الرحمة في الإسلام – أشرف شعبان أبو أحمد -مصر-
مقال: الرحمة في الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد كان الدعاء بالرحمة قاسماً مشتركاً بين جميع الأنبياء والرسل، بل وبين جميع الخلق منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا وإلى قيام الساعة؛ دعا بها آدم وحواء:
ودعا بها سيدنا نوح:
ودعا بها بنو إسرائيل مع سيدنا موسى:
ودعا بها سيدنا موسى:
ودعا بها سليمان:
ودعا بها أصحاب الكهف:
والدعاء بالرحمة على لسان رسولنا الكريم يتكرر بأساليب مختلفة؛ قال تعالى:
ومن أدعيته عليه الصلاة والسلام المأثورة:
وقوله:
وبها يدعو المؤمنون:
و
مفهوم الرحمة وأسماء الله الحسنى
والرحمة هي الرقة والتعطف (أي رقة القلب وعطفه)، ومن الرحمة يشتق (الرحمن) و(الرحيم)، وهما من أبرز أسماء الله الحسنى وأشهرها بعد لفظ الجلالة (الله)، وقد ورد ذكرهما في القرآن الكريم في جميع فواتح السور ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ما عدا سورة التوبة التي نزلت بدون بسملة، كما ذُكر اسم الرحمن واسم الرحيم منفصلين في الكثير من الآيات القرآنية. والمصلي يردد هذين الاسمين في صلاته المكتوبة ما لا يقل عن أربع وثلاثين مرة في اليوم؛ فهو كلما أدى ركعة قرأ فاتحة الكتاب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وهي سبع عشرة ركعة في الصلوات الخمس المفروضة على المسلم في يومه، فإذا أدى السنن زاد على ذلك [1].
و(الرحمن) أخص من (الرحيم) وأكثر مبالغة منه، ولذلك لا يُسمى به غير الله تعالى؛ قال تعالى:
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى:
ومعناه: ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، وهي أبعد من مقدورات العباد. ورحمة الرحمن تعم العالمين: مؤمنهم وكافرهم، صالحهم وطالحهم، بارهم وفاجرهم، أي تعم الخلق جميعاً، ورحمة الرحيم تخص المؤمنين؛ لقوله تعالى:
وقيل: الرحمن من ستر في الدنيا، والرحيم من غفر في العقبى.
الرحمة قاعدة قضاء الله في خلقه
والرحمة هي قاعدة قضاء الله تعالى في خلقه، تشملهم وتحيطهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ قال تعالى:
وقد كتبها الله على نفسه، قال تعالى:
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وإنه لفضل عظيم من الله أن يجعل رحمته لعباده مكتوبة عليه، كتبها هو على نفسه وجعلها عهداً منه لعباده. كما أن إخباره لعباده بما كتبه على نفسه من رحمته والعناية بإبلاغهم بهذه الحقيقة وعلمهم بها، هي تفضل آخر من الله عز وجل؛ حيث تبعث الاطمئنان في كل ما يمر بالمؤمن من ابتلاءات بأنها ليست تخلياً من الله عز وجل عنه أو طرداً منه جل شأنه من رحمته، وإنما تخفي وراءها الخير كله للمؤمن، كما أنها تضفي الثقة في أن كل زلة للمسلم سيغفرها الله إن شاء برحمته، فلا ييأس ولا يقنط من ذنوبه، بل يجدد توبته ويزيد من استغفاره ليعود إلى سالف عهده.
ولبيان ولتمثيل حجم الرحمة التي كتبها الله على نفسه، فلنعلم أن جميع أشكال وصور الرحمة التي تعيش في كنفها جميع المخلوقات منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا وستستمر إلى يوم القيامة، ما هي إلا جزء واحد فقط من مائة جزء؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وأخرج مسلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كما قال عليه الصلاة والسلام:
شمول ومظاهر رحمة الله تعالى
ورحمة الله سبحانه وتعالى بجميع خلقه أوسع وأشمل وأكبر من أن تُحدد أو يحصيها عدد ولا نهاية لها، ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها وتسجيلها؛ قال تعالى:
ورحمة الله تفيض على عباده جميعاً وتسعهم جميعاً، وبها يقوم وجودهم وتقوم حياتهم، وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات الوجود أو لحظات الحياة للكائنات، وفي حياة البشر خاصة؛ فلا نملك أن نتابعها في كل مواضعها ومظاهرها ولكننا سنذكر منها لمحات في مجالاتها الكبيرة:
- تتجلى ابتداءً في وجود البشرية ذاته: في نشأتهم من حيث لا يعلمون، وفي إعطائهم هذا الوجود الإنساني الكريم بكل ما فيه من خصائص يتفضل بها الإنسان على كثير من العالمين.
- وتتجلى في هدايتهم إلى الإيمان: بإرسال الرسل إليهم بالهدى كلما نسوا أو ضلوا، وأنزل معهم الكتب السماوية؛ فالقرآن الكريم رحمة، قال تعالى:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْك الكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]
وقال تعالى:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]؛ ففي القرآن شفاء ورحمة لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان فأشرقت وتفتحت لتتلقى ما في القرآن من روح وطمأنينة وأمان.
- فيه شفاء من داء الوسوسة ومرض القلق ونصب الحيرة؛ فهو يصل القلب بالله فيسكن ويطمئن ويستشعر الحماية والأمن، ويرضى فيستروح الرضا من الله والرضا عن الحياة، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
- وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان، وهي من آفات القلب تصيبه بالمرض والضعف والتعب وتدفع به إلى التحطم والبلى والانهيار، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
- وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير؛ فهو يعصم العقل من الشطط ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة، ويكفه عن إنفاق طاقته فيما لا يجدي، ويأخذه بمنهج سليم مضبوط يجعل نشاطه منتجاً ومأمونا، وكذلك هو في عالم الجسد ينفق طاقاته في اعتدال بلا كبت ولا شطط، فيحفظه سليماً معافى ويدخر طاقته للإنتاج المثمر، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
- وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء الجماعات وتذهب بسلامتها وأمنها وطمأنينتها؛ فتعيش الجماعة في ظل نظامه الاجتماعي وعدالته الشاملة في سلامة وأمن وطمأنينة، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين [3].
الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة
كما أن الله تعالى أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، قال تعالى:
وقال صلى الله عليه وسلم:
كما وصفه ربه بها، وقد كانت هذه الصفة هي المهيمنة على سلوكه، فقال جل شأنه:
بل أكد رب العالمين أن فضيلة الرحمة التي برزت في سلوكه كانت وراء النجاح العظيم الذي حققه في ميدان الدعوة، إذ يقول سبحانه وتعالى:
فهي رحمة الله التي نالته ونالتهم، فجعلته عليه الصلاة والسلام رحيماً بهم لَيِّناً معهم، ولو كان فظاً غليظ القلب ما تألفت حوله القلوب ولا تجمعت حوله المشاعر؛ فالناس في حاجة إلى كنف رحيم وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة وإلى ود يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء، يحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه، ويجدون عنده دائماً الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضا.
وهكذا كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كانت حياته مع الناس؛ ما غضب لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، ولا احتجز لنفسه شيئاً من أعراض هذه الحياة، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية، ووسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم، وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه نتيجة لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من نفسه الكبيرة الرحيبة، وكان هذا كله رحمة من الله به وبأمته [4]. وما أحوجنا نحن المسلمين إلى داعٍ وإمام يتصف بصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستحق رحمة الله، فتلين له قلوب العباد ويلتفون حوله ليعيدوا للإسلام ازدهاره وللمسلمين مجدهم؛ قال تعالى:
الرحمة في وحدة الأمة وتماسكها
وتتجلى رحمة الله بعباده في القضاء على الفرق والاختلافات بين الناس والتفافهم حول جماعة واحدة وفرقة واحدة؛ قال تعالى:
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجه:
وكثرة الاختلافات بين الناس وتنوع مذاهبهم وتعدد عقائدهم وآرائهم وخضوعها للأهواء والمصالح الشخصية وإسلامها تارة للشرق وتارة للغرب، وتعصب كل فرد لرأيه يعادي به ويقاتل من أجله كل مخالف له، هو نذير عدم رحمة من الله، خاصة إذا كانت هذه الفرق داخل الصف المسلم، بينما تصح تعدد الآراء واختلافها إن كانت جميعها تنبع من معتقد واحد، ويُبتغى بها وجه الله، وتهدف لمصلحة الجماعة، ولا تؤدي إلى تفتيت وحدتها.
الرحمة في التكليف والتوبة
وتتجلى الرحمة الإلهية في قاعدة التكليف؛ قال تعالى:
تشير الآية الكريمة إلى رحمة الله وعدله في التكاليف التي يفرضها على المسلم أثناء خلافته على هذه الأرض؛ فهي في وسعه وعلى قدر طاقته، فمهما يقع على عاتقه من متاعب وأهوال فلا يضيق بها صدراً ولا يستثقلها ولا يفر منها لأنها تعد استكشافاً لطاقات كامنة داخله لم يكتشفها من قبل، إذ متى ما آمن وأيقن أن ما كُلّف به على قدر طاقته، وأن الذي فرضها عليه هو أعلم بحقيقة طاقته -ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه- كان ذلك عوناً له.
ومن شأن هذا التصور -فضلاً عما يسكبه في القلب من راحة وطمأنينة وأُنْس- أن يستجيش عزيمة المؤمن للنهوض بتكاليفه وهو يحس أنها داخلة في طوقه، ولو لم تكن داخلة في طوقه ما كتبها الله عليه. فإذا ضعف مرة أو تعب مرة أو ثقل العبء عليه، أدرك أنه الضعف لا فداحة العبء! واستجاش عزيمته ونفض الضعف عن نفسه وهمّ همة جديدة للوفاء ما دام داخلاً في مقدوره! وهو إيحاء كريم لاستنهاض الهمة كلما ضعفت على طول الطريق؛ فهي التربية كذلك لروح المؤمن وهمته وإرادته، فوق تزويد تصوره بحقيقة إرادة الله في كل ما يكلفه [5].
وتتجلى رحمة الله في النفس الناهية عن السوء التي تقف حائلاً دون ارتكاب المعاصي والآثام؛ قال تعالى:
فهذه النفس الحية التي توقظ صاحبها من الغفلة وتذكره بالله وتثبت في نفسه دائماً الخوف منه والإيمان بحسابه وعقابه في الدنيا والآخرة، فتنهى صاحبها عن السوء، بل وتدفعه جرياً إلى الاستغفار والتوبة، هي رحمة من الله عز وجل.
وابتداءً، فإن سد أبواب الرذيلة والوقاية من الوقوع في المعاصي وصرف القلوب والجوارح عن الآثام وتوجيهها إلى الله هو من أجلّ مظاهر رحمة الله. ومن رحمته بعباده أنه جل وعلا نهى من عظمت ذنوبهم وكثرت عن اليأس من رحمته؛ قال تعالى:
كما تتجلى رحمته تعالى في التجاوز عن سيئاتنا إذا عمل أحدنا السوء بجهالة ثم تاب، وفي المجازاة على السيئة بمثلها والمجازاة على الحسنة بعشر أمثالها والمضاعفة لمن يشاء، ومحو السيئة بالحسنة، وفي تأخير العقاب إلى يوم القيامة؛ قال تعالى:
ويوم القيامة لا يبلغ أحد أن يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته حتى رسول الله كما قال عن نفسه؛ فقد أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
صور من الرحمة الإلهية للأنبياء والعباد
وتتجلى رحمة الله في النجاة من المهالك، والتي لا ينجو منها أحدٌ مهما اتخذ من الأسباب إلا برحمة من الله؛ قال تعالى إخباراً عن نوح عليه السلام:
لقد اتخذ ابن سيدنا نوح من الأسباب ما يظن أنها تنجيه من أمر الله، فاعتقد أن الطوفان لا يبلغ رؤوس الجبال وأنه لو تعلق برأس جبل لنجاه ذلك من الغرق، ولكن سيدنا نوح -وهو المدرك لحقيقة هذا الأمر- يخبره بأن لا جبال ولا مخابئ ولا حامي ولا واقي ولا غيرهم من الأسباب تنجي من أمر الله إلا من شملته رحمة الله بالعناية والحماية.
وما أكثر المهالك التي تحيط بنا وتغمرنا من رأسنا حتى أخمص قدمنا، وما هناك أدنى بصيص في النجاة منها ما لم تشملنا رحمة الله!
- ورحمة الله وجدها سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما ألقاه الكفار في النار؛ فجعلها الله برداً وسلاماً عليه.
- ووجدها يوسف عليه السلام في الجُبّ، كما وجدها في السجن.
- ووجدها يونس عليه السلام في بطن الحوت.
- ووجدها موسى عليه السلام في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به يبحث عنه.
- ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور.
- ووجدها الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون آثارهما.
- وبرحمة الله نجا سيدنا هود وصالح وإبراهيم وشعيب ويونس من مكائد قومهم التي دُبّرت للإطاحة بهم وإجهاض دعواتهم.
وتتمثل رحمة الله في الشفاء من الأمراض مهما اشتدت وطأتها وبات البرء منها ميئوساً؛ وضرب لنا القرآن مثلاً بسيدنا أيوب؛ فقد كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير وأولاد كثيرون، فابتُلي في ذلك كله وذهب عن آخره، ثم ابتُلي في جسده (يقال بالجذام في سائر بدنه)، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله عز وجل، حتى عافه الجليس وأُفرد في ناحية من البلد ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه سوى زوجته؛ كانت تقوم بأمره في وفاء قلّما نجد مثله في أيامنا هذه (ويقال إنها احتاجت فصارت تخدم الناس)، فتجلت رحمة الله عليه فشُفي من الأمراض بل وعُوِّض عما فقده؛ قال تعالى:
وتتجلى رحمة الله في رزق كل زوجين بالأبناء، وتبدو مظاهر تجليها أكثر فيما إذا كان هذا الرزق لشيخ كبير ولزوجة عقيم، وهو الذي نعتبره نحن البشر فوق العادة أو غير مألوف؛ فسيدنا زكريا -هذا الشيخ العجوز وزوجته العاقر التي لا تلد- قد وهب الله لهما يحيى؛ قال تعالى:
فلا يستسلم عديمو الإنجاب للقوانين البشرية المحدودة المعرفة، ولا ييأسوا أبداً مهما طال بهم العمر، بل يلجأون إلى المولى عز وجل مستنجدين برحمته.
كما أن المكتشفات العلمية والمنشآت البنائية بنت كل عصر ومعجزته هي صورة من صور رحمة الله؛ وهكذا كان بناء ذي القرنين للسد لمنع يأجوج ومأجوج من الفساد والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم، قال تعالى:
وفي هذا العصر -وأعداء الإسلام يحيطون بنا من كل جانب لا يهدأ لهم بال ولا يهنأ لهم حال حتى يجدوا كل وسيلة أحدث وأكفأ من سابقتها للفتك بنا- لن ينقذنا منهم إلا رحمة الله التي تقدر لنا بناء تجهيزات تحمينا من أسلحتهم، بل والرد عليهم الصاع صاعين.
الرحمة تحول النعم والمحن
وتتجلى رحمة الله في كل ما سخره الله لنا من حولنا ومن فوقنا ومن تحتنا مما نعلمه ومما لا نعلمه من آيات ونعم وهي كثيرة لا تحصى؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: الليل، النهار، القمر، النجوم، الكواكب، المطر، الرياح، البحار، الأنهار، النباتات، الحيوانات، الأراضي الزراعية والصحراوية، المال، البنون… إلخ.
وإن كان وجود كل هذه النعم وكل هذه المسخرات وكل هذه المتع في حد ذاته نعمة، لكن إن لم تشملها وتحفها وتحيطها رحمة الله فإنها تتحول من نعمة إلى نقمة؛ فما من نعمة يمسك الله معها رحمته حتى تنقلب هي بذاتها نقمة، وما من محنة تحفها رحمة الله حتى تكون هي بذاتها نعمة:
- ينام الإنسان على الشوك مع رحمة الله فإذا هو مهاد، وينام على الحرير وقد أُمْسِكت عنه فإذا هو شوك القتاد.
- ويعالج أعسر الأمور برحمة الله فإذا هي هوادة ويسر، ويعالج أيسر الأمور وقد تخلت رحمة الله فإذا هي مشقة وعسر.
- ويخوض بها المخاوف والأخطار فإذا هي أمن وسلام، ويعبر بدونها المناهج والمسالك فإذا هي مهلكة وبوار.
ولا ضيق مع رحمة الله، إنما الضيق في إمساكها دون سواه؛ لا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن أو في جحيم العذاب أو في شعاب الهلاك، ولا سعة مع إمساكها ولو تقلب الناس في أعطاف النعيم وفي مراتع الرخاء. فمن داخل النفس برحمة الله تتفجر ينابيع السعادة والرضا والطمأنينة، ومن داخل النفس مع إمساكها تدب عقارب القلق والتعب والنصب والكد والمعاناة.
هذا الباب وحده يُفتح وتُغلق جميع الأبواب وتُؤصد جميع النوافذ وتُسد جميع المسالك فلا عليك؛ فهو الفرج والفسحة واليسر والرخاء. وهذا الباب وحده يُغلق وتُفتح جميع الأبواب والنوافذ والمسالك فما هو بنافع؛ وهو الضيق والكرب والشدة والقلق والعناء.
هذا الفيض يُفتح ثم يضيق الرزق ويضيق السكن ويضيق العيش وتخشن الحياة ويشوك المضجع فلا عليك؛ فهو الرخاء والراحة والطمأنينة والسعادة. وهذا الفيض يُمسك ثم يفيض الرزق ويقبل كل شيء فلا جدوى؛ وإنما هو الضنك والحرج والشقاوة والبلاء.
المال والولد والصحة والقوة والجاه والسلطان تصبح مصادر قلق وتعب ونكد وجهد إذا أُمْسِكَت عنها رحمة الله، فإذا فتح الله أبواب رحمته كان فيها السكن والراحة والسعادة والاطمئنان:
- يبسط الله الرزق مع رحمته فإذا هو متاع طيب ورخاء، وإذا هو رغد في الدنيا وزاد إلى الآخرة، ويمسك رحمته فإذا هو مثار قلق وخوف، وإذا هو مثار حسد وبغض، وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض، وقد يكون معه التلف بإفراط أو استهتار.
- ويمنح الله الذرية مع رحمته فإذا هي زينة في الحياة ومصدر فرح واستمتاع ومضاعفة للأجر في الآخرة بالخلف الصالح الذي يذكر الله، ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء ونكد وعنت وشقاء وسهر بالليل وتعب بالنهار.
- ويهب الله الصحة والقوة مع رحمته فإذا هي نعمة وحياة طيبة وتلذذ بالحياة، ويمسك رحمته فإذا الصحة والقوة بلاء يسلطه الله على الصحيح القوي فينفق الصحة والقوة فيما يحطم الجسم ويفسد الروح ويدخر السوء ليوم الحساب.
- ويعطي الله السلطان والجاه مع رحمته فإذا هي أداة إصلاح ومصدر أمن ووسيلة لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر، ويمسك الله رحمته فإذا الجاه والسلطان مصدر قلق على قوتهما، ومصدر طغيان وبغي بهما، ومثار حقد وموجدة على صاحبهما لا يقر له معهما قرار ولا يستمتع بجاه ولا سلطان ويدخر بهما للآخرة رصيداً ضخماً من النار.
والعلم الغزير والعمر الطويل والمقام الطيب كلها تتغير وتتبدل من حال إلى حال مع الإمساك ومع الإرسال لرحمة الله؛ قليلٌ من المعرفة يثمر وينفع، وقليلٌ من العمر يبارك الله فيه، وزهيدٌ من المتاع يجعل الله فيه السعادة. والجماعات كالآحاد، والأمم كالأفراد في كل أمر وفي كل وضع وفي كل حال، ولا يصعب القياس على هذه الأمثال [6]. وهكذا تتعدد وتتباين صور رحمة الله التي يكتبها لمن يشاء ويخص بها من يشاء من عباده.
حكمة الرحمة الباطنة والابتلاءات
ورحمة الله أكبر من أن يتفهمها البشر ما لم يحطهم الله عز وجل ببيانها لهم؛ فهذا هو سيدنا موسى نبي بني إسرائيل يتعجب ويستغرب لأفعال قام بها سيدنا الخضر عند خرقه للسفينة وقتله للغلام وإقامته للجدار، ولكن سيدنا الخضر الذي قال فيه ربنا عز وجل:
كان أعلم بها، ولذا فهو يرد على سيدنا موسى بقوله إن الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة إنما هو رحمة من الله؛ قال تعالى:
فهناك الكثير من الأمور قد يندهش أو ينزعج لظاهرها أي إنسان ولكنها تمثل في باطنها رحمة من الله.
كما أن هناك الكثير من البشر من يتغير حالهم إذا مَنَّ الله عليهم برحمته أو أمسكها عنهم ابتلاءً لهم، ومنهم من يؤولها على غير وجهها؛ قال تعالى:
وقال تعالى:
ورحمة الله خير من أي متعة أو من أي منفعة من متاع أو منافع هذه الدنيا الزائلة؛ قال تعالى:
أي أن رحمة الله بخلقه خير لهم مما بأيديهم من أموال ونفائس وكنوز وبنين ونساء وأنعام أو غيرهم من متع الحياة الدنيا. ولذلك فخير دعاء من الأبناء للأبوين -جزاء تربيتهما بكل ما فيها من إيثار للأبناء على نفسيهما والسهر من أجل راحتهم بل والجوع والتعري من أجل إشباعهم وكسوتهم- لم يكن الدعاء مقابل ذلك أن يعوضهما الله مالاً أو صحة، بل كان بطلب الرحمة؛ قال تعالى:
؛ فرحمة الله أوسع، ورعاية الله أشمل، وجناب الله أرحب من أي نعمة أخرى.
صفات وأعمال المستحقين لرحمة الله
وهناك جملة من الأمور والتكليفات التي إذا تحققت في نفس الفرد وترجمتها جوارحه إلى أفعال ولسانه إلى أقوال استحق بها رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة؛ منها:
- الإيمان بالله ورسوله والتمسك بالقرآن والسنة والعمل بما فيهما.
- الطاعة التامة لكل أحكامهما وتقوى الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعمل الصالحات.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلح بين الناس والصبر على المصائب.
- موالاة المؤمنين والجهاد في سبيل الله والهجرة لله ولرسوله.
- سماع القرآن والإنصات إليه وتدبر معانيه.
- كثرة الاستغفار وتجديد التوبة وعبادة الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك.
قال تعالى:
وقال عز وجل:
وقال جل وعلا:
وقال:
وقال:
وقال:
وقال:
وقال:
وقال:
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:
وقال:
وقال:
وقال:
أما الذين ليس لهم نصيب من رحمة الله فهم الذين قال عنهم القرآن الكريم:
وقال تعالى:
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما:
فالرحمة من معالم الإيمان وسمة من سماته وأثر من آثاره، ذلك الإيمان الذي يرقق بنفحاته القلوب الغليظة والأفئدة القاسية؛ فهذا هو عمر بن الخطاب -وقد كان معروفاً بالشدة والقسوة في جاهليته حتى أنه وأد بنتاً له- قد فجر الإيمان ينابيع الرحمة والرقة في قلبه حتى أنه لما ولي إمارة المؤمنين كان يرى نفسه مسؤولاً أمام الله عن بغلة تعثر بأقصى البلدان!
وقد غلب هذا الخلق على أعمال المسلمين الأولين ووضحت آثاره في سلوكهم حتى مع الأعداء المحاربين؛ فنجد رسول الإسلام يغضب حين مر في إحدى غزواته فوجد امرأة مقتولة فقال:
ونهى عن قتل النساء والشيوخ والصبيان ومن لا مشاركة له في القتال.
ويسير أصحابه على نفس النهج، أبراراً رحماء لا فجاراً قساة؛ فهذا أبو بكر يودع جيش أسامة بن زيد ويوصيهم قائلاً: “لا تقتلوا امرأة ولا شيخاً ولا طفلاً، ولا تعقروا نخلاً ولا تقطعوا شجرة مثمرة، وستجدون رجالاً فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما أفرغوا أنفسهم له”. ويقول عمر: “اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب”. ويُحمل إلى أبي بكر رأس مقتول من كبراء الأعداء المحاربين فيستنكر هذا العمل ويعلن سخطه عليه، ويقول لمن جاءه بالرأس: “لا يُحمل إليّ رأس بعد اليوم”، فقيل له: إنهم يفعلون بنا ذلك، فقال: “فاستنانٌ بفارس والروم؟!” [أي أقتداء نقتدي بهم؟].
إشاعة التراحم في المجتمع والرفق بالحيوان
ولم يكتفِ الإسلام ببيان صور الرحمة الإلهية وآثارها أو بيان صفات المستحقين لها -وإن كان هذا يكفي ليتعظ ويعتبر الإنسان ويعكف على بحث سبل الاهتداء إليها- بل أمر الإسلام بإشاعة جو الرحمة في المجتمع؛ قال تعالى:
؛ فالتواصي بالمرحمة أمر زائد على الرحمة، إنه إشاعة الشعور بواجب التراحم في صفوف الجماعة عن طريق التواصي به والتحاض عليه واتخاذه واجباً جماعياً وفردياً في الوقت ذاته، يتعارف عليه الجميع ويتعاون عليه الجميع [8].
والمؤمنون أتباع سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم والذين يسيرون على هداه ووفق سنته متراحمون فيما بينهم، يعطف بعضهم على بعض ويواسي كل منهم أخاه، فمشاعرهم متلاقية وأحاسيسهم تنبض بالتعاون والتساند والتعاطف والتآلف، لا مكان للقسوة بين قلوبهم، ولا تظهر الشدة أو الغلظة في محيطهم إلا مع أعدائهم من الكفار؛ قال تعالى:
وقال صلى الله عليه وسلم:
والمؤمن مأمور بأن يكون له حظ ونصيب من أسماء الله الحسنى يتخلق بها في سلوكياتها:
- وحظ العبد من اسم (الرحمن): أن يرحم عباد الله الغافلين فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى الله بالوعظ والنصح بطريق اللطف دون العنف، وأن ينظر إلى العصاة بعين الرحمة لا بعين الإيذاء، وأن يرى كل معصية تجري في العالم كمعصية له في نفسه فلا يدخر جهداً في إزالتها بقدر وسعه، رحمة بذلك العاصي من أن يتعرض لسخط الله تعالى.
- وحظ العبد من اسم (الرحيم): ألا يدع فاقة لمحتاج إلا ويسدها بقدر طاقته، ولا يترك فقراء في جواره أو في بلده إلا ويقوم بتعهدهم ودفع فقرهم إما بماله أو جاهه أو بالشفاعة إلى غيره، فإن عجز عن جميع ذلك فعليه بالدعاء وإظهار الحزن رقة عليه وعطفاً حتى كأنه مساهم له في ضره وحاجته [9].
فالرحمة تأبى على صاحبها أن يعكف على ملذاته ومسراته وأن يتمتع بثروته وقد علم بجانبه مريضاً حرمه المرض لذة الحياة، أو جائعاً حرمه الجوع لذيذ المنام، أو منكوباً أصابته الأيام، أو يتيماً يبكي أباه، أو أرملة فرق بينها وبين عائلها القدر. والرحمة تحمل صاحبها على أن يتألم لآلام الناس ويبكي لبكائهم؛ فإذا رأى فقراء أحس بآلام فقرهم وأثقال بؤسم، وإذا رأى منكوباً تأثر بوطأة نكبته. والرحمة تحمل صاحبها على أن يخفف الويلات ويمسح العبرات ويكافح الآلام ويدفع الأحزان ويحنو على الضعفاء والمنكوبين كما تحنو الأم الحنون على أبنائها.
ورحمة المؤمن لا تقتصر على إخوانه المؤمنين -وإن كان دافع الإيمان المشترك يجعلهم أولى الناس بها- وإنما هي ينبوع يفيض بالرحمة على الناس جميعاً؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضوان الله عليهم فيما رواه الطبراني:
كما نبه الإسلام إلى أن هناك أقواماً مخصوصين ينبغي أن يحظوا بأضعاف من الرحمة والرعاية، وهم: الآباء، والأبناء، والأقارب، والأيتام، والمرضى، وذوو العاهات.
حتى الحيوان لم يسكت الإسلام عن طلب الرحمة له؛ وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن الجنة فتحت أبوابها لبغي سقت كلباً فغفر الله لها، وأن النار فتحت أبوابها لامرأة حبست هرة حتى ماتت، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض! فإذا كان هذا عقاب من حبس هرة بغير ذنب، فماذا يكون عقاب الذين يحبسون عشرات الألوف من بني الإنسان بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله؟!
وقال رجل: يا رسول الله إني لأرحم الشاة أن أذبحها، فقال:
ورأى عمر رجلاً يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال له: “ويلك! قُدها إلى الموت قَوْداً جميلاً”.
ويروي المؤرخون أن عمرو بن العاص في فتح مصر نزلت حمامة بفسطاطه (أي خيمته) فاتخذت من أعلاه عشاً، وحين أراد عمرو الرحيل رآها فلم يشأ أن يهيجها بتقويضه فتركه، وتكاثر العمران من حوله فكانت مدينة الفسطاط. ويروي ابن عبد الحكم في سيرة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنه نهى عن ركض الفرس إلا لحاجة، وأنه كتب إلى صاحب السكك أن لا يحملوا أحداً بلجام ثقيل ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة، وكتب إلى واليه بمصر: “إنه بلغني أن بمصر إبلاً نقالات يُحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفن أنه يُحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل” [11].
ورحمة الإنسان بنفسه تكون بالوقوف بها عند ما أمر الله والانتهاء عما نهى عنه، فلا يوردها موارد الهلاك، ولا يكلفها من العمل ما لا يطاق، وأن يزكيها فلا يظلمها؛ فمن ظلم نفسه كمن ظلم غيره على حد سواء، وألا تذل رقبته إلا لله، وألا يركع لأحد سواه.
وتظل الرحمة مع المسلم في كل خطاه كسمة مميزة لشخصيته لا تنفك عنها قلباً وقالباً لكل أقواله ولكل أفعاله، ومنهجاً لحياته وقاعدة لسلوكياته في يومه وليلته، وتحكم علاقاته مع من حوله؛ فإن غيابها عن سلوكه يعني فساد سعيه وضلاله وغلبة الشقاء عليه. فقد جعلها الله تبارك وتعالى سنة من سنن الحياة ودعامة لاستمرارها، وبدونها لن تقوم للحياة قائمة، ولن يستطيع البشر النهوض بما خُلقوا له من رسالة، فهي سياج للأمن والأمان في المجتمع [12].
وهي سر حياة هذه الأمة وبدونها تفقد مقومات قيامها؛ فالصفات الطيبة الحميدة التي على المسلم أن يتحلى بها ويتصف بها في تعامله مع أخيه المسلم تجدها تنمو وتزدهر وتنتشر في جو من الرحمة والألفة، والعكس بالعكس إذا وجد الجفاء والشدة في التعامل انفتح المجال للصفات غير الحميدة. وقد حث الإسلام على نشر أشعة الرحمة بين أركان المجتمع المسلم لتدفئة كل فرد من أفراده، والتي كلما قويت واتسع مداها كلما شملتنا الرحمة الإلهية التي نحن في أمسّ الحاجة إليها.
المراجع
- كتاب الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي، ص 287 – 288.
- المختصر من معاني أسماء الله الحسنى، محمود سامي، ص 14.
- في ظلال القرآن، سيد قطب، ج 4، ص 2248.
- في ظلال القرآن، سيد قطب، ج 1، ص 500 – 501.
- في ظلال القرآن، سيد قطب، ج 1، ص 344.
- في ظلال القرآن، سيد قطب، ج 5، ص 2921 – 2923.
- كتاب الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي، ص 290 – 291.
- في ظلال القرآن، سيد قطب، ج 6، ص 3913.
- كتاب الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي، ص 288 – 289.
- مجلة المجاهد (مصرية)، العدد 132، جمادى الآخرة 1411 هـ / ديسمبر 1990م.
- كتاب الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي، ص 289 – 290.
- مجلة المجاهد (مصرية)، العدد 132، جمادى الآخرة 1411 هـ / ديسمبر 1990م.