حصريا

أهميّة القيم وأثرها في تغيير المجتمعات – د.بيان محمد علي الطنطاوي – سوريا

1 4٬192

بسم الله الرحمن الرحيم

أهميّة القيم وأثرها في تغيير المجتمعات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم ألهمنا الإخلاص بالنيّة والعمل، وجنّبنا شرّ النفس والهوى، وألهمنا الصواب فيما نقول وفيما نرى.

مقدمة:

لقد اخترت الحديث عن موضوع في محور من المحاور المهمّة، والتي تمسّ واقعنا وتُعالج بعضاً من مشاكله، وهو موضوع (فلسفة القيم) سَعياً لعلاجِ بعضِ ما اعترى هذه القيم من تداخلٍ وتحريفٍ وتغيير، وأسأل الله أن أستطيع مع الزملاء الكرام التوصّل إلى أُسسٍ تكون مُنطلقاً لبدايةِ إصلاحٍ ووضعِ منظومةٍ صحيحةٍ يُرتكز عليها وتُعين على إيجاد حلٍّ للإشكال الحاصل بسبب تعدّد مصادر القيم وتعارضها وتضاربها، وللبحث عن النقاط المشتركة التي تجمع ولا تُفرّق وتفضّ الاشتباك الحاصل.

ولن أستطيع أن أُقدّم موضوعاً فلسفيّاً مُفصّلاً، وإنّما سأقدّم بحثاً مُختصراً يُعرّفُ بالمبادئ والقيم والأخلاق وارتباطها ببعضها، وأثرها على بناء الأفراد ومن ثمّ بناء المجتمعات، والتأثير المتبادل بينهما في ضوء ما يًستنتج من النصوص الشرعية ومن أقوال بعض العلماء وبعض المساهمين في هذه المواضيع.

عندما نتحدّث عن (القيم) وأهميّتها لا يلزمنا كبيرُ جُهدٍ فنحن نعيش في عصرٍ جَسَدُهُ المنجزات الماديّة على اختلاف أنواعها، وَرُوحُهُ هي القيم المقدّرة في النفوس والتي تتجسّدُ في سلوك الأفراد والجماعات عند تعاملهم مع ربّهم ومع أنفسهم ومع من حولهم ومع ما حولهم، فالسلوك تصرّفات تُعبّر عن التصوّرات، وموضوع القيم أصبح مادةً للبحث والدراسة ُكُتِبَ كثيراً عنه وتُحدّث عنه كثيراً من قِبَل الباحثين في مُختلف الحقول العلميّة والتخصّصات المعرفيّة، ومن مُختلف المذاهب والمعتقدات، وبما أنّه موضوع يتعلّقُ بالفطرة الإنسانيّة، ويتداخل مع علوم الدين والعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانيّة المختلفة، لذا وَجَبَ التنبيه أوّلاً أنّه غالباً في البُحوث تُذكر كلمتا (المبادئ والقيم) وكأنّهما مترادفتان تحملان المعنى نفسه، وهذا غير صحيح كما سيتبيّن معنا لاحقاً، موضوعنا عن (القيم والمجتمع)، ولكن قبل تناوله لابدّ من تحرير المفهوم وتحرير المصطلح، لأنّ للمفاهيم والمصطلحات مكانةً خاصّةً ودوراً هامّاً في اللغة، فهي وعاءُ الفكر، ومُنظّمةُ دلالاته، ومُحقّقةُ الأهدافِ المرْجُوّةِ منه بما تحمله من حقائقَ مرتبطةً بالمعاني، كما أنّها تُفيد في التفريق بين المصطلحاتِ المتقاربةِ في المظهرِ العام، لكن عند التدقيقِ في دلالاتها اللغويّةِ والاصطلاحيّةِ نستطيع بلورةَ المعاني المميّزة لكلٍّ منها، ومنعَ التداخلِ بين هذه الدلالات بما يضمنُ إيصالَ المعاني المقصودة لكلٍّ منها، ويُحقّقُ الفائدةَ المرجوّةَ منها في نقلِ المعرفةِ أو في بنائها أو اكتشافها.

 

تحرير المصطلحات

ما هو المقصود بمفهوم المبادئ؟

في اللغة العربيّة (المبدأ) مصدرٌ ميميٌّ من الفعل (بدأ يبدأ مبدأ)[1] أي: بدايةُ الشيء، فمبدأ الخلق أي أوّله وأصل نشأته، ومبادئُ العلمِ هي القواعدُ التي تأسّسَ عليها علمٌ ما ولا يحيد عنها بحال، ومبادئُ اللغةِ هي المعلوماتُ الأوليّة فيها، وفي الاصطلاح يأتي لفظُ (المبدأ) عامّاً يدلّ على فكرٍ أساسيٍّ تُبنى عليه أفكارٌ فرعيّةٌ أخرى، فمثلاً يقول قائل: الصدق مبدئي، يقصد أنَّ الصدقَ هو الأساسُ الذي تُقام عليه كلُّ حياته ومعاملاته.

ما هو المقصود بمفهوم القيم؟

العنوان يقول: (أهميّة القيم) كلمة (القيم) جاءت مُحلّاة بأل التعريف ممّا قد يُسبّب إشكالاً ويطرح سؤالاً: أنتحدّث هنا عن القيم عامّةً على الإطلاق؟ أم نتحدّث عن جنسِ قيمٍ بعينها كالقيم الإسلاميّة مثلاً أو القيم العلمانيّة أو القيم الغربيّة؟ ولا أظننا نوفي الموضوع حقّه لو تناولنا قيم الإسلام الإيجابيّة في نظرنا والتي يُفترض أن تكون هي المرجع، دون أن نعرض لأنواع القيم السلبيّة السائدة والتي تشكّل تحدياً يُعيق السعي لبناء الأمّة الخيّرة.

لذا من الخير أن نتحدّث أوّلاً عن (قيم) بشكل عام دون (أل) التعريف. كلمة قيم نجدها في قواميس اللغة تندرج تحت مادة (ق و م)[2] بمعنى الاستقامة وفي كتاب الله عزّ وجلّ: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}[3] أي المستقيم، كما نجد {دِينًا قِيَمًا}[4] أي ديناً ثابتاً مُقوّماً لأمور المعاش والمعاد، {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}[5]، أي وسطاً {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[6]، قال الزجّاج: معناه للحالة التي هي أقوَمُ الحالات[7]، واسم التفضيل (أقوم) إذا أطلق يعمّ، ويُفهم من الآية وممّا قاله الزجّاج: أنّ الآية تبيّن أنّ كلَّ أمرِ له أكثر من طريق، الأقوم منها هو الذي يهدي إليه القرآن.

والتقويم في اللغة يدلّ على المكانة والتقدير عندما تُقدّر المكانة (معنوياً)، ويدلّ على قيمة الشيء (ماديّاً) عندما يُقدّر ثمنه لأنّ الثمن يُعوّض عنه ويقوم مكانه[8]، وللأسف غلب على استعمال (مفهوم القيمة) المعنى الماديّ لأنّه بدأ في المجال الاقتصاديّ، وخلال انتقاله إلى المعنى المعنويّ شغل كثيراً من الفلاسفة الذين ناقشوا قضية القيم تحت الثالوث (الحق والخير والجمال) وكل واحد منهم اختار له قيمة عليا ينطلق منها، ليس هنا مجال بحثها والخوض فيها.

وإطلاق القيام على الاعتدال والاستقامة مجاز لاعتدال القامة عند القيام، والإسلام قيّمٌ بالأمّة وحاجتها (مّدبّر ومُصلح) ومنه وصفه سبحانه ب(القيّوم) فهنا يُطلق مصطلح (القيم) على دوام تعهّد شيءٍ ومُلازمة صلاحه، لأنّ التعهّد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقّظ لأحواله.

الاختلاف بين مفهوم المبادئ ومفهوم القيم:

كتاب الله سبحانه يُقرّر المبادئ الإسلاميّة العامّة، ويرسم الخط العريض لاستقامة الحياة بالحق، ثمّ يُرغّب بإدراك قيمتها ليُعمل بها، فالمبادئ التي نزلت من السماء هي بمثابة الدستور والوثيقة العليا التي يُستخرج منها مجموعة القوانين الحاكمة لحياة الناس سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً، والتي تنبثق عنها البنود الفرعية وتطبيقاتها التي تُقوّم وتُنظّم وتُقيّد الحقوق والحريّات، ونصوص هذه المبادئ موجودة في كتاب الله، وفي أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم مُطلقة ثابتة لا تغيير لها، بينما ما نُسميه القيم هي أثر هذه المبادئ حين تتحوّل إلى سلوك وتظهر عمليّاً على أرض الواقع تبعاً لتقويم الناس لهذا المبدأ، فالقيم لا تُدرك إلاّ بعد أن يدخل المبدأ إلى العقل ويستقر فيه ثمّ يخرج مُفعماً بالأحاسيس والقناعة ليُغذّي الضمير ويُحييه، والقيمة الحقيقيّة هي في ضمير الإنسان، لا في حركته الجسدية، ولا في حركته الإرادية، لذلك هي نسبيّة لها طابعها الشخصي أو المجتمعي تبعاً للسلّم القيمي المتعارف عليه والمأخوذ به، تلك القيم قد تحجب المبدأ، وقد تُحوّله إلى منظومةٍ أخلاقيّةٍ تحكم فتنتشر أو تنحسر تبعاً لارتباطها بتغيّر الأحداث وتجدّد الأفكار، فلكلِّ فردٍ، ولكلِّ مجتمع منظومته القيميّة الخاصّة به، واختياره الخاضع لطبيعة خلقته وتكوينه وثقافته، كما في قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[9]. وقوله سبحانه: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}[10]. والنتيجة المرجوّة في نهاية الاختيار هي قيمة التزكية {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}[11]التي جعلها الله من غايات بعثته صلى الله عليه وسلم.

فالمبدأ مرجعيّة وضابط، والقيم خُلق وسلوك، والإيمان يزيد وينقص بانحسار القيمة وانتشارها داخل النفس الإنسانيّة، وصراع القيم عمليّة مستمرة على المستوى الفرديّ، فلكلِّ إنسان ترتيبه الخاص لقيمه الشخصيّة، وقد تتنازعه قيمتان فيغلب إحداهما على الأخرى بناءً على سلّمه القيمي الخاص، وقد يختلف هذا التغليب ويتغيّر بناء على ظروفه الآنيّة، فمن تربّى في بيت يحرص على قيمة معيّنة قد ينتقل لمجتمعٍ لا يتقيّد بها فيفقدها مع مرور الأيام، وبشكلٍ عام لا تُعرف قيمة الشيء إلاّ بعد تجريبه، لذلك لن يُدرك النشء ما تعنيه المبادئ، ولن يُقوّموها بما تستحقه إلاّ بعد أن تسود في المجتمع، ويرونها واقعاً بادياً للعين، لا مجرد قصص تُروى عن الصحابة والتابعين ومن سبق ممّن عاشوا القيم المنبثقة عن مبدأ العدل، ومبدأ الأخوة، ومبدأ التضحية والإيثار والعطاء والحب والأثرة، وعن قيم الاحترام والتواد والمرحمة، عن التعاون ومحاسبة النفس، التي جعلت منهم خير أمّةٍ أُخرجت للناس، ويُدركون أنّه عندما تسود هذه المبادئ والقيم وتصبح هي العنوان والمعيار الذي يسيّر الحياة في اتجاه واحد، يُصبح رقيب البشر من دواخلهم، لا من خارجهم يأتيهم متنوّعاً يخضع مرة لحكم فردٍ له اتجاه معيّن، ومرة لحُكم مجتمع له عادات مُعيّنة تتغيّر ولا تستقر، ويجعل الإنسان كالكرة في الملعب تتنازعه رغبة الفرقاء بالفوز والنصر.

التداخل بين موضوع القيم وعلم الأخلاق:

معظم الكتابات في تاريخ الإسلام عمليّة سلوكيّة، تتحدّث عن تهذيب الأخلاق، والربط بين الأخلاق والنفس، ثم البحث في علم الأخلاق، والآيات التي جاء فيها أصول الأخلاق في الإسلام كثيرة منها قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[12]، فقد جاء فيها ثلاثة أوامر وثلاثة نواهي تُلخّص ثلاثة مبادئ مركزية ينبثق عنها منهج من القيم الحاكمة للحياة الإنسانية، فيها أوامر مطلقة ونواهي مطلقة فيها سعة لكنّها ثابتة، فيها بناء مُتدرّج للقيم، وتساعدها آيات أخرى لتوضيح السلوك القويم والصراط المستقيم الذي يرجو المؤمن في كل صلاة أن يهديه الله إليه عندما يقول اهدنا الصراط المستقيم، وفي قوله سبحانه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}[13]، نجد أيضاً ثلاث مبادئ مركزيّةٍ تُبيّن أنّ بالشريعة قيماً كليّة على الإنسان أن يسعى لها قدر استطاعته في جهاده لنفسه بين حدها الأدنى وحدّها الأعلى سمّاها المُفكّر عبد الله درّاز (الجهد المبدع) فقال: “وإنما يجب فقط أن نعترف بأنّ لدى الناس اختلافاً في نصيب كلٍّ منهم من عاملي الفضيلة، ويجب أن نلاحظ في الوقت نفسه أنّ الناس لا يتساوون دائماً لا في موضوع الكفاح، ولا في الشكل الذي ينبغي أن يبدو فيه جهدهم الأخلاقي وهنا نجد من المناسب أن نتعمّق أكثر لنكشف عن صيغة التوفيق بين أحكامنا الأخلاقيّة، وإنا لنعتقد أنّنا نستطيع العثور على مفتاح الحل في التفرقة التي أثبتها القرآن بين نوعين من الجهد؛ أحدها قد يُطلق عليه (جهد المدافعة) والآخر هو ( الجهد المبدع) خلاصة القول أنّ العناصر الثلاثة التي يتكوّن منها الجهد المبدع بأكمل معاني الكلمة هي: (الاختيار الإراديّ) و (الاختيار الصالح) و (الاختيار الأفضل)”[14]. والإسلام سلوك اختياريّ يوجّه إلى فضائل الأخلاق التي تدفع المتحلّي بها إلى محبّة الله وابتغاء رضاه بطاعته في أوامره ونواهيه، والبعد عن الرذائل باتباع ما جاء به رسوله الكريم الذي بُعِثَ ليُتمّمَ مكارم الأخلاق “إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاق، وفي روايةٍ صالحَ الأخلاقِ”[15]. والمنهاج الأساسيّ الذي يجب أن يكون لغرس المبادئ والقيم هو اتباع ما نزل به الوحي من قرآن كريم، ومن أحاديث صحيحة، قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}[16].

لا يُوجد في التراث الإسلامي علم مستقل اسمه (علم الأخلاق) بمعناه المتعارف عليه حالياً، فهو مصطلح جديد لا نجده في مؤلفات الأقدمين، فمعظم مؤلفاتهم حول هذا الموضوع عمليّة سلوكيّة تتحدّث عن الإطار النظريّ في مجال تهذيب الأخلاق كما نجد عند الأصفهاني في قوله: “إنّ الشرع ضربان؛ أحكام ومكارم، ولن يستكمل الإنسان مكارمه إلاّ بعد أن يستكمل أحكامه، فإنّ تحرّي الشرع من باب العدل، وتحرّي العدالة فرض، ومكارمه من باب الإحسان، أي التفضّل، وبيّن أنّ من تخصّص بمكارم الشرع فهو محسن، والله يحب المحسنين”[17]. والأخلاق عندهم مرتبطة بالنفس التي تتخلّق بهذه الفضائل، لذلك كتبوا كثيراً عن تصرفات السلوك الإنساني، وأفاضوا في الحثّ على تزكية النفس.

وفي كتاب الله عزّ وجل آيات تُوضّح أصول الأخلاق في الإسلام وترتبها مبادئ كُلِّيةً لها تفصيلات تتناسب في تطبيقها مع الزمان والمكان، والمبادئ الأخلاقيّة هي المعايير المنبثقة عن المعتقد وتُعتبر مجموعة من القوانين والقواعد، وتتخذ شكلاً عالميّاُ ثابتاً، يحتكم لها الناس عامّةً كمبدأ العدل مثلا، يستعصي تغييرها أو التلاعب بها كما سيأتي تفصيله عند الحديث عن أنواع القيم.

أهميّة القيم:

أهميّتها تصدر أوّلاً عن كونها عالميّة، لا يوجد مجتمع بلا قيم، سواء كانت قيماً سماوية مصدرها ربّاني وغالباً نجدها واحدة في كل الرسالات التي لم تُحرّف خاصّة القيم الإنسانيّة وهذه قيم مُطلقة، أو كانت قيماً مصدرها بشر وهذه لا نجد إجماعاً عليها، بل نجد خلافاً لأنها مُتأثّرة بالبيئة المصدّرة لها وبالتالي هي قيم نسبية مُتغيّرة لتدخّل المجتمعات فيما سمّاه عمالقة الفلسفة (الدين الطبيعي). فالقيم الحقّة في كل الأديان السماويّة لا تختلف بتاتاً فيما بينها في النظر إلى قيمة العفّة فالزنا مثلاً مذموم بإجماع الملل والنحل، وقيمة العدل مرغوبة مُطالب بها في كل الملل والنحل.

وموضوع القيم من المحاور الهامّة التي تناولتها العلوم المختلفة من زوايا مختلفة حسب كلّ علمٍ، فالقيم بمجموعها هي الدين (المعتقد)، والقيم هي التي تُبرز الهويّة الذاتيّة للأفراد والمجتمعات، وتُحدّد أهدافها ومسيرتها، فالقيم منظومة فكريّة مُتصلة بالسلوك، وتتأثّر بما يحدث في المجتمع من التغيير الماديّ ممّا قد يُسبّب أحياناً فجوة بين التغيير المادي والتغيير المعنويّ الفكري الأخلاقي السلوكي في المجتمع، وكما هو مُلاحظ في هذا الزمن أنّه قد تغلبت القيم الاقتصادية والسياسيّة والمعرفية والجماليّة على القيم الأخلاقيّة.

وحاجة الإنسان للقيم حاجة مُلحّة، فالإنسان يعيش جملة من العلاقات؛ علاقة مع الله وعلاقة مع نفسه وعلاقة مع أسرته وصحبه وعلاقة مع الحاكم وعلاقة مع الكون حوله ومع بقية الكائنات، وكل واحدة من هذه العلاقات تحتاج إلى ضوابط ومعايير (سنعود لها وسيأتي ذكرها لاحقاً) لن تأتيه إلاّ بمعرفة ما عليه للتعامل معها، والمعرفة لها خُلق وتقع عليها مسؤولية فردية في الحياة وبعد الممات.

أثر القيم على الفرد:

قام الإسلام على مبدأ المسؤوليّة الفردية، قال سبحانه: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}[18]. وقال: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}[19]. وقال: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}[20]. المجتمع مُؤلّف من مجموعة من الأفراد، وهؤلاء الأفراد يُشكلون الجماعة، وبمقدار صلاح الأفراد واعتقادهم بالقيم الصحيحة تكون أخلاق المجتمع، وبالتالي تحسين جودة الحياة في هذا المجتمع، لأن اعتناق القيم الصحيحة مجتمعة تشكل سداً منيعاً أمام الانحراف، وهي التي تعين الإنسان على تغيير ما بنفسه للأفضل والعودة عن الخطأ، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[21]. وهناك عوامل مُتعدّدة لتكوين القيم الصحيحة في دواخل الأفراد بدءاً من البيت وانتهاء بكل ماهو خارجيّ، ومسؤولية الوالدين مسؤوليّة كبيرة في التنشئة والتكوين، ورحم الله المعرّي حين قال: (وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوّده أبوه)، ولكنّ هناك إلى جانب تربية الوالدين مؤثّرات أخرى في المجتمع تُعين على البناء أو تُساهم في الهدم، من دعوات فلسفيّة، أو اجتهادات فرديّة، أو ما استجدّ من وسائل الاتصال الحديثة التي لا ضابط لها ولا مراقب وتحوي الغثّ والسمين، والهادي والمضلّل، وإذا لم يُقابلها الفرد بسلاحٍ معرفيّ قويٍّ، وإدراكٍ وتمييزٍ سوف تتغيّر قناعاته، وتتدنّى قيمه، ويكون فردا عاملاُ على انهيار المجتمعات، فالأخلاق تحتاج لرافد يُحييها ويُنميها، لا لما يقضي عليها كقول الشاعر: (هي الأخلاق تنبت كالنبات إذا ُسقِيَت بماء المكرُمات).والمؤسّسات التعليمّة بأنواعها لها دور في تكوين القيم أو تعديلها، وللأسف فإنّ الخطأ الشائع في أغلب مجتمعاتنا وفي مناهجنا التربوية والدعوية أن القيم التي هي في أصل مصدرها كليّة مُتكاملة، تُعَلَّم للنشء مفكّكة مُنفصلةَ عن بعضها، تّعرض لهم بالكتب دون نظام، دون ترتيب حسب سلّم الأولويات، وتنظيم القيم الكبرى، إظهار النسق القيمي المطلوب للتعايش والنفع الفردي والنفع الجماعي، لذلك لا تُرسّخ القيم المطلوبة لبناء الأخلاق المجتمعيّة التي لا يجوز خرقها لأنّ غيابها سيسبب انهياراً للمجتمع كلّه.

الخطاب الديني الرسميّ والشعبيّ غالباً كما هو مُلاحظ يُركز على القيم الفردية وتزكية الفرد، غير مُوضّحٍ الأثر المجتمعي لهذه القيم، وغير موضّح أنّ توافق القيم وتكاملها في داخل النفس يُشكّل الشخصيّة المتزنة، وأنّ الأخلاق تتطلب منظومة تتساند فيها القيم، وتُشكّل بُنيةً معرفيةً وقاعدة قيمية مُتسقة متكاملةً، كما تتطلّب التركيز على القيم الاجتماعية العامة التي هي ركن مهم في تحقيق الغاية من الخلق وهي عمارة الأرض، وفي تحقيق الرحمة والسلام والتنمية والتقدم في العلاقات الإنسانية والأخويّة والحرص على المصلحة العامة، المؤمن يبدأ قراءة القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم، ويقابل أخاه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، هل يعي معنى كلمات الرحمة والسلام؟ هل يُدرك المقاصد الشرعية لهذه القيم الاجتماعية؟ يجب أن تكوّن القيم في النفس الإنسانيّة نسقاً يُترجم لسلوك أخلاقي ويرقى بالفرد ليكون شخصيةً متزنةً قوية الإرادة منظمة العناصر الداخلية من خلال توحيد وجهتها، على عكس من يتخبّط في قيمٍ وضعيةٍ مُتغيّرةٍ تخضع للأهواء والمصالح المتضاربة {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[22].  هذه الشخصية هي التي تستطيع تحقيق مفهوم العبوديّة، وتستطيع عمارة الأرض، وتحقيق الخلافة المرجوّة من الإنسان ليصل إلى الجنة الموعودة، منظومة القيم في الإسلام مهمة جدا، ومن أهمّ من كتب عن القيم المركزية الماوردي عندما تحدّث عن عددٍ من القيم تصلح بها الدنيا، وثلاث مسائل ينصلح بها حال الإنسان؛ نفس مطيعة، وألفة جامعة، ومادة كافية[23].

وليس المطلوب منّا عند الحديث عن القيم أن نذكر القيم الإيجابيّة فقط ونُهمل القيم السلبيّة، فبمقدار ما تؤثّر القيم الإيجابيّة على بناء الفرد ليكون فاعلاً سويّاً قويّاً تؤثّر القيم السلبيّة في الهدم حتى ينهار البناء الكلّي.

كما أنّ علينا عند الحديث عن القيم أن نؤكّد على أنّ القيم تُحدّد الغاية، ولا تُحدّد الطريق الوحيد الموصل إليها بل تتركه لقدرة وعلم وزمان ومكان المتمثّل لها، فمعيار العمل في الإسلام هو الدافع (النيّة) ولنا في سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم قدوة حين كان يكتفي بتبليغ ما ينزل عليه وحياً من السماء، ويُرشد بالنصح والرفق واللين ويُبيّن صحتّه وجدواه وإمكانيّة الالتزام به بالعمل (القدوة) ثمّ يترك للناس حُريّة الامتثال، إدراك هذا المعيار الأساسيّ في العمل هو الذي أنشأ المجتمع الفاضل في ذاك الزمان، والذي يُمكن أن يتكرّر في كلّ وقت بهذه المنطلقات.

أثر القيم على تغيير المجتمع:

المجتمع ليس سوى مجموعة من الضمائر الفرديّة، ومجموعة ممّا في هذه الضمائر من قناعات وقيم، والمعنى الواسع لكلمة (مجتمع) هو الشعور بالأخوة الإنسانيّة قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[24].

والسؤال: كيف يتعارف الناس ويتآلفون إذا كان لكلٍّ منهم سلّمه القيميّ المختلف عن الآخر؟ المجتمع مؤلف من مجموعة من الضمائر الفردية، الضمير يتغذّى من القيم الإيجابية الصحيحة، من التعليم الجيد، ومعظم مجتمعاتنا للأسف تعمّها الفوضى الفكرية، وتحتاج لمنهج قويم، ولمنظومة قيمية مُستمدة من الإسلام لأننا في مواجهة خطر شديد لا يُقاوم إلاّ بالوحدة القائمة على منهج أخلاقيّ وفكرٍ يخضع لمبدأٍ عظيمٍ من مبادئ الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُلخصه حديث السفينة الذي يُبيّن لنا خطورة عدم الاتفاق على قيمٍ موحّدةٍ لمصلحة الجماعة، قال صلى الله عليه وسلم:  (مَثَلُ القائِمِ علَى حُدُودِ اللَّهِ والواقِعِ فيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا علَى سَفِينَةٍ، فأصابَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وبَعْضُهُمْ أسْفَلَها، فَكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِها إذا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا علَى مَن فَوْقَهُمْ، فقالوا: لو أنَّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقًا ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فإنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وإنْ أخَذُوا علَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، ونَجَوْا جَمِيعًا.)[25]. إنّ هذا الاختلاف في أمور مبدئيّةٍ قد تبدو للناظر عاديّة صغيرة، يؤدّي إلى الهلاك الجماعيّ إذا لم يُتدارك من ذوي الألباب والآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، يقول سبحانه وتعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}[26]. والأمّة تتألّف من مجتمعات، والمجتمع يتألّف من أسر، والأسرة تتألّف من أفراد يجب أن تكون حياتهم قائمة على منهج منضبط تحكمه مبادئ، ويجب أن يكون في قناعاتهم تقويم صحيح لهذه المبادئ لتتحوّل إلى قيمٍ عمليةٍ إيجابيّةٍ تُرى آثارها في الأسرة وفي المجتمع ومن ثمَّ في الأمة، فللأخلاق أثرٌ قويٌّ في بناء المجتمعات وتقويتها ورد العدوان عنها، فهي التي تجعل الروح المعنويّة للأفراد مُرتفعة وقادرة على مواجهة التحديات، وكلّما ارتقت الأخلاق ارتقت الأمة والعكس صحيح قال سبحانه: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}[27]. وكما تتشكّل أخلاق المجتمع من مجموعة القيم التي يؤمن بها أفراده، فإنها أيضاً تتغيّر سلباً أو إيجاباً عندما تتغيّر قيم أغلبيّة أفراده، (منهجية التغيير). والثقافة مجموعة من القيم والمعتقدات تحكم مجتمعاً ما فتتجلّى في سلوك أفراده وأخلاقهم وتُحدّد توجهاتهم، ومن هنا تتميز الجنسيات والأعراق، القيم تُكوّن الهوية المتميّزة التي يتوارثها أجيال مُجتمعٍ بعينه، وصفاتها تكون مقبولة في مكان ومرفوضة في غيره، أمّا الملاحظ في مُعظم المجتمعات العربيّة والإسلاميّة فواقع مؤسف، الأفكار في أحسن أحوالها بقيت مُجردة في الأذهان، لم يُفلح بعض المجتمعات في تحويل القيم الصحيحة إلى واقع، والمحيّر المؤسف أنّ هناك ملفاً للقيم في العقول، لكنّه غير مُدركٍ، غير مفهومٍ معناه ومكانته في تسيير الحياة، وهذا ما جعل بعض الشعوب تتقدم على شعوب أخرى وتفضلها عندما وعت المبدأ وحوّلت قيمته المجردة في العقل إلى فلسفة حياة وجعلت منه مبدأ اجتماعيّاً إجرائيّاً راسخاً ثمّ قامت بحمايته، حماية المبادئ والقيم ضرورية، ومنه جاء الحثّ على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتاب الله، قال سبحانه: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الآية}[28]. وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عندما قال: “والَّذي نَفسي بيدِهِ لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عنِ المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللَّهُ أن يبعثَ عليكُم عقابًا منهُ ثمَّ تَدعونَهُ فلا يَستجيبُ لَكُم”[29] . وقال في حديث آخر: “مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ.”[30]. وهذا ما نفتقده في بعض مجتمعاتنا، حيث لا توجد فيها مبادئ راسخة وقيم مُتفق عليها، ولا يُوجد من يُطالب بها، ولا من يُدافع عنها، بل يوجد فيها من يُشجّع على تنامي الفوضى الفكريّة والسلوكية التي تُشكّل صورة ضبابيّة من خليط بين ثقافات مُتعدّدة في المظهر وفي التفكير وفي التصرفات وحتّى في اللغة، ويُظن أنّ هذا الوضع أمر طبيعيٌّ في زمن العولمة والانفتاح، في حين أنّه ليس طبيعياً أبداً ويمزّق وحدة الأمّة، ويمنع ترابط المجتمع، لأنّ أهم مُقوّمات الأمّة هو المعتقد الذي تنبثق عنه مبادئاً وقيماً، واللغة التي تُحقّق التفاهم، والتاريخ المشترك الذي لم يعد بإمكان الأجيال قراءته والاطّلاع عليه لبعدها عن لغتها، كيف تلتقي الأمّة عندما تتعدّد المعتقدات وتختلف اللغات؟ كيف تتشارك الآمال والآلام؟ كيف سيكون مستقبلها؟ كيف تربّي أبناءها؟ وكيف تضع مناهج تعليمها؟ القيم الصحيحة سدٌّ منيعٌ أمام الانحراف، القيم ليست الحاجات ولا الدوافع، ولا الأفكار الإبداعيّة، إنها صمّام الأمان الذي يتحكّم بكلِّ هذه الأمور، فيسمح أو يمنع أو يُهدّد أو يُشجّع، القيم لا تُلغي الحاجات وإنما تُساعد على قضائها بشكلٍ سليم، الدين صالح إلى آخر الزمان وربنا يعلم ما كان وما سيكون، لذلك جعل المبادئ والقيم الإسلامية تتفق وتتماشى مع كلِّ مكونات خلقة الإنسان، تُلبّي وتُكرم.

تأثير المجتمعات على تغيّر القيم:   

في الحقيقة لا يُمكن فصل أثر القيم على المجتمعات عن أثر المجتمعات على القيم، فالعلاقة تبادليّة بين طرفين وتأثيرها ليس من طرف واحد، فالقيم المهيمنة في نفوس الأفراد تُشكّل القيم المجتمعيّة، والقيم المجتمعيّة عندما تسود وتنتشر تؤثر مع الوقت على الأفراد وتغيّرهم إراديّاً أو لا إراديّاً، تغيّر الأفكار، والمعتقد، والمشاعر، والسلوك، والأداء، والنتائج، وتغيير السلوك لا يكون ثابتاً، لأنّه ينتج عن التفكير ويتبعه، لذلك الخطورة تكمن في تأثير المجتمع على الأفكار، الأفكار هي المهمّة فتغييرها يُغيّر كل الحياة، وهذا ما صار يُسمّى (استعمار الأفكار)، فالفرد الذي رُبّي على قيمة النظام والاحترام مثلاً، إذا دخل مجتمعاً لا يلتزم في سلوكه بهذه القيم يفقدها مع مرور الوقت.

وعادة كيف يستدلّ الأفراد على صحّة الفكرة؟ معيارهم غالباً في وقتنا الراهن هو السعادة والتعاسة، فالفكرة التي تُريحهم مقبولة، والفكرة التي تسبب لهم تعاسة مرفوضة، معيارهم المشاعر والأحاسيس لا المبدأ الصحيح للأسف، لذا يتخبّطون ويتيهون، المجتمع الذي يملك مبادئ صحيحة مطلقة وقيماً ثابتة قيمتها في ذاتها لا في المصلحة العاجلة ولا في تقدير الإنسان لها، مجتمع بهذه المواصفات يتحرّك أفراده وتُتّخذ قراراتهم على ضوئها،

وفي النهاية ولعلمنا بأنّ كثيراً من المجتمعات تعتقد بكثير من القيم، وقد تتشارك في بعضها لأنّ هناك قيماً عالمية مُتفق عليها، “فهناك قيم مرغوب فيها في كلِّ مجتمع من المجتمعات، كالشجاعة والقوة وضبط النفس والعدل والحريّة، لكنّها تختلف باختلاف الثقافات أو النسق الاجتماعي، ومع ذلك فإنّ قيماً مُعيّنة تظل عامّة بين الغالبيّة في المجتمعات وتُسمّى بالقيم السائدة” [31]. وهذا “لا يعني أنّ القيم السائدة في المجتمع تتساوى جميعاً من حيث درجة الالتزام بها للفرد والجماعة، بل تتفاوت تفاوتاً كبيراً”[32]. رغم عموميّة القيم السائدة نجد أنّ الفلاسفة لم يكونوا متفقين على وجود قيم مشتركة ويرون أنّ لكلِّ مجتمع نمطه الخاص من الكمال، هذا عند الفلاسفة، أمّا في الدين السماوي الشامل فتوجد نظرية المبدأ المطلق، لأنّ كلّ تصورات المسلمين الفكرية تشير إلى أساس مشترك للقيم بين الناس تُحقّق المقاصد المرجوّة منها، وهي عند الشاطبيّ “المقاصد الشرعيّة ضربان: مقاصد أصليّة تقوم بمصالح عامّة مطلقة، لا تختص بحال دون حال، ولا بوقت دون وقت، وتنقسم إلى ضروريّة عينيّة، وإلى ضروريّة كفائيّة، ومقاصد تابعة، تختص بحظ المكلّف، لتحصيل له ما جُبل عليه من نيل الشهوات والاستمتاع بالمباحات”[33]. وهنا يجب أن نؤكّد بأنّ القيم ليست هي الأفراد ولا الأشياء إنّها المفاهيم المجرّدة في العقل التي يؤمن بها الأفراد، هي معيار يحكم التصرفات الخارجية التي تُسمّى السلوك، وعندما يتكرّر السلوك يُصبح ما نسمّيه الأخلاق، فالقيم الأخلاقيّة التي تسود في مجتمعٍ ما تتحكّم بالقيم السلوكية وتؤثّر عليها، وكلّما زاد الإدراك في المجتمع زادت القيم وبالتالي صحّ مسار السلوك.

وهنا يعترضنا سؤال: ما الذي يُميّز المجتمع الإسلامي عن غيره من المجتمعات؟

والجواب هو: قيم المجتمع الإسلامي منبثقة عن مبادئ لم يضعها بشر وإنّما هي من لدن خالق البشر، قال عزّ وجلّ: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[34] . لذا جاءت شاملة لكلِّ مناحي الحياة ، وصالحة لكلِّ زمان ومكان، وهي غاية في حد ذاتها وليست وسائل، وأنها قيم مُطلقة ثابتة وليست نسبية مُتغيّرة، وأنّ هذه القيم تُحدّد الهدف وتترك بلوغه للإرادة والهمّة والعزيمة، وأنّ الالتزام بهذه القيم ذو دلالتين؛ أولاهما تحقيق مفهوم الطاعة لأن الإيمان في مجمله طاعة، وثانيهما تحقيق الفائدة الدنيوية الفردية والجماعية الموعودة من العلّة الأخلاقيّة التي من أجلها فُرض المبدأ. قال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا}[35]. وقال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[36]. لكنّ هناك مشكلة كبيرة في المجتمعات الإسلاميّة أنّها لم تستطع أن تُكوّن مرجعيّة إسلاميّةً مُعتمدةً للقيم، وأن تفرض صحتّها وقوتّها للوقوف في وجه تحدّيات المرجعيات الفلسفية والسياسية التعددية المتعارضة والمتضاربة في أكثر الأحيان لأنّها تنطلق من المصالح والرؤى البشريّة القاصرة المتغيّرة، حيناً في اعتمادها على العقل، وحيناً على الحدس أو النفس وميولها، وحيناً على حكم الأغلبيّة، أو على رأي الحاكم، ويُذكر هنا ما جاء عند مكيافيللي[37] عند نقاشه للدين وسعيه للفصل بين الأخلاق والسياسة، وهذا له تأثير على مرجعيّة القيم، وهناك مرجعيّات فلسفيّة كثيرة (مرجعيّة ميكيافيللي، ومرجعيّة أرسطو، ومرجعيّة ديكارت العقليّة، ومرجعيّة نيتشه اللاعقليّة، ومرجعيّة أوغست كونت) ولا يسع المجال لذكرها فتكفي الإشارة لها[38] لأنّ الحديث عن تفصيلاتها يتطلّب موضوعاً طويلاً، لكن بعجالة نقول أنّ هذه التغيّرات الكبيرة في المجتمعات بسبب القيم الوافدة تُسبّب صراعاً داخليّاً وتؤدّي إلى سلوكٍ غير توافقيٍّ ما بين الفرد ومجموعة من الأشخاص ذوي العلاقة به، وغالباً ما يكون هذا السلوك مصحوباً بالشعور بالقلق وانعدام التقبّل الاجتماعيّ  والافتقار إلى الشعور بالرضى من طبيعة العلاقات الإنسانيّة السائدة”[39]

مستويات القيم:

هناك نُظمٌ قيَميّة مُختلفة في العالم، لها وجودها ولها مواقفها ولها سُلّمها الذي يُحدّد أهميتها والتقيّد بها، وهذا يوّلد تعدّديّة للقيم وتقسيمات لها، لا تُمكّن من حصرها بقيمة عُظمى واحدة، أو تضعها جميعا على درجة واحدة، بسبب غياب المرجعيّة المناسبة الموثوقة، بينما ينتفي هذا عند اعتماد المرجعيّة الإسلاميّة والانطلاق من الآيات والألفاظ القرآنيّة التي تتحدّث عن المبادئ الأخلاقية، ويُمكن أن تُصنّف إلى فئات مُختلفة ومُستويات، وإلى عموم وخصوص يُعين على فهمه علم أصول الفقه وما يلحق به، القرآن الكريم يتحدّثُ عن المبادئ المطلقة الرئيسيّة التي يُمكن أن نُسمّيها قيماً اجتماعيّةً عُليا في البناء الاجتماعي للأمّة؛كالحق، والتقوى، والعدل، والإحسان، ويسوق ما يُشتقّ منها وينبثق عنها كقيم التكافل والصدقة والكرم والحياء والبرّ والوفاء. ويتحدّثُ القرآن والحديث الشريف أيضاً عن المبادئ الواجب توفّرها في البناء السياسي للأمّة؛ كالعدل والشورى والحريّة. والمبادئ المزكيّة لنفوس الأفراد؛ الشجاعة والصبر والحلم. ولكلٍّ من هذه المبادئ تطبيقات وتفصيلات تختلف باختلاف الزمان والمكان لكنّها مُقيّدة بالمبدأ الأصل.

كما نجد عند الحافظ البيهقي في كتابه (الجامع لشعب الإيمان)[40] عند شرحه المفصّل للحديث الشريف “عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”.  وقد اجتهد الإمام في بيان فضيلة كل شعبة وقيمتها، وللقيم في الإسلام مستويات وتدرّج في عدد من المراتب كما في كتاب (مدارج السالكين )[41] لابن قيّم الجوزية، وكثيرا ما نقرأ عن قيمتين خيرتين تتزاحمان في خيريتهما ولا بدّ من تقديم إحداهما وفي هذا يقول بن تيميّة: “فإنّ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكاملها، وتعطيل المفاسد ومنعها، ومعرفة خير الخيرين”[42]، وكثيرا ما قرأنا فيما يُروى عن العلماء الأولين كيف تزاحم الخياران الخيّران عندهم، وابن المبارك في قصيدته الشهيرة التي وجّهها لعابد الحرمين عند اختياره الجهاد عن التفرّغ للعبادة مثلٌ على تنازع الفضيلتين والتقاء القيمتين بالخير.

أنواع القيم:

نوعها من حيث مصدرها: نوع قطعيّ مُطلق ثابت غير مُتغيّر، مصدره الشريعة الإسلاميّة التي نزل بها الوحي الأمين على سيّد المرسلين، غايتها مصلحة الفرد والجماعة، والمنفعة العاجلة والآجلة.

ونوع مصدره عقليّ بشريّ أرضي، يصيبه النقص والخطأ، ويخضع للتبديل والتغيير والتعطيل والحذف والإضافة بتبدّل الأمزجة والأهواء، والسعي وراء المصالح الدنيويّة والمنفعة العاجلة.

نوعها من حيث إيجابيّتها وسلبيّتها: ويتضح ذلك بالنظر في مرجعيّتنا الإسلاميّة، فالقيم الإيجابيّة هي الأمر للواجب اتباعه، والقيم السلبيّة هي النهي للواجب تركه، وهناك من جعل بينهما اللاقيمة للمباح، وأخالفه في هذا ففعل المباح مأجور بالنيّة الصادقة، فلا وجود لعمل في حياة الإنسان أياً كان لا قيمة له سلباً أو إيجاباً.

نوعها من حيث واقعيّتها: تعيش بعضٌ من المجتمعات _بوعي منها أم بلا وعي_ بتناقض بين ما تدّعيه من قيم، وبين ما تعيشه واقعا لهذه القيم، وهذا وضع خطير يؤدي إلى زيف هذه المجتمعات وعدم مصداقيتها مما يؤثّر تأثيرا سلباً على أفرادها.

نوعها من حيث فرديتها وجماعيتها: فيُمكن أن نقول: هناك قيم ذاتية داخلية (الصدق، الأمانة، الشجاعة، المعرفة، الجمال، الاستقامة)، وقيم خارجية تُمنح للآخرين (الاحترام، التضحية، الإيثار، العدل، المساواة، الحريّة)، لكن لا يُمكننا أن نقول: إنّ بالإمكان الفصل بينها فصلاً جذرياً! فقيم الفرد هي أخلاقه وسلوكه، وأخلاق الأفراد وسلوكهم هي التي تُشكّل واقع المجتمع الأخلاقيّ ومنظومة قيمه، ومنهجيّة تغيير المجتمعات كما مرّ معنا مرهونة بقيم أفرده واعتقاداتهم.

نوعها من حيث مقاصدها: فقد نظر البعض إلى مقاصدها على أنّها تكون قِيَمَ غاياتٍ أحياناً، وقِيَمَ وسائل في أحيان أخرى، فقيم الغايات هي القيم المطلقة أو القيم العليا المركزيّة، وهي كما تكرّر القول أعلاه قيم مُطلقة ثابتة تُطلب لذاتها، لا تتغيّر بتغيّر الزمان ولا المكان، أمّا قيم الوسائل حسبما تدلّ عليها تسميتها فهي وسيلة لتحقيق قيمة يرى مُستخدمها أنّها أغلى منها، وهذه قيم نسبيّة مُتغيّرة بتغيّر الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، ولنأخذ العلم مثلاً: فطلبه مبدأ وقيمته معروفة، ولكن تتعدّد غايات اكتسابه، وتوظيفه، وفلسفة العمل به، ومثله العمل، هو مبدأ سامٍ في الأصل ولكنّ غاياته تتعدّد وتختلف.

وهكذا يتّضح لنا بأنّ القيمة لا معنى لها بعيدة عن الإنسان والتزامه بها، وسعيه لتحقيق مقصدها، وتوظيفها في طريق صحيحة، في واقع ملموس محسوس.

ضرورة حماية القيم:

كل نظام في الدنيا يحتاج إلى حماية لاستمراره قويماً، وعندما لا توجد الرقابة ولا توجد الحماية يّصبح مخترقاً غير ثابت، والنظام الاجتماعي ينطلق من قيم يجب عدم خرقها، وعدم غيابها حتى لا ينهار المجتمع، وقد أُنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط، مبدأ العدل مثلا وقيمته في المجتمع، مبدأ المساواة وقيمته، مبدأ الحرية وقيمته، مبدأ حقوق الإنسان وقيمته، تشكل كلها مع غيرها من القيم ممّا لا يتسع المجال لذكرها تشكّل نسقاً قيميّاً مُجتمعيّاً يجعله وحدة واحدة تُسهّل على أفراده إمكانيّة التعايش بسلام وتراحم، ويجعله مُجتمعاً تعاقديّاً يقوم على البر والقسط والوفاء بالعهود والعقود، ويُحدّد العلاقات والحقوق والواجبات، نسقه القيميّ متكامل منطقيّ صالح متوازن، مبادئ الإسلام لا تعمل في فراغ، إنّها مبادئ الكتاب والحكمة التي أُرسل صلى الله عليه وسلم ليعلمها للناس لتزكيهم وترقى بهم، ومن هنا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً شرعيّاً فهو الحامي للقيم، وكانت النصيحة للحاكم والمحكوم والعامة هي الدين.

مصادر القيم:

وبما أن القيم الثابتة التي نريدها تصدر عن مبادئ عليا تُقرّها الفطرة الإنسانيّة وتتوافق معها، لا يُمكن أن يكون مصدرها العلم ولا الفلسفة ولا العقول البشرية مهما كانت أدواتها، لا يُمكن لمخلوق أن يتحكّم في سلوكيّات مخلوق مثله ويوجّهه ويرسم طريقه، كما لا يُمكن لمخلوق محدود أن يستنبط نظاماً قيميّاً متكاملاً مهما بلغ بإمكاناته وقدراته، فمن أين يستمد الإنسان منظومته؟ لابدّ من أن يعتمد المرجعيّة الدينيّة السماوية متجاوزاً المرجعيّة الفلسفيّة والمرجعيّة العقليّة الماديّة، لابدّ أن يكون مصدر هذه المنظومة الإسلام لأنّه يستوعب كل هذه المقولات ويُجيب على تساؤلاتها ويُمكنه حلّ إشكالاتها، فهو دين عالميّ شامل، يُبعد القلق الوجودي ويُجيب عن أسئلته الحائرة، و لأنّه منهج يُنظّم حركة الإنسان قوامه القيم، ولأنّه يستوفي شروط شرعيّة القيم وهي أربعة: الإحاطة بما يُقدم على تنظيمه، والتحرّر من الهوى، والتحرّر من الضغوط الخارجية، والحيازة على مشروع لتوجيه البشرية، فهل توجد هذه الصفات لدى أيِّ مصدر أرضي؟

بعد كل ماسبق من شرح وتفصيل يتضح لنا أنّه لابدّ من وجود منظومة قيميّة توجّه الأفراد والمجتمعات وتحدّد مسارها، ولنأخذ حاجة الفرد لهذه المنظومة أوّلاً، نجد في حياته علاقات عدّة كلّها تحتاج إلى تنظيم قيميّ، علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بأسرته، وعلاقته بمجتمعه، وعلاقة المسلم بغير المسلم، وعلاقة الإنسان بالكون حوله وبالأرض.

كلّها علاقات تحتاج إلى أسس ومبادئ تنطلق منها وتصلح لكلّ زمان وكلّ مكان وكلّ إنسان، في زمن نجد فيه هوية الإنسان مهددة في مستقبلها بسبب إعادة تشكيله الإنسان في الحضارة المعاصرة وفي زمن العولمة الذي سمّاه البعض (عصر هزيمة الإنسان) حوربت فيه أفكار الإنسان والآن تُحارب قيمه من مختلف الدعوات، وتختلف باختلاف الآراء والتوجهات، تُسبّب مشكلة مُركبّة لها أكثر من سبب وأكثر من جانب، وفي القرآن الكريم يجد الإنسان قيماً تتناسب وتتفق مع العلاقات المذكورة مثلا: في علاقة الإنسان بربه ترد قيم والتوكل والاتباع وهي قيم عظيمة جداً، وفي علاقة الإنسان بنفسه نجد الحثّ على التفكّر بالنفس والقدرة على تغيير النفس والبصيرة بالنفس، وفي علاقة الفرد بالحاكم نجد  آيات عن الشورى وآيات عن الطاعة وآيات عن الحكم بالعدل، معانٍ للتدقيق والتمحيص والتفهّم والتدبّر، وفي علاقة الفرد بالأرض الإصلاح والإعمار جاءت آيات السير والنظر وعمارة الأرض،  ومقابلة العاقات المُتعدّدة للإنسان تتوافق مع التوجيهات التي لبّت حاجة كلّ علاقة ونظّمتها ورسمت طريقها، ونجد مجالات الشريعة قد وضعت لنا الأساس الذي نستنبط منه منظومتنا القيميّة المرجوة.

فعن علاقة الإنسان بربه جاء مبدأ التوحيد، وعن علاقة الفرد بمجتمعه جاء العقد الاجتماعي، والأمر بالتكافل والتراحم، وعن علاقة المسلم بغير المسلم جاء ما يُسمّى بالسياسة الدولية المتضمنة عقوداً ومواثيق مبنية على التعاون والتقوى، هذا المصدر الشرعي يمدنا بطريقة لترتيب القيم وتصنيفها، فلا وجود للآن لتصنيفات متفق عليها..

إنّ الإسلام يدلّ على الطريق الذي ينبغي علينا أن نسلكه وهو إيجاد أخلاقيات حقيقية تؤثر بكلّ الدعوات الحديثة كالحداثة والعولمة والمذاهب الفلسفيّة المتعدّدة التي تسعى لنشر مبادئها، وتُريد أن تُسوَّد قيمها على العالم بما أسمته (أخلاقيّات العولمة)، أخلاقيّات غيّبت كليّاً عناصر الإيمان والدين فلا نجد لهما ذكراً رغم أن بعض واضعي هذه الأخلاقيات من أشهر رجال اللاهوت مما جعل هذه الأخلاقيات تحمل القيم العلمانية والمادية نفسها، ينبغي أن ننصرف عمّا يبعد عن الحقيقة وأن نبحث عن أخلاقيات تكون قادرة على تزكية الإنسان بحيث تُحوّل الشعور وترتقي بالسلوك، وأن تكون مصدراً موثوقاً محايداً مستقلاً، إيمانية التوجه روحية التحقق، من لدن عليم حكيم خالق وليس مخلوقاً.

خاتمة:

ويتضّح من كلّ ما سبق أنّ موضوع القيم موضوع محوري في الفلسفة أولي اهتماماً كبيراً، ومجاله واسع جداً تناولته علوم كثيرة، وأنّ القيم منظومة فكرية تتصل بالسلوك وتتأثر بما يحدث في المجتمعات من التغيير المادي، وهذا الذي يُسبّب فجوة بين التغيير المادي والتغيير الفكري الأخلاقي في المجتمع، وأنّ القيم معرضة للانحسار والانتشار على مستوى التطبيق العملي، والثبات على مستوى واحد، وأنّ الحاجة مُلحّةٌ للاتفاق على مبادئ كليّة وما يتفرّع عنها من مبادئ فرعيّة لتشكيل منظومة قِيَميّة مرجعيّة لها عناصر، وأن يكون بين هذه العناصر علاقات، وأن ينتج عنها تفاعلات أخلاقيّة، فالخُلُق صفة نفسيّة تُلازم الإنسان، وسلوكه هو المظهر العمليّ لأخلاقه.

ولأنّ النوع الإنساني يتميّز عن غيره من المخلوقات بحاجته الدائمة لوجود المبادئ والقيم، ولأنّ كلّ مجتمع بشريٍّ بحاجةٍ إلى نُظمٍ ومعايير تحكمه وتسيّر أمور حياته في المجالات المختلفة عقديّاً وعلميّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً وحتّى مهنيّاً، لهذا كله لا بدّ من تعاضد العلماء والمفكرين والمهتمين بالشأن الإنساني والعمل الجاد لإيجاد منظومةٍ قيميّة مُتكاملة تحفظ كرامة الإنسان وحريّته وتتسّق مع فطرته ويرتضيها الجميع غير مُنحازة إلى جهةٍ أو خاضعة لمصالح ومواقف مُتغيّرة مُتبدلة، حتى لا يُصبح الفرد قشّةً تُحركها رياح الأنظمة والتوجهات العالميّة والعولميّة التي تٌقدّم كل يوم قيماً مختلفة مُدعيةً أنها هي الصحيحة والموثوقة، فمع كل هذه الدعوات والاختلافات عمّت الفوضى الفكريّة القيمية وأصبحت الحاجة مُلحّةً إلى دليلٍ قيميٍّ يُواجه التحديّ ويضبط المفاهيم، ويُحدّد المصطلحات، ويُوضّح المقصود وهذا لن يتم إلا باعتماد مصدرٍ سماويٍّ ثابتٍ، يُزوّد البشر بقيم تنشر أخلاقيّات تُعيد لهم كرامتهم وتصرف عنهم المعايير الماديّة التي حولتهم إلى آلات وجردتهم من المشاعر الإنسانيّة، أخلاقيّات تصرف عنهم مفاسد الدعوات المستحدثة التي تخرج عن الحدود التي تضمن، وتكون معهم حصناً في كل أحوالهم.

وفي النهاية أرجو أن أكون قد وفيت الموضوع بعض حقه، وأن ننتقل من مجرد الكلام النظري إلى الممارسة العلميّة الإصلاحيّة، وأعتذر عن تقصير غير مقصود سببه ضيق المجال فالموضوع واسع مُتشعّب يحتاج إلى شرحٍ وتفصيل ومراجع كثيرة في علوم الشريعة وكتب التزكية والأخلاق وكتب في علم الاجتماع وعلم النفس لأهميّته ومساسه المباشر بالحياة.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك

الدكتورة بيان محمد علي الطنطاوي

 

 

 

 

 

 

[1]  انظر: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ط2، 1953م، مكتبة ومطبعة البابي الحلبي بمصر، جزء1، ص8.

[2] انظر قاموس لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الأفريقي المصري، دار صادر، بيروت، الجزء الثاني عشر، ص496

[3] سورة التوبة آية 36.

[4] سورة الأنعام 161.

[5] سورة الفرقان آية 67.

[6] سورة الإسراء آية 9.

[7] انظر أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الأفريقي المصري، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص499

[8] انظر أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الأفريقي المصري، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص500

[9] سورة البلد آية 10.

[10] سورة الشمس آية 7-8.

[11] سورة الشمس آية 9.

[12] سورة النحل آية 90.

[13] سورة الأعراف آية 199.

[14] كتاب دستور الأخلاق في الإسلام، المؤلف محمد عبد الله دراز، مؤسسة الرسالة، ط10، 1998م 1418ه، ص594 وص622.

[15] السلسلة الصحيحة للألباني برقم 45.

[16] سورة البقرة آية 151.

[17] تفسير الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، توفي 502 هجرية، الجزء الثالث، صفحة 862.

[18] سورة مريم آية 95.

[19] سورة النجم آية 39.

[20] سورة المدثر آية 38.

[21] سورة الرعد آية 13.

[22] سورة الملك آية 22.

[23] انظر كتاب أدب الدنيا والدين، المؤلف أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، توفي450هجرية، ص146، دار مكتبة الحياة 1986م.

[24] سورة الحجرات آية 13.

[25] أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2493.

[26] سورة آل عمران آية 110.

[27] سورة الأعراف آية 58.

[28] سورة آل عمران آية 104.

[29] صحيح الترمذي للألباني برقم 2169.

[30] أخرجه مسلم في صحيحه برقم 49.

[31] عبد السلام شيخ، علم النفس الاجتماعي، دار الفكر الجامعي، الاسكندريّة، 1992م، ص178.

[32] محمود السيد أبو النيل، علم النفس الاجتماعي، دار النهضة العربية، بيروت 1984م، ط4، ج1، ص232.

[33] الشاطبي، أبو أسحق إبراهيم بن موسى. الموافقات، تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان. الخبر: دار ابن عفان، 1417هـ- 1997م، ج2، ص 17.

[34] سورة الملك آية 14.

[35] سورة النساء آية 66.

[36] سورة النور آية 55.

[37] انظر: مكيافيللي نقولا، كتاب الأمير، ترجمة أكرم مؤمن، مكتبة ابن سينا 2004، ص64_90.

[38] فرنسيس بيكون، الأورجانون الجديد، ترجمة عادل مصطفى، رؤية للنشر والتوزيع 2013م، ص9_13، 76_89.

ديكارت رينيه، تأملات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى، ترجمة كمال الحاج، بيروت منشورات عويدان 1988م.

نيتشه فريدريك، مولد التراجيديا، ترجمة شاهر حسن عبيد، دار الحوار للنشر والتوزيع سوريا 2008م، ص 79.

ثمّ أوغست كونت..

[39] محمد القذافي رمضان، الصحة النفسيّة والتوافق، ص 111_112

[40] البيهقي، انظر: مسلم بن الحجاج. “صحيح مسلم”، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان، حديث رقم 58، ص 48.

[41] ابن قيم الجوزية، ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر، (ت751ه) كتاب مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نسعين، دراسة وتحقيق ناصر بن سليمان السعودي وآخرون. الطبعة الأولى. الرياض: دار الصميعي للنشر والتوزيع، 2011م، ج1، ص246

[42] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. (ت 728هـ) منهاج السنة النبوية، تحقيق د. محمد رشاد سالم. الطبعة الأولى. مؤسسة قرطبة، ج6، ص72.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

  1. […] إذن، يمكن القول إن تأثير القيم على التواصل الإنساني يجعلها عاملاً حاسماً في فهم وتفسير التفاعلات الاجتماعية والتواصل بين الأفراد في المجتمعات المختلفة. ومن أجل التواصل بشكل فعال، يجب على الأفراد مراعاة قيمهم ومعاييرهم الخاصة، والتفاعل بشكل مثالي مع الآخرين. [15][16] […]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.