التسعير الرقمي في الاقتصاد الإسلامي – د. سارة فؤاد -مصر-
التسعير الرقمي في الاقتصاد الإسلامي
أحدث التحول الرقمي في السنوات الأخيرة تغيرًا جوهريًا في آليات ممارسة النشاط الاقتصادي، ولم يعد تحديد أسعار السلع والخدمات قائمًا بالضرورة على قرارات بشرية مباشرة أو على تقدير ثابت للتكاليف وهوامش الربح، وإنما أصبحت البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي أدوات فاعلة في تحديد الأسعار وتعديلها بصورة آنية وفقًا لمتغيرات السوق وسلوك المستهلك ومستوى الطلب والمنافسة والوقت والموقع الجغرافي وغيرها من المؤشرات.
ويُعرف هذا الاتجاه بصورة عامة بالتسعير الرقمي، وتتفرع عنه تطبيقات متعددة، من أبرزها التسعير الديناميكي والتسعير الخوارزمي والتسعير الشخصي، وتثير هذه التطبيقات جملة من الإشكالات الاقتصادية والأخلاقية والفقهية، ولا سيما عندما تؤدي وفرة البيانات إلى تمكين البائع من تقدير القدرة الشرائية للمستهلك أو استعداده للدفع بصورة دقيقة، ثم بناء السعر على هذه المعلومات دون علمه أو إدراكه لآلية تحديد السعر.
ويهدف هذا المقال إلي إلقاء الضوء علي التسعير الرقمي من منظور الاقتصاد الإسلامي، من خلال تأصيل مفهوم السعر والتسعير في الفقه الإسلامي، وبيان موقف الشريعة من آليات السوق والتدخل في الأسعار، ثم تحليل مدى توافق تطبيقات التسعير الرقمي مع مبادئ العدل والرضا والشفافية ومنع الغرر والضرر والاستغلال. وينتهي المقال إلى أن التكنولوجيا ذاتها لا تُعد محل منع أو إباحة لذاتها، وإنما يتحدد الحكم الشرعي بحسب طريقة استخدامها وآثارها ومقدار ما تحققه من مصلحة أو تفضي إليه من ظلم أو استغلال، وأن التسعير الرقمي يمكن أن يكون وسيلة مشروعة لرفع الكفاءة الاقتصادية إذا اقترن بالشفافية والعدالة وعدم الاستغلال، بينما قد يتحول إلى ممارسة غير مشروعة إذا استُخدمت الخوارزميات لإخفاء المعلومات أو استغلال تفاوت المعرفة أو فرض أسعار تمييزية جائرة.
شهد الاقتصاد العالمي تحولًا متسارعًا من الأسواق التقليدية إلى بيئات اقتصادية رقمية أصبحت فيها البيانات أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية،ولم تعد المنصات الإلكترونية مجرد وسيط بين البائع والمشتري، بل أصبحت تمتلك قدرة متقدمة على جمع وتحليل كميات ضخمة من البيانات المتعلقة بالمستهلكين والأسواق والسلع والمنافسين، الأمر الذي أتاح تطوير نماذج جديدة لاتخاذ القرارات الاقتصادية، وفي مقدمتها قرار التسعير.
ففي السوق التقليدية قد يحدد البائع سعر السلعة بناءً على تكلفة الحصول عليها، وهوامش الربح المتوقعة، وأسعار المنافسين، وحالة الطلب،أما في البيئة الرقمية فقد تستطيع الخوارزميات تحليل عدد كبير من المتغيرات في الوقت نفسه، ثم تعديل السعر بصورة مستمرة وفقًا للتغير في الطلب أو العرض أو سلوك المستهلك أو التوقيت أو غير ذلك من المتغيرات.
وقد أصبح التسعير الخوارزمي مفهومًا راسخًا في الاقتصاد المعاصر، ويُقصد به استخدام البرامج والخوارزميات لأتمام عملية تحديد الأسعار، وقد امتد استخدامه إلى قطاعات السفر والترفيه والتجزئة والمنصات الرقمية وغيرها.
ولا تقف أهمية االتسعير الرقمي عند حدود الكفاءة الاقتصادية، إذ تطرح أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بعدالة السوق وحماية المستهلك وشفافية المعاملة فإذا كان النظام الرقمي قادرًا على معرفة ما يستطيع المستهلك دفعه، فهل يجوز له أن يحدد السعر بناءً على هذه القدرة؟ وهل يختلف الحكم إذا كان اختلاف السعر قائمًا على اختلاف حقيقي في التكلفة أو ظروف السوق؟ وما الحكم إذا كان اختلاف السعر ناتجًا عن معلومات شخصية لا يعلم المستهلك أنها تُستخدم في تحديد المقابل المالي؟
وهنا تبرز أهمية الاقتصاد الإسلامي، إذ لا ينظر إلى السعر باعتباره رقمًا مجردًا تحدده قوى السوق فحسب، وإنما يربطه بجملة من القيم الحاكمة للسلوك الاقتصادي، وفي مقدمتها العدل، والرضا، والشفافية، ومنع الضرر والاستغلال، وحماية التعاملات من الغرر والتدليس.
ومن ثم فإن دراسة التسعير الرقمي في الاقتصاد الإسلامي لا ينبغي أن تقتصر على السؤال: هل يجوز استخدام الخوارزميات في تحديد الأسعار؟ وإنما ينبغي أن تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر دقة: ما الضوابط التي تجعل استخدام الخوارزميات في التسعير متوافقًا مع مقاصد الشريعة وقواعد المعاملات؟
أولًا: مفهوم التسعير الرقمي وصوره المعاصرة
يمكن تعريف التسعير الرقمي بأنه:
عملية تحديد أو تعديل أسعار السلع والخدمات باستخدام البيانات والأدوات والتقنيات الرقمية، بما في ذلك الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، استنادًا إلى مجموعة من المتغيرات الاقتصادية والسلوكية والزمنية والسوقية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل سعر يظهر على منصة إلكترونية يُعد تسعيرًا رقميًا بالمعنى الدقيق؛ فالعبرة باستخدام الأدوات الرقمية في عملية اتخاذ قرار السعر أو تعديله.
وتتعدد صور التسعير الرقمي، ومن أهمها:
1ـ التسعير الديناميكي
وهو تعديل السعر بصورة مستمرة وفقًا لتغيرات الطلب والعرض والوقت والمخزون والمنافسة وغيرها.
ومن أمثلته ارتفاع أسعار بعض خدمات النقل أو الإقامة في فترات زيادة الطلب، أو تغير أسعار تذاكر السفر تبعًا لمستوى الإقبال وتوافر المقاعد.
والتسعير الديناميكي في ذاته لا يحمل حكمًا شرعيًا واحدًا؛ لأن تغير السعر تبعًا لتغير ظروف السوق أمر يختلف عن استغلال حاجة المستهلك أو إخفاء المعلومات عنه.
2ـ التسعير الخوارزمي
وهو استخدام خوارزميات مبرمجة لاتخاذ قرار التسعير بصورة آلية أو شبه آلية ،وتزداد أهمية هذا النوع مع تطور الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
وقد أصبح الاتجاه إلى تفويض قرارات التسعير للخوارزميات من أبرز التحولات في الأسواق الرقمية الحديثة، مع بروز تساؤلات متعلقة بالمنافسة والتمييز السعري والشفافية.
3ـ التسعير الشخصي
يقوم هذا النوع على استخدام بيانات متعلقة بالمستهلك لتحديد سعر مخصص له أو لفئة محددة من المستهلكين.
وقد تشمل البيانات سجل المشتريات، والموقع، وسلوك التصفح، ونمط الاستخدام.
وتشير الدراسات التجريبية إلى أن المستهلكين ينظرون عادة إلى الأسعار الفردية المخصصة بدرجة أقل من العدالة مقارنة بالأسعار الموحدة للفئات، كما تؤثر مخاوف الخصوصية في تقييمهم لهذه الممارسات.
ثانيًا: مفهوم السعر والتسعير في الاقتصاد الإسلامي
لم يجعل الإسلام السعر مجرد نتيجة ميكانيكية لقوى السوق، كما لم يجعل تدخل السلطة في الأسعار هو الأصل في جميع الأحوال، وإنما أقام نظامًا متوازنًا يراعي حرية التبادل من جهة، ويمنع الظلم والاستغلال واضطراب السوق من جهة أخرى.
وقد ورد في السنة النبوية أن في عهد النبي صلي الله عليه وسلم طلب الصحابة من النبي ﷺ أن يسعّر لهم حين ارتفعت الأسعار، فقال:
وهو حديث يدل على أهمية ترك الأسعار لقوى السوق عندما تكون الزيادة ناتجة عن ظروف طبيعية، ولا يوجد ظلم أو تلاعب أو احتكار.
لكن هذا لا يعني إطلاق حرية البائع في ممارسة أي صورة من صور التسعير،إذ إن الشريعة جاءت بمنع صور متعددة من الإضرار بالسوق، كالاحتكار والتدليس والغش والغبن الناشئ عن الاستغلال.
وقد تناول الفقه الإسلامي قضية التسعير بصورة أكثر تفصيلًا لدى عدد من العلماء، ومن أبرزهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الذي فرّق بين التسعير الذي يفرض ظلمًا على البائع أو المشتري وبين التدخل الذي يهدف إلى تحقيق العدل ومنع الظلم واختلال السوق ، وجوهر موقفهما يرتبط بوجود تشوهات في السوق تستدعي التدخل لتحقيق العدل.
ومن هنا يمكن استخلاص قاعدة مهمة:
وهذه القاعدة بالغة الأهمية عند دراسة التسعير الرقمي.
ثالثًا: العلاقة بين التسعير الرقمي ومبدأ العدالة
يعد العدل مبدأ أساسي من مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي، ولذلك فإن أول سؤال ينبغي طرحه عند تقييم التسعير الرقمي هو مدى تحقيقه للعدالة بين أطراف المعاملة.
والعدالة هنا لا تعني بالضرورة أن يكون السعر واحدًا لكل الناس في جميع الظروف، فاختلاف الأسعار قد يكون مشروعًا إذا كان قائمًا على اختلاف حقيقي في السلعة أو التكلفة أو الخدمة أو ظروف السوق.
فعلى سبيل المثال، لا يُتصور أن يكون سعر الشحن العادي مساويًا لسعر الشحن العاجل، أو أن يكون سعر الخدمة في وقت الذروة مساويًا لسعرها في وقت انخفاض الطلب بالضرورة.
لكن الإشكال يظهر عندما تنتقل الخوارزمية من تسعير السلعة إلى تسعير الشخص نفسه.
فإذا كان شخصان يشاهدان المنتج نفسه في الظروف نفسها، ولا يختلفان في كمية المنتج أو مستوى الخدمة أو تكلفة توفيرها، ثم يُعرض على أحدهما سعر أعلى لمجرد أن النظام استنتج أنه أكثر استعدادًا للدفع، فإن ذلك يثير إشكالًا جوهريًا يتعلق بالعدالة.
وقد أظهرت دراسات حديثة أن التسعير الشخصي قد يؤدي إلى زيادة أرباح الشركات، لكنه قد يخفض فائض المستهلك بصورة ملحوظة، وهو ما يوضح أهمية عدم النظر إلى كفاءة المنشأة بمعزل عن رفاه المستهلك وعليه فإن معيار العدالة في الاقتصاد الإسلامي لا ينبغي أن يقاس فقط بمقدار الربح الذي تحققه المنشأة، بل يجب أن يشمل توازن المصالح بين المنتج والمستهلك والمجتمع.
رابعًا: التسعير الرقمي ومبدأ الرضا
ويمثل الرضا أحد الأسس الجوهرية في العقود والمعاملات المالية، وفي البيئة الرقمية قد يبدو أن الرضا متحقق بمجرد ضغط المستهلك على زر الشراء، لكن مفهوم الرضا في المعاملات لا ينبغي اختزاله في مجرد الموافقة الشكلية،فإذا كان المستهلك لا يعلم أن السعر الذي عُرض عليه تم تحديده بناءً على تحليل سلوكه الشخصي، فقد تكون هناك فجوة بين الرضا الظاهري والرضا المستند إلى المعرفة وهنا تظهر أهمية الإفصاح.
فليس المقصود أن تكشف المنشأة جميع تفاصيل الخوارزمية الفنية، فهذا قد يكون غير عملي، وإنما أن توضح للمستهلك العناصر الجوهرية التي تؤثر في السعر إذا كان اختلاف السعر ناتجًا عن خصائص أو بيانات شخصية ذات أثر جوهري.
خامسًا: التسعير الخوارزمي والغرر والشفافية
من أهم الإشكالات الفقهية في التسعير الرقمي مسألة الغرر.
والغرر لا يعني مجرد الجهل بأي معلومة، وإنما يتعلق في صورته المؤثرة بوجود جهالة أو مخاطرة معتبرة تؤثر في العقد أو تؤدي إلى نزاع أو استغلال،ومن هنا يمكن القول إن استخدام خوارزمية معقدة في تحديد السعر لا يجعل المعاملة غررية، فلو كان السعر النهائي معلومًا للمشتري قبل إتمام العقد، وكانت السلعة معلومة، والشروط واضحة، ولم يكن هناك تدليس أو استغلال، فإن مجرد عدم معرفة المستهلك بالتفاصيل التقنية للخوارزمية لا يكفي وحده للحكم بوجود الغرر المحرم، لكن الصورة تختلف إذا أصبحت الخوارزمية وسيلة لإخفاء السعر الحقيقي أو تغيير السعر بصورة غير مفهومة أو دفع المستهلك إلى التعاقد تحت تأثير معلومات مضللة.
ومن هنا تبرز قاعدة:
وهذه النتيجة تتوافق مع الاتجاهات الحديثة في دراسة أخلاقيات التسعير الخوارزمي؛ إذ أن الخوارزميات قد تثير مشكلات أخلاقية عندما تؤدي إلى التمييز أو غموض آلية التسعير أو استغلال فائض المستهلك
سادسًا: التسعير الرقمي بين الكفاءة الاقتصادية والاستغلال
من أهم مزايا التسعير الرقمي قدرته على رفع كفاءة تخصيص الموارد فالمنشأة تستطيع من خلال البيانات أن تتعرف على مستويات الطلب، وتمنع الهدر، وتدير المخزون بصورة أفضل، وتعدل الأسعار بما يتناسب مع ظروف السوق،وهذه الجوانب تتفق في أصلها مع مقصد حفظ المال وتحقيق المصلحة،غير أن الكفاءة الاقتصادية ليست قيمة مطلقة في الاقتصاد الإسلامي، قد تحقق المنشأة أرباحًا أكبر باستخدام خوارزمية متقدمة، لكن إذا كان تحقيق هذه الأرباح قائمًا على استغلال جهل المستهلك أو تمييزه بصورة غير عادلة، فإن ارتفاع الربح لا يكفي للحكم على الممارسة بالمشروعية،وهنا يظهر الفرق بين الكفاءة الاقتصادية والكفاءة الاقتصادية المنضبطة أخلاقيًا، والاقتصاد الإسلامي لا يرفض الربح، بل يقره ويعتبره من دوافع النشاط الاقتصادي، لكنه يضع له إطارًا أخلاقيًا وشرعيًا يمنع تحوله إلى وسيلة للإضرار بالآخرين.
سابعاً: مقاصد الشريعة وأسس الحوكمة الشرعية للتسعير الرقمي
يمكن بناء إطار إسلامي للتسعير الرقمي على مجموعة من المبادئ المستمدة من مقاصد الشريعة وقواعد المعاملات، ومن أهمها:
1ـ العدالة
يجب ألا تؤدي الخوارزميات إلى إلحاق الضرر الغير مبرر بفئة من المستهلكين.
2ـ الشفافية
ينبغي أن يكون السعر النهائي معلومًا قبل إتمام العقد، مع الإفصاح عن ما تؤثر في السعر عندما يكون لذلك أثر على قرار المستهلك.
3ـ منع التدليس
لا يجوز استخدام التصميمات والخوارزميات لإيهام المستهلك بوجود سعر أو خصم أو ندرة غير حقيقية.
4ـ منع الاستغلال
ينبغي ألا تتحول البيانات الشخصية إلى أداة لاستغلال حاجات المستهلكين، خصوصًا في السلع والخدمات الضرورية.
5ـ حماية الخصوصية
كلما زادت قدرة المنصة على جمع بيانات المستهلك، زادت مسؤوليتها في عدم تحويل هذه البيانات إلى وسيلة للإضرار به.
ثامناً: نحو نموذج إسلامي للتسعير الرقمي
يمكن اقتراح نموذج تحليلي للتسعير الرقمي المنضبط شرعيًا يقوم على خمسة مستويات مترابطة:
المستوى الأول: مشروعية السلعة أو الخدمة.
فلا معنى للبحث في عدالة السعر إذا كان محل التعاقد نفسه غير مشروع.
المستوى الثاني: مشروعية البيانات المستخدمة.
ينبغي أن تكون البيانات المستخدمة في تحديد السعر جُمعت بطريقة مشروعة وألا تستخدم بما يضر بالمستهلك.
المستوى الثالث: عدالة الخوارزمية.
ينبغي اختبار الخوارزمية للتأكد من عدم إنتاجها تمييزًا تعسفيًا أو استغلالًا لفئة معينة.
المستوى الرابع: شفافية السعر.
يجب أن يعرف المستهلك المقابل المالي الذي سيدفعه قبل إتمام المعاملة، وألا يتعرض لتغيير مفاجئ أو مضلل.
المستوى الخامس: الرقابة والمراجعة
تحتاج المنصات ذات التأثير الواسع إلى آليات رقابة مستقلة تسمح بمراجعة الخوارزميات وسياسات التسعير، بما في ذلك المراجعة الشرعية عندما تكون المنشأة أو الخدمة ذات طبيعة إسلامية.
تاسعاً: موقف الاقتصاد الإسلامي من التسعير الرقمي
بناءً على ما سبق، لا يمكن القول إن التسعير الرقمي حلال بإطلاق أو حرام بإطلاق؛ لأن الحكم يختلف باختلاف آلية التسعير والهدف منها وآثارها.
ويمكن تقسيم الحالات إلى ثلاث صور:
الصورة الأولى: التسعير الرقمي المشروع
وهو الذي يستخدم التكنولوجيا لتحقيق الكفاءة، مع وضوح السعر، وانتفاء الغش والتدليس، وعدم وجود استغلال أو تمييز تعسفي.وهذه الصورة تدخل في أصل الإباحة في المعاملات.
الصورة الثانية: التسعير الرقمي المشتبه فيه
وهو الذي يعتمد على بيانات شخصية أو خوارزميات معقدة بطريقة تجعل عدالة السعر غير واضحة، دون أن يصل الأمر إلى دليل واضح على الاستغلال أو الضرر،وهنا تبرز الحاجة إلى مزيد من الإفصاح والرقابة والتدقيق.
الصورة الثالثة: التسعير الرقمي غير المشروع
وهو الذي يتحول فيه النظام الخوارزمي إلى وسيلة للغش أو الاستغلال أو التلاعب أو الإضرار بالمستهلكين، أو يؤدي إلى تمييز سعري جائر، أو يستغل حاجة ضرورية بطريقة تتعارض مع مقاصد الشريعة،وهذه الصورة لا تستمد مشروعيتها من كونها ممارسة رقمية أو تقنية حديثة؛ فالوسيلة التقنية لا تغير الحكم الأخلاقي والشرعي للفعل الذي تُستخدم لتحقيقه.
ختاماً
أصبح التسعير الرقمي أحد المظاهر المهمة للاقتصاد الرقمي المعاصر، ولم يعد مجرد مسألة تقنية تتعلق بكيفية تحديد سعر المنتج، وإنما أصبح قضية اقتصادية وأخلاقية وقانونية وفقهية متكاملة.
وقد تطرق المقال إلي أن الإشكال الأساسي لا يكمن في استخدام الخوارزميات في حد ذاته، وإنما في البيانات التي تعتمد عليها الخوارزمية، والهدف الذي صممت من أجله، وطريقة استخدامها، والآثار التي تترتب عليها.
ومن منظور الاقتصاد الإسلامي، فإن التسعير لا ينفصل عن منظومة القيم التي تحكم السوق؛ فالعدل والرضا والشفافية ومنع الضرر والتدليس والاستغلال ليست عناصر خارجية عن النشاط الاقتصادي، وإنما هي جزء من بنيته الأخلاقية.
وبناءً عليه، فإن التسعير الديناميكي أو الخوارزمي لا يكون مخالفًا للشريعة لمجرد كونه متغيرًا أو قائمًا على الذكاء الاصطناعي، وإنما ينظر في مشروعيته إلى طبيعة التغير وأسبابه وآثاره. فإذا كان تغير السعر استجابة طبيعية لتغير الطلب أو التكلفة أو ظروف السوق، مع وضوح السعر وانتفاء التدليس والاستغلال، أمكن قبوله في إطار الأصل العام في المعاملات،أما إذا تحولت التكنولوجيا إلى وسيلة لإخفاء المعلومات أو استغلال ضعف المستهلك أو التمييز الجائر بين المتعاملين، فإن التطور التقني لا يمنح هذه الممارسة مشروعية شرعية.
ومن ثم يمكن القول إن التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد الإسلامي في عصر التسعير الرقمي ليس رفض التكنولوجيا، وإنما بناء إطار أخلاقي وتشريعي قادر على توجيه التكنولوجيا نحو تحقيق الكفاءة الاقتصادية دون التضحية بالعدالة.
المراجع
أولًا: المراجع العربية والتراثية
- ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. الحسبة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية. تحقيق وتعليق: محمد جميل غازي. الرياض: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
- ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
- ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر،الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق: نايف بن أحمد الحمد ،مكة المكرمة،دار عالم الفوائد.
- ابن قدامة، موفق الدين عبد الله بن أحمد، المغني، القاهرة: مكتبة القاهرة.
- الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان،الخبر: دار ابن عفان.
- أبو داود، سليمان بن الأشعث،سنن أبي داود، كتاب البيوع.
ثانيًا: المراجع والدراسات الحديثة
- عبد السلام العبادي، “التسعير في الفقه الإسلامي”، مجلة دراسات الشريعة والقانون، الجامعة الأردنية.
- أحمد النجار، “الاحتكار وأثره على الأسعار في الاقتصاد الإسلامي”، مجلة الاقتصاد الإسلامي
- محمد عمر شابرا،الإسلام والتحدي الاقتصادي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
- أبحاث وتقارير الهيئة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI).
- أحمد، محمد عبد العزيز محمد. (2025). الضوابط القانونية والاقتصادية لخوارزميات التسعير الديناميكي، مجلة كلية الشريعة والقانون بتفهنا الأشراف، العدد 31، الجزء الثالث، ص 2547–2599
- Duani, N., Barasch, A., & Morwitz, V. (2024). “Demographic Pricing in the Digital Age: Assessing Fairness Perceptions in Algorithmic versus Human-Based Price Discrimination.” Journal of the Association for Consumer Research, 9(3), 257–268.
- Priester, A., Robbert, T., & Roth, S. (2020). “A Special Price Just for You: Effects of Personalized Dynamic Pricing on Consumer Fairness Perceptions.” Journal of Revenue and Pricing Management, 19, 99–112.
- Spanning, M., Bertini, M., Koenigsberg, O., et al. (2026). “Algorithmic Pricing: Implications for Marketing Strategy and Regulation.” International Journal of Research in Marketing, 43(2), 560–579.
- Dübé, J.-P., & Misra, S. (2017/2021). Personalized Pricing and Consumer Welfare. NBER Working Paper No. 23775.
- Martin, O., & Bruno, P. (2025). “Algorithms of (Un)Fairness – Is Personalized Pricing Fair Game or Foul Play?” Journal of Consumer Marketing.
- Quan, S., Zheng, Z., Wang, M., & Hu, X. (2026). “Data-Driven Price Discrimination, Regulation, and Platform Compliance: Evidence From a Field Experiment and a Natural Experiment.”
- Koswara, A., Amin, & Wahyudi. (2026). “The Fiqh of Algorithms: AI-Driven Dynamic Pricing in Shariah Business Perspectives.” Joshe: Journal of Sharia Economics, 2(1), 38–55.