حصريا

الغيب والموقف منه؛ محمد أركون نموذجا- جواد بحر النتشة -فلسطين-

0 66

الغيب والموقف منه؛ محمد أركون نموذجا

هبطت على كثير من المثقفين العرب هابطة غربية، قامت على مادية يابسة، دفعتها إلى سدّ منافذ المعرفة التي لا تنبثق من المادة، فتنكرت لِما أسمتْه: ما وراء المادة، حتى أنكرته إنكارا عُرفت به في عالم الأفكار والعقائد.

من هذه الهوابط التي أصابت بعض أبناء جلدتنا: تنكّرهم للغيب بمعناه المعروف على ما يأتي قريبا، واعتبار ما دخل في الغيبيات أشكالاً من الخرافات والأساطير التي تسربت إلى أمتنا من ثقافات قديمة لم يَعُد وعي القرون الحديثة راضيا بها؛ وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء، مخالف لِما تقرّر في اعتقادنا الإسلامي؛ فالغيب محور أساس في هذا الاعتقاد الإسلامي، ذلك أنه كائن فعلا أو سيكون، ومشكلة هذا الغيب عند هؤلاء أنه لم يحظ بدليل مادي ملموس عليه، وهكذا قصروا الفكر والاعتقاد فيما تبلغه المادة، وطمسوا من نفوسهم ما لا يحظى بتأييدها.

والغيب هو قَسيمُ الشهادة؛ أي هو القسم المقابل لها؛ فالوجود وجودان ظاهر مشهودٌ مُدرَك ببعض حواس الإنسان؛ ووجود غائب عنه دلّت على وجوده أدلة من العقل والنقل؛ ولا يسيغ العقل إنكار ما لا تدركه الحواس، لأن العقل يقرّر وجود نفسه وإن لم تدركه الحواسّ؛ والعقل يؤمن بوجود موجودات كثيرة لا تدركها حواس الإنسان أصلا؛ من ها هنا انقسم الوجود إلى غائب عن الإنسان وهو الغيب، ومشاهَد له وهو الشهادة؛ ولا نتحدث ها هنا عن الشهادة بل عن الغيب وحده.

فالغيب هو الوجود الأكبر بما لا يقارَن مع عالَم الشهادة، فهو الممتدّ زمانا ومكانا بحيث يقفز على إمكانات الإنسان المتمثلة بوسائله المادية، بل هو يقفز على الزمان والمكان ذاتهما، بحيث لا يَطالُه قانونهما؛ فالله غيب سبحانه، وهو فوق الزمان والمكان.

والغيبيات ليست عوالم عبثية تعبث فيها الكهانة وتلعب فيها الظنون والأوهام، بل هي عوالم حقيقية دلت عليها النصوص، وسيُقبِل إليها الإنسان ليرى كثيرا منها رؤية العين حينما يلحق بالآخرة الآتية بحسب اعتقاد المؤمن الحق؛ وحينما ينكشف الحجاب عن رب العزة سبحانه في الجنة فسيرى المؤمن ربه لينكشف عنه أعظم ما غاب عنه، حتى إنه يرى كل متعة عاشها في الجنة لا تساوي متعة النظر إلى وجه الله تعال؛ أما الكافر فهو يرى من الغيبيات ما يحرقه في نار جهنم والعياذ بالله تعالى.

هذا، وقد عرّف العلماء الغيب المذكور في أوائل سورة البقرة بتعريفات تتوارد على معناه، فنقل القرطبي رحمه الله عن بعض المفسرين أن الغيب المذكور في قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه، هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون)، (البقرة: 2-3)؛ هو الله تعالى؛ ونقل عن آخَرِين أنه القضاء والقدر، وعن غيرهم أن الغيب هو القرآن وما فيه من الغيوب؛ ونقل عن غير هؤلاء وأولئك أن الغيب هو ((كل ما أخبر به الرسول r مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان))؛ ونقل القرطبي معقّبا على هذه المعاني قول إمام التفسير ابن عطية الأندلسي رحمه الله تعالى: ((وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها))([1])؛ وذكر العلاّمة المفسّر أبو السعود رحمه الله أن الغيب هو: ((ما غاب عن الحسّ والعقل غيبة كاملة، بحيث لا يُدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة))([2])؛ وبدا لي أن كلام أبي السعود قد اختصر شرح الغيب بكلماته القصيرة تلك.

وآية سورة البقرة، وهي طليعة القرآن الكريم بعد الفاتحة كما تقدم ذكرها؛ تحدثت عن الغيب بطريقة تجعله أول محور للاتصاف بالتقوى؛ فأول صفات المتقين هي الإيمان بالغيب؛ يقول العلاّمة ابن عاشور رحمه الله تعالى: ((وخَصَّ بالذِّكر الإيمانَ بالغيب دون غيره من متعلقات الإيمان، لأن الإيمان بالغيب، أي ما غاب عن الحس، هو الأصل في اعتقاد إمكان ما تخبر به الرسل عن وجود الله والعالم العلوي، فإذا آمن به المرء تصدى لسماع دعوة الرسول، وللنظر فيما يُبَلّغه عن الله تعالى، فسَهُل عليه إدراك الأدلة؛ وأما من يعتقد أن ليس وراء عالم الماديات عالم آخر، وهو ما وراء الطبيعة، فقد راضَ نفسه على الإعراض عن الدعوة إلى الإيمان بوجود الله وعالم الآخرة))([3])؛ وكأن مقصود الإمام ابن عاشور أن الإيمان بالغيب يمهّد نفس المؤمن لسماع دعوى النبوة وما يخبر به النبي r.

من كل ما تقدّم يمكن أن يُفهم قول الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى عن الغيب: ((وبِدَفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد))([4])؛ فالإيمان بالغيب ليس أمرا افتراضيا يمكن دفع، بل مضمون الحقائق الأصلية في الاعتقاد كله كامن في مفهوم الغيب الوارد في القرآن والسنة؛ إنه بعد ما تقدم ذكره يتبين مدى ما تبلغه أهمية الإيمان بالغيب المذكور في نصوص الوحي.

والحق أن الغيب عنوان شامل لكل اعتقاد إسلامي؛ فالله غيب، والملائكة غيب، والدار الآخرة بمشاهدها وتفصيلاتها غيب، والكتب السماوية غيب، وغيبيتها تتمثل في صلتها بمصدرها، وهو الله تعالى؛ والأنبياء غيب، وغيبيتهم هي ذلك العمق الذي يتمثل في اتصلاهم بالرب سبحانه وتعالى، الذي جعل منهم أنبياء مرسلين، فمحمد صلى الله عليه وسلم معروف شهادةً للكافر والمسلم المعاصرين له؛ أما نبوته فهي الغيب الذي به كَفَر الكافر، وبه آمن المؤمن؛ إن الذي فعله منكرو الغيب هو طمسهم لباب المعرفة الأكبر في الواقع البشري، وليس يشفع لهم ادعاءات البعض من أهل الأديان الأخرى بغيبيات لا رصيد لها في عالَم النصوص الصحيحة.

بين الغيب والعلم الماديّ:

والعقلية الإسلامية تغرف من بحر الحقيقة، وتسبح في فضاءاتها الوسيعة، وكل ما يهمها أنها الحقيقة، دون مجافاة لها، ولو كانت غائبة عن حواسّ الإنسان، فالحقيقة هي محور تفكيره، دون الانحصار فيما تؤدي إليه المصادر المادية البحتة، ذلك أن المادة ووسائلها تعطي أشياء، وتعجز عن أكثر الأشياء، فتجتمع في العقلية الإسلامية جميع مصادر الحقيقة دون تنكر لبعضها لحساب بعضها؛ إن بحر الغيب متمثلا في النصوص الإسلامية الصحيحة، يأتي ليعطي الإنسانَ ما يحتاج إليه مما عجزت عنه وسائل المادة؛ ومن هنا يمثل الغيب بمصدرَيْه القرآن والسنة حجر الزاوية في بناء الحقيقة في العقلية الإسلامية؛ إن الغيب والعلم هما البحران اللذان تأخذ منهما العقلية الإسلامية مضمونها الأساس، ما داما قد دلّ عليهما دليل الحقيقة؛ وها هنا نقول مع الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى: ((إن العقلية الإسلامية عقلية غيبية علمية، لأن الغيبية هي العِلمية بشهادة العلم والواقع؛ أما التنكر للغيب فهو الجهلية التي يتعالم أصحابها وهم بهذه الجهالة! وإن العقلية الإسلامية لتجمع بين الاعتقاد بالغيب المكنون الذي لا يعلم مفاتحه إلا الله، وبين الاعتقاد بالسنن التي لا تتبدل، والتي تُمْكن معرفة الجوانب اللازمة منها لحياة الإنسان في الأرض، والتعامل معها على قواعد ثابته؛ فلا يفوت المسلمَ العلمُ البشري في مجاله، ولا يفوته كذلك إدراك الحقيقة الواقعة، وهي أن هنالك غيباً لا يُطلع الله عليه أحداً، إلا من شاء، بالقدر الذي يشاء))([5])؛ إنه بهذا كله تتكامل المعرفة، لتكامل مصادرها.

ويَحسُن هنا أن نذكر ما قاله الأستاذ محمد المبارك رحمه الله تعالى في كتابه الإسلام والتفكير العلمي؛ قال الرجل: يبدو من العرض القرآني للكون ((أن الإسلام وضع الإنسان وجها لوجه أمام الكون، إذ أزال ما بينهما من حواجز، كما أنه أخْضَعه له، لتفكيره وتجربته وتسخيره، وأزال عنه وعن جميع أجزائه صفة التقديس والتأليه التي كان يتصف بها في الديانات الوثنية والعقائد الخرافية، وجعل الحواسّ بمعونة العقل، أو العقل بمعونة الحواس، طريقا للوصول إلى معرفته، ومصدرا لكشف حقائقه، وجعلها المرجع المختص بذلك، وأحال عليها في نصوص كتابه وسنة نبيه r، بخلاف عالَم الغيب، فقد جعل الوحي للأنبياء هو مصدر معرفته، والمرجع المختص في ذلك))([6])؛ إن هذا الكلام يكشف عن توازن عجيب في عقل المسلم، بين ما يؤمن به وهو غائب عنه، وما يؤمن به وهو يراه.

ننتهي مما تقدم أن الغيب غائب عن سمع أهل الدنيا وبصرهم، وليس غائبا عن الوجود؛ وليس يصح أن ما لا أدركه ببصري فهو غير موجود، بل إن البصر لا يكشف من الموجودات إلا ما صمّم لرؤيتها، وما خرج عما صُمّم له البصر فهو غائب عنه وليس غائبا عن الوجود؛ ولذا: فالوجود أثناء الحياة البشرية وجودان: وجود مشاهَد وهو ما يسمى عالَم الشهادة؛ وغير مشاهد وهو ما يسمى عالَم الغيب؛ والذي يعلم العالَمَين دون غيره وبكل التفاصيل والجزئيات، هو الله تعالى؛ قال سبحانه وتعالى يصف نفسه: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالِم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم)، (الحشر: 22).

بعد كل ما تقدم نسأل: أين تقف العلمانية، وأين يقف الحداثيون؟

الحداثيون والغيب:

أما الحداثيون، فلهم شأن آخر، ولديهم عقل ثانٍ، لم يأخذوه من شرع رباني، بل من تقليد لفلسفات غربية، بدأوا مقلدين لها، ثم صاروا مبدعين فيها، غير أن سِمة التقليد لم تفارقهم؛ ونموذجنا هنا هو المفكر العلماني الحداثي محمد أركون..

فقد ادّعى المفكر الحداثي الجزائري الفرنسي الكبير محمد أركون أن مفهوم الغيب يشُلّ الفكر، وبدعواه يكون الذي يؤمن بالغيب مغلول التفكير؛ ففي سياق دعواه أن الفكر الإسلامي محصور فيما لا يمكن التفكير فيه، بمعنى أن قضاياه العقدية التي يطرحها يُمنع التفكير فيها؛ في هذا السياق يقول أركون: ((إن الفكر الإسلامي يظل يُحصر في مجال اللامفكر فيه، حتى المستحيل التفكير فيه، وهو ما كان قد سماه منذ لحظة القرآن: الغيب؛…، في الواقع إن مفهوم الغيب يغذي الحكمة، لكنه في الوقت نفسه يَشُلّ الفكر))([7])؛ وتغذية مفهوم الغيب للحكمة ليس إيمانا بوجوده، بل هو نظر فيه كمضمون مؤثر في إيجاد الحكمة وتغذيتها؛ وليس هذا ما يعنينا من كلامه، بل يعنينا منه دعواه أن مفهوم بالغيب يشُلّ التفكير؛ مع أن الواقع التاريخي يرُدّ كلامه، فإنتاجات المسلمين الفكرية، تلك التي أطلقوها مع إيمانهم بالغيب، يرُدّ كلامه، ويدل على أن مفهوم الغيب عندهم لا يَشُل التفكير؛ ويكفينا هنا أن نمثل بمقدمة ابن خلدون، فصاحبها فقيهٌ وقاضٍ ومؤرخٌ ومؤمن بالغيب معا، وهو أيضا مفكر قل نظيره في مجتمعات البشر؛ وكذلك ابن رشد الذي يعتدّ به أركون كثيرا، فقد كان فقيها مؤمنا بالغيب، وطبيبا وفيلسوفا أيضا([8])؛ ويَعْتَدّ أركون بالمعتزلة كثيرا([9])، ولكنه يقفز هنا عن إيمانهم بالغيب، ليدّعي أنه يشلّ التفكير.

والسبب الأساس الذي دعا أركون للتنكر للغيب ومحاولة تشويه مفهومه، هو أنه لا يأخذ إلا بما قدمته الحضارة الغربية بطابعها الماديّ القائم على إسدال الستار على ما هو خارج وسائلها؛ وهو ما يسميه العقلَ الحديث؛ وأعلى أركون من شأن هذا العقل الحديث الذي لا يؤمن إلا بما يدخل مختبرات المادة ومقاييسها ووسائلها، يُعليه على الفكر المنتشر في القرون الوسطى، ويجعله بخيره وشره، وبما له أصل وما لا أصل له، ركاما واحدا يلقي به في حاوية الخيالات، دون تفريق بين ما هو حق وما هو باطل؛ يقول محمد أركون: ((من الواضح أن عقلية الناس في العصور الوسطى ليست هي عقلية الناس في العصور الحديثة؛ الخيالات والمعجزات كانت بالنسبة إلى أذهانهم حقيقة واقعة لا تقبل النقاش، ولكن العقل الحديث ما عاد قادرا على الإيمان بها أو التصديق الساذج كما كان يفعل أناس العصور الوسطى، ولذلك يرى فيها نوعا من الرَّمز إلى أشياء أخرى من قيم مثالية ودروس نموذجية وعظات أخلاقية؛ هذا هو تفسير العقل الحديث للمعجزات))([10])؛ صحيح أنه يتحدث هنا عن المعجزات لا عن عموم الغيبيات، لكنّه أقام حديثه هذا كله على التفريق بين عقلية القرون الوسطى وعقلية العصور الحديثة، وعنصر الفرق بينهما بحسَب أركون، هو أن عقلية القرون الوسطى تأخذ بالخيالات والمعجزات، ومحور هذه الخيالات، وهو ما نركز عليه هنا، هو عدم خضوعها للبحث العلمي المادي، وها هنا تدخل العقائد والغيبيات بكل معناها؛ وثمة حكم ظالم في كلام أركون، وهو أنه جعل المؤمنين بالغيب في منْزلة واحدة، بغض النظر عن مصادر غيبيات كل فريق منهم؛ والسؤال: ماذا نفعل إذا كان الغرب قد قرر في وعيه الخاص ذي التجربة الخاصة غيبيات بلا دليل، فهل علينا أن نقرر تبعا لهم أن الغيب عندنا إنما هو غيب الغرب وحده لا شريك له، أم أن لنا فهوما للغيب منبثّة من نصوص القرآن والسنة، ولا ينقضها العقل؟

هذا، وتقف العلمنة عند أركون مع العقل الحديث الذي لا يؤمن إلا بالمحسوس كقرينين لبلوغ المقصود الحداثي؛ يقول أركون: ((..ثم جاءت العلمنة والعقل الحديث، لكي يشكّلا في كل مكان، وعلى كافة المستويات الثقافية والمفهومية، صَدْعا حقيقيا، أو حَدّا فاصلا، بين أولئك الذي يقبلون بالمحتوى والوظيفة الروحية للوحي، وأولئك الذين يرفضونه باعتبار أنه باطل ((علميا))، أو تجريبيا))([11])؛ بحسب هذا النص، يبدو أن أركون يسعى سعيا حثيثا لهدم المعنى التشريعي للنصوص القرآنية والنبوية، بتحويلها إلى مجرد معنى روحي لا ضوابط له، وحجته أن ما عدا المعنى الروحي باطل علميا أو تجريبيا؛ هل درى أركون أن البحث العلمي التجريبي لم يقل بدعواه هذه، وأن كل ما دار حوله هو قضايا المادة فحسب، وأن ما وراء المادة ليس مما يدخل المختبر، فلا يكون بالتالي جزءا من تخصصه أو بحثه أصلا، فلا يصحّ حديثه فيه لو تحدّث فيه؛ وهذا تماما كما يأتي طبيبٌ ما فيَقيس مستوى السكر في الدم بمقياس الضغط؛ أليس اختلاف المجال كافيا لردّ هذا الاعتباط؟!

إن مثل هذا الطرح الأركوني لا يقول به إلا علماني متعالٍ بعلمانية متبجحة إلى مستوى الإعلان عن علمانية الذات دون النظر إلى ردود الفعل من قريب أو بعيد؛ وهل أركون المحتمي بفرنسا يمكن أن يخشى شيئا؟ لو كان يعرف الله تعالى لما سألنا هذا السؤال، لكنه لا يعرف ربه كما سيتبين؛ لقد أعلن أركون عن علمانيته الصريحة فقال: ((فأنا مدرِّس علماني يمارس العلمنة في تعليمه ودروسه؛ وهذا يشكّل بالنسبة لي نوعا من الانتماء والممارسة اليومية معاً))([12])؛ ثم ذكر أن العلمنة هي إحدى مكتسبات الروح البشرية وفتوحاتها.

وأخيرا: نذكر كلام أركون في التفريق بين العقل الديني عموما، والعقل العلمي الحديث، من الناحية المعرفية؛ يقول أركون: ((العقل الديني إذا ما نظرنا إليه من الناحية الأبيستمولوجية، أي المعرفة العقلية، واحد في كل الجهات؛ وهذا العقل كان منافسا كبيرا للعقل العلمي الحديث، لكنه هُزم أمامه في نهاية المطاف، وصار ضحيته؛ لأن العقل الحديث تميز بالجرأة الفاتحة وبالإنجازات الضخمة))([13])؛ ويغالط أركون قارئه هنا بأن العقل الديني كان منافسا كبيرا للعقل العلمي الحديث؛ هلاّ فكر أركون قليلا ليتبين له أن العقل الديني يؤمن أكثر منه بالعقل العلمي ومنجزاته بدلالة أخذ العقل الديني نفسه بمنجزات العقل العلمي، بل ويدعو إلى الاكتفاء الذاتي في علوم الدنيا كلها؟ وهل يعلم أركون أن كل ما يفارقه فيه العقل العلمي هو دعوى بعض مدّعيه وجود تناقض بينهما؛ فمجال العقل الديني غير مجال العقل العلمي تماما، فأنى يتنافسان؟ إنه لا العقل الديني يُدخل مفاهيم العلم المادي في مقرراته ودراساته، ولا العقل العلمي يُدخل مفاهيم الدين في مقرراته ودراساته، فأين ميدان التنافس إذن؟! ثم أية إنجازات ضخمة حققها العقل العلمي الحديث عند من أغلقوا نوافذ العقل وأبواب المعرفة عن أبواب المعرفة التي لا تدركها الحواسّ؟

أركون والعقل الحديث والإيمان بالله:

وثالثة الأثافي كلام أركون عن رأس مسائل الغيب وهي مسألة وجود الله تعالى؛ فقد ذكرنا قوله إن العقل الحديث لم يعُد قادرا على الإيمان بالخيالات والمعجزات، وأدخلنا في كلامه هذا العقائد عموما، خاصة الجانب الغيبي منها؛ ويفجؤنا أركون بإدخاله وجود الله تعالى في تلك العقائد التي يأباها العقل الحديث الذي ينطلق منه؛ يقول الرجل مصورا مكان الله تعالى في العقل الحديث: ((..العقل الحديث الذي صار “وجود الله” بالنسبة إليه فرضية لا جدوى منها أو لا داعي لها))([14])؛ وهكذا نستطيع التأكيد على أن العقائد كلها بما فيها عقيدة الإيمان بالله، لم يعُد لها أي اعتبار في هذا العقل الحديث، الذي قام على مادية جافّة ومجافية للحقائق في الآن ذاته؛ وإذا لم يعُد وجود الله مسألة ذات جدوى في العقل الحديث الذي يؤمن به أركون، رغم أنه أعلى الغيبيات وأهمها ورأسها ومصدرها، فما دون الله تعالى سيكون أولى بهذا الحكم اللاعقلي، وقد نقلت كلام أركون عن المعجزات الخيالات، ونقلت ما هو هنا لتكتمل الصورة عن أركون: إنه لا وجود لمفهوم الغيب عنده إلا في باب الخيالات.

هذه الغيبيات وغيرها تقع خارج دائرة عقول الحداثيين، وذلك لأن العقل الحديث الذي يعتنقونه، لا يعتدّ بغير ما يقع تحت وسائل المادة الذي تتسلط عليه الأجهزة المادية والمختبرات؛ وأصاب هذا الخلل الكبير مسألة وجود الله تعالى كما رأينا.

مفردات من الغيب.. أركون والسخرية من نعيم الجنة:

ويسخر أركون من بعض الغيب، خاصة مما أعدّه الله تعالى للمؤمنين في الجنة، ويصفه بأنه سخرية ومهزلة، ويطالب بإنهائه، ففي حديثه عما في القرآن الكريم من ذِكر الجنات التي تجري من تحتها الأنهار يقول أركون: ((علينا أن ننتهي من تلك السخرية أو المهزلة التي تتحدث عن “جنة الله المليئة بالحوريات/ الشهوانيات، وحيث تسيل أنهار من الخمر واللبن والعسل”..إلخ))([15])؛ إن تسمية بعض ما أعدّه الله للمؤمنين في الجنة مهازل وسخريات، يشكّل موقفا من الغيب، وهو التنكّر له، والسخرية منه ومن مفرداته، خاصة إذا ربطنا كلامه هذا بكلمات أخرى له حول الغيب، كما تقدّم ذِكرها، وكما تقدم من دعواه أن الغيب يَشُل الفكر.

هكذا بدا لنا المشهد الأركوني الذي نما في نفس أركون، ولم يُكتب له التمدّد من بعده إلا في تلاميذ أقل ما يقال فيهم: إنهم ليسوا ببسالة أستاذهم، رغم ضياع هذه البسالة في ميدان صراع الحق والباطل.

 

([1]) تفسير القرطبي، (1/163).

([2]) تفسير أبي السعود، (1/76).

([3]) التحرير والتنوير، لابن عاشور، (1/230).

([4]) مفردات القرآن، للراغاب الأصفهاني، (617).

([5]) في ظلال القرآن، لسيد قطب، (1/59).

([6]) الإسلام والفكر العلمي، لمحمد المبارك، (117).

([7]) قراءات في القرآن، لمحمد أركون، (468).

([8]) ذكر هاشم صالح مترجم أركون وتلميذه وناقل أفكاره؛ ذكر ابن رشد من أولئك الذين بدأت بهم إرهاصات الحداثة؛ يُنظَر: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، لمحمد أركون، تعليق هاشم صالح، (308-309).

([9]) في القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، لمحمد أركون، (11)، أن منهجية المعتزلة كانت تحتوي على إمكانية نظرية كامنة وواعدة.

([10]) قراءات في القرآن، لمحمد أركون، (553).

([11]) القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، لمحمد أركون، (18).

([12]) العلمنة والدين، لمحمد أركون، (9).

([13]) قراءات في القرآن، لمحمد أركون، (119).

([14]) قراءات في القرآن، لمحمد أركون، (630).

([15]) قراءات في القرآن، لمحمد أركون، (94-95).

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.