حصريا

الإمام ابن حجر العسقلاني مقاصديا، دراسة أمثلة لأحاديث نبوية من خلال كتاب الفتح: باب العلم والزكاة.

0 145

الموضوع: مقال علمي بعنوان:

الإمام ابن حجر العسقلاني مقاصديا، دراسة أمثلة لأحاديث نبوية من خلال كتاب الفتح: باب العلم والزكاة.

إعداد: الأستاذ محمد الإدريسي: باحث في سلك الدكتوراه تخصص الفقه وقواعده.

كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش. المغرب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجواد الكريم القائل في محكم تنزيله:{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا}1، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين، زكاه الله تعالى من فوق سبع سموات بقوله:{وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}2.

يعتبر الحديث النبوي الشريف ثروة خصبة أسست لعديد من العلوم وشكلت قاعدة انطلق منها عدد من علماء الأمة كل حسب تخصصه ومجال اشتغاله، ذلك أن البعض منهم اعتمد عليه لفسير القرآن الكريم، والبعض الآخر لبيان وتقرير الأحكام؛ أقصد معرفة الحلال والحرام( الفقه)، والبعض الآخر انطلق منه للتأسيس لعلم أصول الفقه وعلم مقاصد الشريعة الإسلامية عند من يقول بالفصل والاستقلال بينهما.

هذا ويبقى ما أشرت له قبل مجرد دعوى – خصوصا ما تعلق بالارتباط الحاصل بين الحديث النبوي الشريف وعلم المقاصد- تحتاج للإثبات، وهذا هو الهدف من هذا المقال وذلك طبعا من خلال شرح الإمام ابن حجر لصحيح الإمام البخاري، والعمل على كشف جزء ولو يسير من حضور نماذج من القضايا المرتبطة بعلم المقاصد عند هذا الرجل الذي كان له الفضل في فهم حديث الرسول عليه السلام وهو ما يؤكد أنه رجل حديث وفقه ومقاصد وغيرها من الفنون والعلوم.

هذا وقبل الكشف عن حضور الفكر المقاصدي عند الإمام ابن حجر رحمه الله، لابد من العمل على تعريفه وتعريف كتابه ولو بشكل مختصر.

وبخصوص التعريف بالإمام ابن حجر، فهو أحمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد، شهاب الدين أبو الفضل الكناني العسقلاني المصري الشافعي، يعرف بابن حجر نسبة لأحد آبائه، كانت ولادته سنة 773ه بمصر العتيقة، وقد نشأ بها يتيما بعد وفاة والديه معا. نشأ رحمه الله في عصر حافل بالعلم والعلماء المتخصصين في علوم كثيرة كالفقه والحديث والتفسير واللغة وغير ذلك كثير. تتلمذ على شيوخ كثر من مثل الحافظ زين الدين العراقي الذي لازمه عشر سنوات ثم أبو إسحاق التنوخي ثم مجد الدين بن الشيرازي، وغيرهم كثير. رحل إلى بقاع عدة لطلب العلم وتحصيل السند العالي فتوجه إلى مكة ثم الإسكندرية واليمن ودمشق وغيرها. برع في عديد من العلوم والفنون بدءا باللغة والقراءات والتجويد ثم الفقه والحديث ثم النحو والعروض وغير ذلك. من أشهر تلاميذته برهان الدين أبو إسحاق العثماني والإمام إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّباط وغيرهم. له مؤلفات كثيرة أشهرها تغليق التعليق ولسان الميزان وتهذيب التهذيب، ثم كتاب الفتح وهو ما سأحاول الكشف من خلاله عن اهتمام هذا العالم بمقاصد الشريعة واستثمارها وهو يشرح حديث خير البرية. توفي رحمه الله سنة 856ه.

هذه نبذة مختصرة عن الشيخ وحياته. أما عن كتابه الذي هو موضوع هذا المقال فهو الموسوعة الحديثية الموسومة بعنوان فتح الباري بشرح صحيح البخاري،إذ يعتبر من أجل تصانيفه رحمه الله وأهمها، وقد ألفه رحمه الله تعالى مباشرة بعد انتهائه من المقدمة التي سماها هدى الساري لمقدمة فتح الباري، وقد كان ذلك سنة 817ه، وقد استمر في تصنيفه له حتى سنة 842ه.

وعن منهجه في تصنيفه لهذا الشرح فقد سلك فيه رحمه الله تعالى مسلكا علميا شاملا وافيا لكل ما يتطلبه الحديث النبوي من شرح وبيان، خصوصا وأنه حسب ما ذكر محققا الكتاب الشيخينشعيب الأرنؤوط وعادل مرشد أنه رحمه الله كان في كتابه هذا مثال المحدث الحافظ، والفقيه العالم بالخلاف، واللغوي العارف بفقه اللغة ولسان العرب، والنحوي البارع، والباحث المحقق.3

إضافة لهذا فحسب ما نص عليه الشيخين السالفي الذكر، فالمصنف رحمه الله كان عمله في كتابه هذا بالإملاء ثم بالمباحثة،والمدارسة،والمحاققة بينه وبين من يثق به من تلاميذته كما قدمنا عنه، وأنه بذلك يختلف عن سائر مصنفاته، وقد أشار رحمه الله إلى منهجيته في عمله، ونص على ذلك بقوله:

“اجتمع عندي من طلبة العلم المهرة جماعة وافقوني على تحرير هذا الشرح، بأن أكتب الكراس، ثم يحصله كل منهم نسخا، ثم يقرؤه أحدهم ويعارض معه رفقته، مع البحث في ذلك والتحرير، فصار السفر لا يُكمَل إلا وقد قوبل وحرر، ولزم من ذلك البطء في السير لهذه المصلحة.”4

لقد بين محققا هذا الشرح سبب إشراك العلامة ابن حجر غيره في تصنيف كتابه خصوصا تلاميذته النجباء ممن علا كعبهم في العلم، ومما جاء عنهم يبين ذلك أذكر:” قلنا: والسبب في هذا أن شرحا مثله بهذه الضخامة، لابد أن يستعين فيه صاحبه بمن يقوم معه بتحقيق مسائله ومراجعة مباحثه، ممن ترقى في سلم هذا الفن وعلا فيه كعبه، وذلك ان الجهد الفردي مهما بلغ الإتقان والضبط، ومهما تحلى فيه صاحبه من الصبر والمصابرة، فلابد وأن يقصُرعن القيام بأعباء مثله، ولهذا خرج كتاب الفتح في حلة فائقة الروعة، محكمة الترابط بين مباحثه ومسائله.”5

هذه نبذة مختصرة لابد منها عن حياة الشيخ ابن حجر وكتابه الفتح، لأنتقل بعد كل هذا للموضوع المقرر الكشف عنه من خلال هذا المقال ولو بشكل مختصر كذلك، مادام المهم هو الكشف عن الحضور المقاصدي في فكر الرجل رحمه الله وتوظيفه له في شرحه لحديث خير البرية، وهو أمر لن يتأتى إلا بسوق نماذج من الأحاديث التي شرحها وجاءت مدرجة كما قررت في بابي العلم والعبادات وبالضبط باب الزكاة منه.

أما النموذج الأول المدرج في باب العلم، فهو الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال:{ بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثه، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال:( أين-أُراه- السائل عن الساعة؟) قال: ها أنا يا رسول الله، قال:( فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) قال: كيف إضاعتها؟ قال:( إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)}6. إن قول الرسول عليه السلام السالف الذكر يطرح مسألة وقع حولها اختلاف بين فقهاء الأمة، وهي المتعلقة بحكم إجابة السائل من قبل المسؤول وقت الخطبة هل يجوز أم لا؟ فقد أشار الشارح رحمه الله إلى أن هناك تضارب في الأقوال- بين جمهور الفقهاء من جهة،, والإمامين مالك وأحمد- بين قائل بالجواز، وقائل بالمنع، ولكل حججه ومبرراته، غير أنه رحمه الله كان له تفصيل في المسألة وهو مبني على مقاصد الشريعة، حيث نص على إباحة إجابة السائل مباشرة بعد السؤال أو بين الخطبة والصلاة، متى كانت المسألة المسؤول عنها تخص أمر الدين وفي إرجاء الجواب عنها فوات مصلحة وحصول مفسدة للسائل. ولإثبات هذا الترجيح والاختيار أسوق ما ذكره رحمه الله بالحرف، ومنه الآتي:”والأولى حينئذ التفصيل، فإن كان يهتم في أمر الدين ولا سيما إن اختص بالسائل، فيستحب إجابته ثم يتم الخطبة وكذا بين الخطبة والصلاة وإن كان بخلاف ذلك فيؤخر.”7 وقال دائما:” وإن كان السائل به ضرورة ناجزة فتقدم إجابته،كما في حديث أبي رفاعة عند مسلم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب: رجل غريب لا يدري دينه جاء يسأل عن دينه، فترك خطبته وأتى بكرسي فقعد فجعل يعلمه، ثم أتى خطبته فأتمها…}.”8

إن ما ذكره الشيخ ابن حجر وهو يتناول هذا الحديث بالشرح والبيان كاف للتأكيد على اعتباره لمقاصد الشريعة واهتدائه بها. ومن أهم القضايا المقاصدية التي ظهر بالملموس اعتماده عليها وتوظيفه لها أذكر قضية حفظ كلية الدين، حيث أن اختياره القول بإباحة إجابة السائل زمن الخطبة، إنما بناه على هذه المصلحة والتي هي أس المصالح الضرورية، وهو ما دل عليه كلامه الأول السالف الذكر قبل، وكما هو مقرر فالبيان لا ينبغي أن يتأخر عن وقت الحاجة.

وبخصوص ثاني القضايا المقاصدية الحاضرة في هذا الجواب،فهي أنه قيد جواز الإجابة وقت الخطبة بالضرورة، وكما هو مقرر في شريعة الإسلام فالضرورات تبيح المحظورات وإن كانت تقيد بقيد أنها تقدر بقدرها، لكن في هذا الجواب روعيت واعتبرت وهو ما دل عليه تقييده للجواز بقوله:” وإن كان السائل به ضرورة ناجزة، فتقدم إجابته.” ولا يخفى من القول بالجواز تبعا لهذه القاعدة الفقهية المقاصدية من رفع للحرج عن السائل وهو من مقاصد الشريعة الكبرى كذلك، سيما وأن الله تعالى يقول:{وما جعل عليكم في الدين من حرج.}9والرسول عليه السلام كذلك قال:{ إنما شفاء العي السؤال}.10

هذا عن المثال الأول. أما بخصوص المثال الثاني الذي من خلاله هو الآخر ظهر وتأكد بما لا مجال للشك فيه أن الشيخ ابن حجر إلى جانب كونه من شيوخ علم الحديث والفقه واللغة، فهو من شيوخ المقاصد، أو بالأحرى ممن اهتموا بمقاصد الشريعة، وإن لم يكن ذلك تأسيسا وتنظيرا، فهو على الأقل توظيفا وتطبيقا، فالذي يؤكد هذا الأمرإلى جانب ما سقت هو ما ساقه الشيخ في سياق شرحه لحديث الرسول عليه السلامالذي قال فيه:{ ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة}.11

وبخصوص معنى هذا الحديث فقد قيلت في سياق بيان ذلك أقوال كثيرة ذكرها الشيخ ابن حجر وهو يتناوله بالشرح منها قول الإمام مالك الذي جاء فيه عنه:” قال مالك في الموطأ: معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة، فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مئتا شاة وشاتان، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد إلا شاة واحدة.”12 وذكر رحمه الله كلاما آخر للإمام الشافعي، وقد جاء فيه عنه الآتي:” هو خطاب لرب المال من جهة، وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم ألا يحدث شيئا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، فمعنى قوله:( خشية الصدقة): أي: خشية أن تكثر الصدقة، أو خشية أن تقل الصدقة، فلما كان محتملا للأمرين، لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الآخر، فحمل عليهما معا، لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر، والله أعلم.”13

وعند النظر لهذين القولين اللذين جاءا في سياق بيان معنى هذا الحديث، يظهر فعلا فيهما حضور المقاصد والتوظيف الفعلي لها، وهو ما أكدته أوجه الاستدلال به التي ساقها ابن حجر خصوصا الثالث منها، حيث اعتماده- الحديث- للقول بإبطال الحيل، والتي هي التوسل بأمر يظهر جوازه لإبطال وإسقاط أصل أو حق شرعي، والعمل على المقاصد المدلول والمنصوص عليها بالقرائن. وفيما يلي نص كلامه بالحرف:” واستدل به على إبطال الحيل، والعمل على المقاصد المدلول عليها بالقرائن، وأن زكاة العين لا تسقط بالهبة مثلا، والله أعلم.”14

إن تصريح الشيخ ابن حجر في هذا الوجه الثالث من أوجه الاستدلال به بلفظي الحيل والمقاصد يؤكد ما أشرت له قبل من أن اختيارات هذا الشيخ وترجيحاته الفقهية- كما هو حال كثير من العلماء مع المقاصد- تمت على أساس هذا العلم وقضاياه، خصوصا ما تعلق منها بقصد المكلف، هذا الأخير الذي خالف بشكل صريح قصد الشارع القاضي بإخراج المكلف من داعية هواه ليكون بذلك عبدا لله تعالى اختيارا كما هو عبد له اضطرارا، فتحيل بالحيل التي حذر منها الرسول في قوله وأشار لها كل من الإمام مالك والشافعي ليسقط ما وجب عليه ولزمه بنصوص قطعية لا تحتمل التأويل المتمثل في فريضة الزكاة بأي وجه من الوجوه كالهبة مثلا أو القرض كلما قرب وقت إخراجها أو غير ذلك.

ختاما لهذه المشاركة العلمية، فلا يمكن القول إلا أن الإمام ابن حجر رحمة الله عليه اهتم كغيره من أئمة الحديث بمقاصد الشريعة ومباحثها وهو يتناول أحاديث الرسول عليه السلام بالشرح والبيان خصوصا تلك المتعلقة بالأحكام الشرعية، وما أشرت له – على قلته – كاف لتأكيد ذلك، ولعل السبب في ذلك هو ارتباط تراث هذا الرجل عموما وكتاب الفتح بوجه خاص بكلام الرسول عليه السلام الذي زكاه الله تعالى بقوله:{ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}15. وكلامه عليه السلام منزه علن العبث، سيما وأنه قد أوتي جوامع الكلم.

الهوامش:

1- سورة المؤمنون، الآية: 115.

2- سورة النجم، الآيات: 3- 4.

3- هدى الساري لمقدمة فتح الباري للشيخ ابن حجر العسقلاني، ج1/ ص 49، ط1، سنة 1424ه/ 2013م، شركة الرسالة العالمية، دمشق- سورية.

4- المرجع السابق، نفس ج/ ص 50.

5- نفسه، نفس ج و ص.

6- فتح الباري بشرح صحيح البخاري للإمام ابن حجر العسقلاني، ج1/ ص 301، ط1، سنة 1424ه/ 2013م، شركة الرسالة العلمية، دمشق- سورية.

7- المرجع السابق، ج1/ ص 302.

8- نفسه، ج1/ ص: 302- 303.

9- سورة الحج، الآية: 78.

10- أخرجه الإمام أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، رقم: 299.

11- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج5/ ص: 110- 111.

12- المرجع السابق، ج5/ ص111- 112.

13- نفسه، ج5/ 112.

14- نفسه، نفس ج و ص.

15- سبق توثيقها.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.