حصريا

العقلانية بين الدين والإلحاد – جواد بحر النتشة -فلسطين-

0 84
العقلانية بين الدين والإلحادبقلم جواد بحر النتشةلا يوجد في أصول الدين الإسلامي، ولا في فروعه ما يعارض أو يناقض العقل، ولذلك يقرر الإمام ابن تيمية رحمة الله عليه في كتابه “درء تعارض العقل والنقل” بأنه لا يوجد تعارض بين النصوص الإسلامية القطعية، وبين العقل العقلاني، والدين حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. فالقرآن الكريم تنزيل الله، والعقل تكوين الله، ولن يتناقض تكوين الله وتنزيله. وكون العقل وضع الدين موضع القبول ولم يرفضه، فهذا يعني أن الدين يتوافق مع العقل والعقلانية، بدليل قول العلي القدير في كتابه المحكم:

“إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ”

ولقد ذهب الفيلسوف الألماني غوتفريد ليبنتز (Leibniz) إلى أن الحقيقة الدينية والحقيقة العقلية متوافقاتان تماماً؛ حيث أن الاختلاف بينهما يكمن في منهج وأسلوب الوصول إلى الحقيقة، فالحقيقة الدينية يُتوصل إليها عن طريق الوحي الخارق للطبيعة بينما الحقيقة العقلية يتم الاكتفاء فيها بالاكتساب العقلي الطبيعي، ولا بأس إن استفاد المسلم من الفلسفة ما يوافق دينه وأصول عقيدته، فقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:

“الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا”

وهنا يجب علينا التوقف حول قول البعض أن المذهب العقلاني يتجه نحو العلمانية والإلحاد ونحو إزالة الله من هذا الكون كما يذكر ذلك “كرين برينتون” في كتابه شُكِّلتْ عقولنا المحدثة “إن المذهب العقلاني يتجه اتجاها جارفاً متواصلاً إلى إزالة الله من هذا الكون”، وهنا بدوري أدعو القارئ المحترم إلى عدم التسليم بهذه المقولة الخطيرة والتريث عند قراءتها والتدقيق فيها، فالمذهب العقلاني هو مذهب فلسفي يُقرّ بتقديم العقل على غيره من مصادر المعرفة الأخرى، والعقل السليم لم يقل بإنكار وجود الخالق وإزالته من هذا الكون كما زعم “كرين برينتون”، وإنما الذي قال بذلك هو الهوى، والجهل والتكبر المتمثل بأيدلوجيا مادية باطلة تضيّع مقام العقل ومبادئه الأولى كقانون السببية ولزوم السبب والمسبب، والتي تُقرّ جميعها بلزوم وجود الخالق المبدع لهذا الكون المتقن المتناسق العجيب، وليس من العقلانية والانصاف في شيء أن نجعل المعرفة الحقيقية محصورة فقط بالمادة المحسوسة وننكر ما وراءها من غيبيات ونغلق نافذة الوحي الإلهي للوصول إلى المعرفة الحقيقية.

لقد ظهر المذهب العقلاني والاتجاه الإلحادي والعلماني في أوروبا كرد فعل ناتج عن المظالم الكبيرة والجرائم الشنيعة التي ارتكبتها الكنيسة ورجالها في أوروبا في تلك الحقب التاريخية المظلمة باسم الدين، وحربهم المعلنة على العلم والعلماء وملاحقتهم وقتلهم، ومن هؤلاء العلماء الذين تم إعدامهم حرقاً من قبل محاكم التفتيش الكنسية الفيلسوف الإيطالي جوردانو برونو (Giordano Bruno) سنة (1600) لمجرد تأييده لنظرية كوبرنيكوس القائلة بدوران الأرض حول الشمس وتأييده لفكرة لا نهاية الكون، فغلب الجهل والتعصب المقيت على رجال الدين القائمين على الكنيسة آنذاك، وحاربوا العلم ورجاله، مما ولد ردة فعل عكسية عند الغربيين في رفض الدين والتمرد عليه كلياً والانقلاب عليه ونفيه، بينما كان الصواب والعقل يستدعي نفي مسلك رجال الكنيسة الخاطئ والمتمثل بشرورهم ومظالمهم وليس نفي الدين نفسه وإلغاء وجود الله خالق هذا الكون وبارئه!، لذلك لا يحق لداعية علماني ولا لكاتب إلحادي أن يحتكر مفهوم “العقلانية” لصالحه ولصالح أفكاره الإلحادية والعلمانية المنحرفة القائمة على نفي وجود الخالق سبحانه وتعالى.

إن الكثيرين ممن يتبعون الإلحاد، يتسترون بالمنهج العقلاني بغير حق، ويحاولون بكل قوة جاهدين تسويغ أفكارهم الإلحادية باسم العقلانية، وهم أبعد الناس عن العقلانية، ودليل ذلك اعتراف سير “آرثر كيث” من قبل بتمسك الماديين بالداروينية ليس لكونها مثبتة برهانياً بل لأن البديل الوحيد لها هو “الإيمان بالخلق المباشر” وهو ما لا يمكنهم القبول به، فهذا اعتراف واقح من قِبل هؤلاء الماديين بالإعراب عن الهروب الأيدلوجي والنفسي المقيت من تقبل فكرة وجود خالق مدبر لهذا الكون، أليس هذا بحد ذاته تناقضاً كبيراً ومخالفاً لصريح العقل العقلاني ومبادئه؟!

ومن التناقضات المضحكة المخالفة للمنهج العقلاني السليم للذين ينكرون وجود الله عز وجل، قول “توماس هكسلي” الذي حاول أن يقنعنا بإمكانية نشأة هذا الكون بالصدفة بدون خالق مدبر، حين ضرب مثالاً بالقرود، محاولاً إيهامنا بإمكانية أن تنتج هذه القرود صدفة قصيدة من قصائد “شكسبير” لو وضعنا ستة منها أمام آلات كاتبة وظلت تضرب على مفاتيحها لملايين السنين! فهل مثل هذا الهراء الصادر من “هكسلي” وغيره يُمثل العقلانية في شيء؟! فالقرود لن تُخرج لنا مع مرور ملايين السنين سوى ورقة سوداء مليئة بالخربشات والعشوائية الصرفة ولن تخرج لنا بيت شعر واحد فضلاً عن قصيدة كاملة لشكسبير! فالصدفة لا يمكن لها مطلقاً أن تنشئ نظاماً، وهذا ما يُقر به أصحاب العقول السليمة.

ولا ننسى هنا، كيف ردّ الكثيرون من الفلاسفة والمفكرين الملحدين السابقين بعد نضجهم الفكري على الإلحاد وأفكاره الإلحادية المتهافتة، كالفيلسوف البريطاني أنطوني فلو (Antony Flew) الذي تراجع عن إلحاده، وألّف كتابه المشهور “للكون إله”، وكذا المفكر الفرنسي روجيه جارودي، والدكتور مصطفى محمود، وغيرهم كثير ممن تحرروا من قيد الإلحاد والتبعية المقيتة، ودخلوا حظيرة الإيمان بعد طول عناء وبحث وتمحيص، ناهيك عن العشرات من العلماء الغربيين الكبار الذين أثبتوا وجود الله عز وجل في أبحاثهم ودراساتهم واختصاصاتهم العلمية المختلفة، وجمعوا أبحاثهم تلك في كتاب مطبوع تحت عنوان “الله يتجلى في عصر العلم”، يشاركهم في ذلك تسارع وثبات ظاهرة الدخول في دين الإسلام من قبل الكثير من الغربيين في وقتنا الحالي، إثر التأثر الكبير والبالغ بما يُسطّره أهلنا الشرفاء الأبطال في غزة العزة من صمود وشجاعة وصبر وإيمان وثبات عظيم وثقة بالغة بنصر الله وتأييده رغم حجم الجراح الشديدة والمظالم الكبيرة والتضحيات الجِسام.

ختاماً: يتبين لنا وبشكل جليّ، بأن الإلحاد والعلمانية لا يملكان أي حق في احتكار مفهوم “العقلانية”، وأن الإيمان بالخلق المباشر والغيبيات الواردة في الدين الإسلامي تتوافق كلياً مع مقتضيات العقل السليم وقوانينه الأساسية المحكمة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.