْذَر المِراءَ في البَحث وإنْ كنتَ مُحقًّا، ولا تنازِع في مسألةٍ لا تعتقدُها، واحْذَر التكبّر، والعُجب بعملك، فيا سعادتك إنْ نَجوتَ منه كفافًا لا عليك ولا لك؛ فوَالله ما رمقتْ عيني أوسَع علمًا ولا أقوىٰ ذكاءً من رجل يُقال له: ابن تيمية، مع الزهدِ في المأكل والملبس والنساء، ومع القيامِ في الحق والجهاد بكل ممكن، وقد تَعِبتُ في وَزْنه، وفَتشته حتىٰ مَللت، في سنينَ متطاوِلة، فما وجدتُ قد أخَّرَه بَين أهلِ مِصر والشَّام ومَقتته نفوسُهم وازدرَوا به وكذّبوه وكفّروه إلّا الكِبرَ، والعُجب، وفَرْط الغرام في رئاسة المشيخة، والازدراء بالكِبار، فانْظر كيفَ وبالُ الدعاوي، ومحبّة الظُّهور، نسأل اللهَ تعالىٰ المسامَحة، فقد قامَ عليه أناسٌ ليسوا بأوْرع منه، ولا أعلم منه، ولا أزهد منه، بل يتجاوزون عن ذنوب أصحابهم وآثام أصدقائهم، وما سلَّطهم اللهُ عليهِ بتَقْواهُم وجلالتهِم، بل بذنوبه، وما دفعَهُ الله عنه وعن أتباعهِ أكثرَ، وما جرَىٰ عليهِم إلا بعض ما يستحقُّون، فلا تكُنْ في رَيبٍ من ذلكَ)) [طبعة العجمي (ص37-38)].

وهذا نَصٌّ قاطِع الدلالة، لا سيّما أنّه حسَم الأمر بقوله: (بل بذنوبه)، فهو يَعنيه (هو = ابن تيمية) لا (هُم = أعداؤه)، وكذلك عبارة: (وما جرىٰ عليهم إلا بعض ما يستحقّون) فإنّ أقرب مذكورٍ قبلها: ابن تيمية وأتباعه، ولا يستقيم المعنىٰ إلا علىٰ هذا.

وكذلك قوله (فما وجدتُ قد أخّره إلا الكِبر…)، فإنما يتأخر الإنسان بذنبه هو، لا بذنب غَيره، لا سيما إن كان هذا ذنْبًا من نحو العُجب والكِبر، فلا يمكن لغيرك أن يؤخّرك بعُجبه وكِبره، وإنما تتأخّر أنتَ بعُجبكَ وكِبرك، فيمقتك الناس. وهذا في غاية الوضوح، إلا إذا حجَبَ الكبرُ بعضَ القرّاء عن التراجع والانتباه، وأخذَتهم الأنَفَة عن المراجعة والتصحيح.

وهذا النص وما أجراه عليه المؤلف من الحذف والتهذيب في الإبرازة الثانية، لا يغيِّر من أصل المعنىٰ شيئًا. ويستحيل عقلًا أن يكون قد قصَدَ في الإبرازة الأولىٰ ابنَ تيمية وأتباعَه، وفي الإبرازة الثانية يغيّر وُجهته إلىٰ خصوم ابن تيمية وأعدائه.

وهذا الاتّهام الشديدُ من الذهبي لابن تيمية لم يكن في هذا المَوضِع فحسب، بل له ما يشهد له في مواضع أخرىٰ مِن كتبه الأخرىٰ -سيأتي ذِكرُها لاحقًا-.

ومن باب حُسن الظن بالذهبي -وهو أهلٌ له- فإنّه ما قال ما قاله عن ابن تيمية إلا بعد مشاهدات عدّة، وطول تفتيش في شخصيته، ووزنٍ لتصرّفاته ومواقفه -كما صرّح هنا-، فوجدَ أنّ مِن صفات ابن تيمية -الّتي صرّح بذكرها-: ازدراء الخصم، والردّ علىٰ الأكابر، والحدّة في البحث والمناظرة؛ فحلّل شخصيته بناءً علىٰ هذه الأوصاف فوجَد أنّها إنما تصدر عن أهل الكِبر والعُجب ومحبّي الظهور([7])، علىٰ نحو ما ذكرَ بعضُ الحكماء أنّ من أسباب الغضب والحدّة: العُجب، والمماراة، والكِبر([8]). ولهذا قال الذهبي في كتابه “الكبائر” (ص79): (أشَرُّ الكِبر: مَن تَكبّر علىٰ العباد بعلمه، وتعاظَم في نفسه بفضيلته، فإنّ هذا لم ينفعه علمه).

وهذا قولٌ مجمَل عام، أما تنزيله علىٰ الأعيان، فهو من مزالق الأقدام، لأنه لا يكادُ يُعرَف إلا بالاطلاع علىٰ خبايا القلوب، وأنّىٰ لبشَرٍ أن يَسْتطِيعَه! إنما يمكنه أن يحذِّر من الحدَّة نفسِها ومن الغضبِ ذاتِه، ويَعيب علىٰ أصحابهما استعمالهما في غير مواضِعهما العزيزة، ولا يَبني عليهما لوازم أعمال القلوب كما نشاهده اليوم من صنيع بعض المنتسبين إلىٰ العلم الشرعي والتديّن الإسلامي، ممن نصبوا أنفسهم كشّافات لخبايا النفوس وضمائر القلوب! تألّيًا علىٰ الله جلّ في علاه.

النص الثاني:

قال الحافظ الذهبي: ((والسلامة والعافية أَولىٰ بالمَرء، فإنْ بَرَعتَ في الأصول وتوابعِها مِن المَنطق والحِكمة والفلسفة وآراء الأوائل ومَحارات العقول، واعتصمتَ معَ ذلك بالكتاب والسنّة وأُصولِ السلَف، ولفَّقتَ بين العقل والنقل، فما أظنكَ في ذلك تبلغُ رتبةَ الشيخِ تقيِّ الدينِ ابنِ تيمية، رحمه الله تعالىٰ، وقد رأيتَ ما آلَ إليهِ أمرُه، مِن الإلزامات الباطلة، والهَجْم القبيح عليه، وقد كان قبلَ ذلك علىٰ طريق السلف، ثمّ صار بعد ذلك علىٰ ألوان؛ فعندَ جماعة من العلماء هو دجّال أفّاك، وعند آخرين من عقلاء الأفاضل هو مبتدع فاضل بارع، وعند أخَرين هو مُظلمُ الأمر مَكسوفٌ، وعندَ عوامّ أصحابه هو حامي حوزة الدين وحاملُ راية الإسلام ومحيي السنّة النبوية. والله المستعان)) [طبعة القونوي (ص86-87)].

وهذا النص في الوضوح أكثر من سابقه، ويُلاحَظ أنّه قسّم آراء الناس في ابن تيمية علىٰ أربعة أقسام، وقَولُ الذهبيّ هو أحدُها -ولا بدّ-، وهو قطعًا ليس قول عوّام أصحاب ابن تيمية، ولا قول مَن اتهموه بالدجل والإفك، ولا قول من يَرَونه مظلمًا مكسوفًا، فبقيَ قولٌ امتدحَ الذهبيُّ أصحابَه القائلين بأنّ ابن تيمية (مبتدع فاضل بارع)، وهذا ما تؤكّده عباراته في كثير من المواضع التي ترجَم فيها لابن تيمية.

ومما يزيد النص وضوحًا أنْ تقرأه كذلك في الإبرازة الأولىٰ، والتي تأتي أهميتها لإيضاح المقصد عند مَن لم يتضح له، وليس لاعتماد اللفظ الأول وتبنّيه، وإلّا ما احتاج الذهبي إلىٰ تعديله وإخراجه في إبرازة أخرىٰ، ولكن يستحيل أن يكون غيّر المعنىٰ وعكَسَهُ، وإنّما هذّب الألفاظ وانتقىٰ العبارات فحَسْب.

قال الذهبي في الإبرازة الأولىٰ: ((والسلامة والعافية أَولىٰ بكَ، فإنْ برعتَ في الأصول وتوابعِها مِن المَنطق والحِكمة والفلسفة وآراء الأوائل ومَجازات العقول، واعتصمتَ معَ ذلك بالكتاب والسنّة وأُصولِ السَّـلَف، ولفَّقتَ بين العقـل والنقـل، فما أظنكَ في ذلك تبلغُ رتبةَ ابنِ تيميـة، ولا -واللهِ- تقرَبُها، وقد رأيتَ ما آلَ أمرُه إليهِ مِن الحطّ عليه والهجْر والتضليل والتكفير والتكذيب –بحق وبباطل-، فقد كان قبلَ أن يدخُل في هذه الصناعة منوّرًا مُضيئًا، علىٰ محيّاه سيما السلف، ثمّ صار مُظلمًا مَكسوفًا عليه قَتمة -عند خلائق من الناس-، ودجالًا أفاكًا كافرًا -عند أعدائه-، ومبتدعًا فاضلًا محقّقًا بارعًا -عند طوائف من عقلاء الفضلاء-، وحاملَ راية الإسلام وحامي حوزةَ الدين ومحييَ السنّة -عندَ عوامّ أصحابه-، هو ما أقولُ لكَ)) [طبعة العجمي (ص42-43)].

فيُلاحَظ هنا تأكيده أنّ الذم والقدح علىٰ ابن تيمية، منه ما هو (حق) ومنه ما هو (باطل)، ولا سيما فيما يتعلق بأصول الدين –حيث سياق الكلام هنا-.

وموقف الذهبي هذا ليس طارئًا كي يُستهجَن صدوره منه في هذا النص، وإنما هو موقف ثابت عنده. وما قال هذا الكلام في هذا المَوضِع إلا للتنبيه علىٰ غلط الدخول في علم الكلام، وأنّه من بدع الخلَف، الذي يكون تركُه من حُسن إسلام المرء -علىٰ حدّ قوله-.

أما علم المنطق، فيقول عنه في رسالته هذه نفسها (ص88): “نفْعُه قليل، وضررُه وبيل“.

وأما علم الفلسفة فيقول فيه (ص89): “الحكمة الفلسفية ما ينظرُ فيها مَن يُرجى فلاحُه، ولا يَركن إلىٰ اعتقادها من يَلوح نجاحُه، فإن هذا العلم في شِقّ وما جاءتْ به الرسُل في شِقّ، ولكنّ ضلالَ مَن لم يَدرِ ما جاءت به الرسل بالفلسفة  أشدُّ مِن ضلال  مَن عَلِم شيئًا من الإسلام، فوا غوثاه بالله، إذا كان الذين قد انتدبوا للردّ علىٰ الفَلاسفة قد حاروا ولَحِقَتْهم كَسْفَة، فما الظنّ بالمردود عليهم! وما دواء هذه العلوم إلا الحرق والإعدام من الوجود، والأخذ علىٰ أيدي القائلين بها بما يردعهم، إذ الدين ما زال كاملًا حتّىٰ عُرِّبَت هذه الكُتُب، ونظَر فيها المسلمون”!

بل كان الذهبيُّ قد بالغَ أكثرَ في الإبرازة الأولىٰ، فقال: “وما دواءُ هذه العلومِ وعلمائِها والعاملين بها عِلمًا وعَقدًا إلا الحريقُ والإعدامُ من الوجود”!! وهذا شططٌ، وغلوٌّ فوقَ غلوّ، نحمد الله أنّه تنزّه عنه في الإبرازة الأخرىٰ.

ومناقشة رأيه في هذه العلوم ليس هذا موضِعُها، وهو في ذلك مخالِفٌ ومُبايِنٌ لرأي شيخه ابن تيمية في هذه العلوم، لا سيما في كتابَيه “در تعارض العقل والنقل” و”منهاج السنّة”، فابن تيمية يرىٰ أنَّ العلم بالفلسفة والاطلاع علىٰ مذاهبها المختلفة (مِن أنفع الأمور)([9])، إذْ بذلك يصِل المرءُ إلىٰ (الفلسفة الحقيقية) و(الفلسفة الصحيحة)([10]). ويقول: (‏فمَن تبحّر في المَعقولات، وميّز بين البيّنات والشبهات، تبيّن له أن العقل الصريح أعظم الأشياء موافقةً لما جاء به الرسول صلىٰ الله عليه وسلم، وكلّما عظُمت معرفة الرجل بذلك، عظُمت موافقته للرسول صلىٰ الله عليه وسلم)([11]).

تأكيد موقف الذهبي من ابن تيمية:

يمكن تلخيص الموقف السلبي للذهبي من شيخه ابن تيمية في نقطتين رئيسَتين:

الأولىٰ: ما يتعلق بأصول الدين مما أداه إلىٰ رميه بالبدعة وأنه صار علىٰ غير طريق السلف، وسببها الدخول في صناعة الفلاسفة والمتكلمين!

والثانية: ما يتعلق بالأخلاق، في كونه كانت فيه حدة وشدّة وغضب وطعن في الأكابر، فأدىٰ هذا بالذهبي إلىٰ أن يتهمه بالعُجب والكبر وحب الظهور!

ومما يؤكّد هذا الموقف ما كان يلمح إليه أو يصرح ببعضه في مواضع أخرىٰ من كتبه. وهذه مقتطفات منها([12]):

  1. قال الذهبي عن ابن تيمية: (مع أنّي مخالف له في مسائل أصلية وفرعية).
  2. وقال عن أصحاب ابن تيمية المُتعصّبين له: (فإن الحب يحملهم علىٰ تغطية هناته، بل قد يعدّونها محاسن).
  3. وقال: (كان تعتريه حدّة في البحث، وغضب، وشظف للخصم، تزرع له عداوةً في النفوس).
  4. وقال: (فأصحابه وأعداؤه قد ينقمون عَلَيْهِ أَخْلَاقًا وأفعالًا، مُنصِفُهم فِيهَا مَأجور، ومُقتصِدُهم فِيهَا مَعْذُور، وظالِمُهم فِيهَا مَأزور، وغالِيهم مَغرور).
  5. وقال: (كان لا يرجع، ولا يلوي علىٰ ناصح).
  6. وقال: (هو بشر له ذنوب وخطأ).
  7. وقال: (لو لاطفَ الخصوم ورفقَ بهم ولزمَ المجاملة وحُسنَ المكالمة، لكان كلمة إجماع).
  8. وقال: (فيه قلة تؤدة وعدم مداراة غالبًا).
  9. وقال: (قد يعظّم جليسه مرّة، ويهينه في المحاورة مرّات).
  10. وقال: (تألّموا منه بسبب ما هو معهود من تغليظه وفظاظته وفجاجة عبارته وتوبيخه الأليم المبكي المنكي المثير للنفوس، ولو سلم من ذلك لكان أنفع للمخالفين).

الذهبي والرمز:

من عادة الحافظ الذهبي في صناعة التراجم، أنه كان يرمز ببعض الرموز أثناء ترجمة معاصريه أو مَن لهم أثَر في المعاصرين له، وسبب ذلك الخشية من بعض أصحاب الفتن والجهالة، وبعض مَن لهم سطوة وطغيان.

مثالُ ذلك قوله: (ما كل ما يُعلم يقال) ونحوها، وهذه تفطَّنَ لها ابنُ حجر وهو الخبير بالذهبي، فقال: (هذا كلام الذهبي علىٰ عادته في الرمز إلىٰ الحطّ علىٰ مَن يخشىٰ غائلة التصريح فيه)([13]).

ومن ذلك أيضًا ما حكاه عنه تلميذه العلائي -راوي كتاب “زغل العلم”- أنّه كان إذا لم يَقْدر علىٰ التصريح بعَيب أحد، فإنه يقول في ترجمته: (والله يصلحه)([14]).

وقد استعمل الذهبي هذه العبارة في تراجمه لابن تيمية وبعض أتباعه، ولا يخفىٰ علىٰ القارئ المطّلع، أنّ ثَمّ عداءً نشأ بين الذهبي وبعض أتباع الإمام ابن تيمية، حتىٰ قال الذهبي في رسالته التي أفردها في ترجمته: (مع أنّي قد أُوذيت لكلامي فيه من أصحابهِ)، وللذهبي رسالة مفردة في أصحاب ابن تيمية، سمّاها: “القبان” -أي: الميزان-، وهي من الآثار المفقودة([15]).

ومع هذا التحرّز في إظهار رسالة “زغل العلم”، إلا أنّها -فيما يبدو- قد بلغ خبرها زميلَه ابن قيم الجوزية، وربّما طالعَها، ولذلك ألحقَ ابن القيّم بنونيته بيتين يعرّض فيهما بالذهبي ورسالته، فيقول:

رامي البريء بدائهِ ومُصابِهِ
كمُعيِّر الناس بالزَّغَل الّذي
  فِعْلَ المُباهِتِ أوقحَ الحيوانِ
هو ضَرْبُه فاعْجَبْ لِذي البُهتانِ

ولا يخفىٰ ما كان بين الذهبي وابن القيم من جفوة شديدة، وهي ليست من قَبيل اختلاف التخصص كما حاولَ الدكتور رياض أن يقول في قراءته التحليلية، حيث بنىٰ ذلك علىٰ قوله بأنّ الذهبي كان متّجهًا نحو التصنيف في التاريخ والتراجم، بينما ابن تيمية كان متصدّيًا للذبّ عن أصول الدين والمناظرة والردود، مما جعل الذهبي يراه حادًّا في طبعه، شديدًا علىٰ خصومه، غليظًا في مناظراته. ثم قال: (إذا فُهِم هذا، وُجِّهَ كلام الذهبي في الإمام ابن القيم بنحو توجيه كلامه في شيخ الإسلام)!

ولكي نتمكّن من تطبيق نصيحة الدكتور رياض، علينا أن نقرأ كلام الذهبي في ابن القيم، فقد قال عنه في ترجمته في “المعجم المختص”: (وَاللَّهُ يُصْلِحُهُ وَيُوَفِّقُهُ، سَمِعَ مَعِي مِنْ جَمَاعَةٍ، وَتَصَدَّرَ لِلاشْتِغَالِ، وَنَشْرِ الْعِلْمِ، وَلَكِنَّهُ مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ سَيِّئُ العَقْلِ جَرِيءٌ عَلَىٰ الأُمُورِ. غَفَرَ اللَّهُ لَهُ).

فهل نوجّه هذا النص علىٰ نحو ما دعا إليه الدكتور رياض في نصوص الذهبي عن ابن تيمية، فنقول: المقصود بعبارة (معجب برأيه) هو خصم ابن القيم؟! أو نقول: لأنّ تخصُّصَ الذهبي مغايرٌ لتخصُّصِ ابن القيم، وكلّ واحد منهم تصدّىٰ لأمر مختلف، فإنّه قد يُرىٰ بعَين الذهبي أنّه (سيئ العقل)؟!

هذه توجيهات لا تتّجه، ولا أساس لها في الواقع سوىٰ الوهم، ولا محلّ لها في العلم، ولا التحليل اللغوي.

ومَن يُراجِع كتب التاريخ يَعلَم أنّ الحافظ الذهبي كان له رأي ناقد لأسلوب الإمام ابن تيمية وبعضِ أصحابه، وعلىٰ رأسهم ابن القيم الذي كان شديد الحماس لدعوة شيخه ابن تيمية، مما أدىٰ به إلىٰ الإعلان عنه بمسائل كثيرة منتقَدة، أثارت الناس علىٰ ابن تيمية، وأدخلته في محن، وأوذي هو وأصحابه بسببه([16]). ولعل هذا هو الذي جعل الذهبي يُطلق فيه عبارة: (سيئ العقل)، وحاشا أن يُوافَق علىٰ ذلك، مع أن العقلَ قد يقصُر أحيانًا فيتصرف الإنسان بخلاف الحكمة والبصيرة، لكن لا نعمم عليه القول بسوء العقل إلا إذا كانت تلك سجيته وهذا حاله.

ختامًا:

إنّ التوجيهات الّتي عَمِلها الدكتور رياض الطائي للنصوص، هي توجيهات لا محلّ لها في الواقع، وهي تُعبّر عن مثالية خيالية، لا نعيشها، ولا نريد للطلبة أن يعيشوها؛ فالخلافات الشخصية والعلمية واقعة منذ زمن الصحابة حتىٰ يوم الناس هذا، فكم رأينا في أيامنا هذه من تلامذة يذمون شيوخهم أقبح الذم، أو العكس، أو ما يحدث بين الأقران، وكل منهم مِن المشتغلين بالعلم والمتَصدّين لخدمة الشريعة في ظاهرهم؛ فلا حاجة لنا بالمثاليات التي أرهقت الدعوة، وزوّرت التاريخ، وشكّلت صدمات نفسية لدىٰ المقبلين علىٰ العلم.

والمنهجية الواقعية الحقّة لا تُسهم في إسقاط الأعلام، فلا يستطيع منصف أن يقول: اتركوا الذهبي الذي يطعن بابن تيمية، كما لا يقول: أسقِطوا ابن تيمية الذي بدّعه الذهبي واتهمه في أخلاقه!

ولكن بالعلم والإنصاف نستطيع أن ننظر فيما اختلفوا فيه، ونعرف المُحقّ منهم مِن المبطل، مع الاستفادة من الجميع، والاعتراف بفضلهم وسابقتهم، وندعو الله لنا ولهم بالمغفرة والرحمة، إنه هو الغفور الرحيم.

 

وكتب
عُمَر مَاجِد السِّنَويّ
ليلة عاشوراء سنة 1443هـ  بمَدينة المَوصل المَحروسة

 

([1]) يُنظَر: مفهوم القراءة، عمر السنوي، شبكة الألوكة:   www.alukah.net/sharia/0/116088

([2]) يُنظَر بيان ذلك في: مقدمة التحقيق لكتاب زغل العلم، لمحمد بن عبد الله القونوي (ص39-41).

([3]) تُنظَر: مقدمة التحقيق لكتاب زغل العلم، لمحمد بن عبد الله القونوي (ص15-16).

([4]) هذه النسخة المخطوطة من محفوظات مكتبة برلين، برقم (5570)، وناسخُها هو أحد أهل العلم من القرن الحادي عشر الهجري، اسمه: خليل بن ولي بن جعفر الحنفيّ، نَسخَها عن نسخة الحافظ العلائي تلميذ الحافظ الذهبي.

([5]) تجوز بالضم والفتح، والفتح علىٰ الخِطاب أَولىٰ، لأنه يخاطِب صاحبَه بالأمر والنهي كما في أول العبارة وفي سائر عبارات الكتاب.

([6]) ميّزتُ الاختلاف بوضع خطٍّ تحت الكلمات، وإن كان بعض الخلاف من باب فروقات النُّسَخ وليس من باب تعدّد الإبرازات.

([7]) وهذا ما فسَّرَه به محققٌّ الكتاب في إبرازته الثانية: محمد بن عبد الله القونوي، فقد عقدَ فصلًا في مقدّمة الكتاب لدراسة موقف الذهبي من ابن تيمية، وأنا مستفيدٌ مِن بعض نُقولاته هناك.

([8]) يُنظَر: مكارم الأخلاق، للنسَفي (ص115-116).

([9]) يُنظَر: منهاج السنة، لابن تيمية (١/٣٨١).

([10]) يُنظَر: منهاج السنة، لابن تيمية (١/٣٦٥-٣٦٩).

([11]) درء التعارض العقل والنقل، لابن تيمية (٥/٣١٤).

([12]) يُنظَر: تاريخ الإسلام (15/700). وذيل تاريخ الإسلام (ص342-330). والمعجم المختص (ص26). والذيل علىٰ طبقات الحنابلة، لابن رجب (4/491-529 ناقلًا كلام الذهبي).

([13]) الدرر الكامنة، لابن حجر (5/252).

([14]) يُنظَر: طبقات الشافعية، للسبكي (2/13).

([15]) ذكرها السخاوي في كتابه: الإعلان بالتوبيخ (ص307).

([16]) ذكرَ ذلك التقي الفاسي في ترجمة ابن القيم، في كتابه: إيضاح بغية أهل البصارة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.